إذا نفذت الجائفة إلى الجانب الآخر ففيها ثلثا الدية

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > إذا نفذت الجائفة إلى الجانب الآخر ففيها ثلثا الدية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

إذا نفذت الجائفة إلى الجانب الآخر ففيها ثلثا الدية - الأقوال والأدلة

وإنْ أجافَه رَجلٌ فوسَّعَها آخَرُ فعَلى كلِّ واحدٍ منهُما أرشُ جائِفةٍ؛ لأنَّ فِعلَ كلِّ واحِدٍ منهُما لو انفَردَ كانَ جائِفةً، فلا يَسقطُ حُكمُه بانضِمامِه إلى فِعلِ غيرِه؛ لأنَّ فِعلَ الإنسانِ لا يَنبني على فعلِ غيرِه، وإنْ وسَّعَها الطبيبُ بإذنِه أو إذنِ وَليِّه لمَصلحتِه فلا شيءَ عليهِ …

فصلٌ: وإنْ جرَحَ فَخذَه ومَدَّ السكينَ حتى بلَغَ الوِركَ فأجافَ فيه أو جرَحَ الكَتفَ وجَرَّ السكِّينَ حتى بلَغَ الصَّدرَ فأجافَه فيه فعَليهِ أرشُ الجائِفةِ وحُكومةٌ في الجِراحِ؛ لأنَّ الجِراحَ في غَيرِ مَوضعِ الجائِفةِ، فانفرَدتْ بالضَّمانِ كما لو أوضَحَه في رأسِه وجَرَّ السكينَ حتَّى بلَغَ القفَا فإنه يَلزمُه أرشُ مُوضحةٍ وحُكومةٌ لجُرحِ القفَا (١).

إذا نفَذَتِ الجائِفةُ إلى الجانِبِ الآخَرِ ففِيها ثُلثَا الدِّيةِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ إذا نفَذَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ أنَّ فيها ثُلثَا الديةِ.

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وكُلُّ مَنْ أحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَجعلُ في الجائِفةِ النافِذةِ ثُلثَي الدِّيةِ، روينَا عن أبي بكرٍ الصديقِ أنه قضَى بذلك (٢).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: فإنْ نفَذَتْ إلى الجانِبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ وفيهِما ثُلثَا الديةِ.

(١) «المغني» (٨/ ٣٧٠، ٣٧١).
(٢) «الأوسط» (١٣/ ٢٨٦)، و «الإجماع» (٦٩١).

وقد رُويَ عن سيِّدِنا أبي بَكرٍ الصِّديقِ أنه حكَمَ في جائِفةٍ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ بثُلثَي الديَةِ، وكانَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصَّحابةِ الكِرامِ، ولم يُنقَلْ أنه خالَفَه في ذلكَ أحَدٌ منهُم، فيَكونُ إجماعًا (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فإنْ جرَحَه في جَوفِه فخرَجَ مِنْ الجانِبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ.

هذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهُم عَطاءٌ ومُجاهدٌ وقَتادةُ ومالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعلَمُهم يَختلفونَ في ذلكَ، وحُكيَ عن بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ أنه قالَ: هي جائِفةٌ واحِدةٌ، وحُكيَ أيضًا عن أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الجائِفةَ هي التي تَنفذُ مِنْ ظاهِرِ البَدنِ إلى الجَوفِ، وهذهِ الثانيةُ إنما نفَذَتْ مِنْ الباطنِ إلى الظاهِرِ.

ولنا: ما رَوَى سَعيدُ بنُ المُسيبِ «أنَّ رَجلًا رمَى رَجلًا بسَهمٍ فأنفَذَه، فقَضَى أبو بَكرٍ رضي الله عنه بثُلثَي الديَةِ» ولا مُخالِفَ له، فيَكونُ إجماعًا، أخرَجَه سَعيدُ بنُ مَنصورٍ في سُننِه، ورُويَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه «أنَّ عُمرَ قَضَى في الجائِفةِ إذا نفَذَتِ الجوفَ بأرشِ جائفَتينِ»؛ لأنه أنفَذَه مِنْ مَوضعينِ، فكانَ جائفَتينِ كما لو أنفَذَه بضَربتينِ، وما ذكَرَه غيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الاعتبارَ بوُصولِ الجُرحِ إلى الجَوفِ لا بكَيفيةِ إيصالِه؛ إذْ لا أثَرَ لصُورةِ الفِعلِ مع التساوي في المعنَى، ولأنَّ ما ذَكَروهُ مِنْ الكَيفيةِ ليسَ بمَذكورٍ في خبَرٍ، وإنما العادةُ والغالبُ وقوعُ الجائفةِ هكذا، فلا يُعتبَرُ، كما

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣١٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في ما يلحق بمسائل التداخل في الدية والأرش

يَدْخُلُ قَدْرُ الدِّيَةِ لَا غَيْرُ، وَيَجِبُ فِيهَا دِيَةٌ وَثُلُثُ دِيَةٍ لِأَنَّ الْكَثِيرَ لَا يَتْبَعُ الْقَلِيلَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.

وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ رحمة الله عليه عَلَيْهِ دِيَتَانِ وَثُلُثُ دِيَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَرَى التَّدَاخُلَ فِي الشِّجَاجِ أَصْلًا وَرَأْسًا.

وَلَوْ سَقَطَ بِالْمُوضِحَةِ بَعْضُ شَعْرِ رَأْسِهِ يُنْظَرُ إلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ وَإِلَى حُكُومَةِ الْعَدْلِ فِي الشَّعْرِ فَإِنْ كَانَا سَوَاءً لَا يَجِبُ إلَّا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ أَيُّهُمَا كَانَ لِأَنَّهُمَا يَجِبَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ فَيَتَدَاخَلُ الْجُزْءُ فِي الْجُمْلَةِ.

وَلَوْ كَانَتْ الشَّجَّةُ فِي حَاجِبِهِ فَسَقَطَ وَلَمْ يَنْبُتْ يَدْخُلُ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ فِي أَرْشِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ نِصْفُ الدِّيَةِ كَمَا يَدْخُلُ فِي أَرْشِ الشَّعْرِ لِمَا قُلْنَا.

وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ مِنْ الشِّجَاجِ الْخَطَأِ (فَأَمَّا) إذَا كَانَتْ الشَّجَّةُ عَمْدًا فَذَهَبَ مِنْهَا الْعَقْلُ أَوْ الشَّعْرُ أَوْ السَّمْعُ أَوْ غَيْرُهُ فَفِيهِ خِلَافٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي مَا يُلْحَقُ بِمَسَائِلِ التَّدَاخُلِ فِي الدِّيَة والأرش

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 350 - 351

ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله