الدية في الذكر

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > الدية في الذكر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

الدية في الذكر - الأقوال والأدلة

الديَةُ في الذَّكرِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الذكَرِ الدِّيةَ؛ لقَولِ النبيِّ : «وفي البَيضَتَينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الديةُ» (١).

قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ في الذكَرِ الدِّيةُ، وانفَردَ قَتادةُ فقالَ: في ذكَرِ الذي لا يَأتي النِّساءَ ثُلثُ ما في ذكَرِ الذي يأتي النساءَ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ في كُلِّ الذَّكرِ الديةُ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الذَّكرِ الدِّيةُ، وفي كِتابِ النبيِّ لعَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الذَّكرِ الدِّيةُ»، ولأنه عُضوٌ واحِدٌ فيه الجَمالُ والمَنفعةُ، فكَمُلتْ فيه الديةُ كالأنفِ واللِّسانِ، وفي شَللِه دِيتُه؛ لأنه ذهَبَ بنَفعِه، أشبَهَ ما لو أشَلَّ لِسانَه، وتَجبُ الدِّيةُ في ذَكرِ الصَّغيرِ والكَبيرِ والشَّيخِ والشابِّ سَواءٌ قدَرَ على الجِماعِ أو لم يَقدرْ.

فأمَّا ذكَرُ العِنينِ فأكثَرُ أهلِ العِلمِ على وُجوبِ الدِّيةِ؛ لعُمومِ الحَديثِ، ولأنه غيرُ مَأيوسٍ مِنْ جِماعِه، وهو عُضوٌ سَليمٌ في نَفسِه، فكَمُلتْ دِيتُه كذَكرِ الشيخِ.

وذكَرَ القاضي فيه عن أحمَدَ رِوايتينِ:

إحداهُما: تَجبُ فيه الدِّيةُ لذلكَ.

(١) رواه النسائي (٤٨٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٥٩).
(٢) «الإجماع» (٦٩٢).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٢٤١).

والثانيةُ: لا تَكملُ دِيتُه، وهو مَذهبُ قَتادةَ؛ لأنَّ مَنفعتَه الإنزالُ والإحبالُ والجِماعُ، وقد عُدمَ ذلكَ منه في حالِ الكَمالِ، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشَلِّ، وبهذا فارَقَ ذكَرَ الصبيِّ والشيخِ.

واختَلفَتِ الرِّوايةُ في ذَكرِ الخَصيِّ، فعَنه: فيه دِيةٌ كامِلةٌ، وهو قولُ سَعيدِ بنِ عبدِ العَزيزِ والشافِعيِّ وابنِ المُنذرِ؛ للخبَرِ، ولأنَّ مَنفعةَ الذَّكرِ الجِماعُ، وهو باقٍ فيه.

والثانيةُ: لا تَجبُ فيه، وهو قَولُ مالكٍ والثوريِّ وأصحابِ الرأيِ وقَتادةَ وإسحاقَ؛ لِما ذكَرْنا في ذَكرِ العِنينِ، ولأنَّ المَقصودَ منه تَحصيلُ النَّسلِ، ولا يُوجدُ ذلكَ منهُ، فلَم تَكملْ دِيتُه كالأشَلِّ، والجِماعُ يَذهبُ في الغالبِ؛ بدَليلِ أنَّ البَهائمَ يَذهبُ جِماعُها بخِصائِها.

والفرقُ بينَ ذَكرِ العِنينِ وذَكرِ الخَصيِّ أنَّ الجِماعَ في ذَكرِ العِنينِ أبعَدُ منه في ذَكرِ الخَصيِّ، واليأسُ مِنْ الإنزالِ مُتحقِّقٌ في ذَكرِ الخَصيِّ دون ذَكرِ العِنينِ، فعلى قَولِنا: «لا تَكملُ الديَةُ في ذَكرِ الخَصيِّ» إنْ قطَعَ الذَّكرَ والأنثَيينِ دفعةً واحِدةً أو قطَعَ الذَّكرَ ثم قطَعَ الأنثَيينِ لَزمتْه دِيتانِ، فإنْ قطَعَ الأنثَيينِ ثم قطَعَ الذَّكرَ لم يَلزمْه إلا دِيةٌ واحِدةٌ في الأنثَيينِ وفي الذَّكرِ حُكومةٌ؛ لأنه ذكَرُ خَصيٍّ، قالَ القاضي: ونَصَّ أحمَدُ على هذا، وإنْ قطَعَ نِصفَ الذَّكرِ بالطُّولِ ففيهِ نصفُ الديَةِ، ذكَرَه أصحابُنا، والأَولى أنْ تَجبَ الديةُ كامِلةً؛ لأنه ذهَبَ بمَنفعةِ الجِماعِ به، فكَمُلتْ دِيتُه كما لو أشَلَّه أو كسَرَ صُلبَه فذهَبَ جِماعُه.

وإنْ قطَعَ قِطعةً منه ممَّا دونَ الحَشفةِ وكانَ البولُ يَخرجُ على ما كانَ عليهِ وجَبَ بقَدرِ القِطعةِ مِنْ جَميعِ الذَّكرِ مِنْ الديَةِ، وإنْ خرَجَ البولُ مِنْ مَوضعِ القَطعِ وجَبَ الأكثَرُ مِنْ حِصةِ القِطعةِ مِنْ الديةِ أو الحُكومةِ، وإنْ ثقَبَ ذكَرَه فيما دونَ الحَشفةِ فصارَ البولُ يَخرجُ مِنْ الثقبِ ففيه حُكومةٌ لذلكَ (١).

وقالَ القاضِي عبدُ الوهابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: في ذَكرِ الخَصيِّ حُكومةٌ، وقالَ الشافِعيُّ: فيه الديَةُ؛ فدَليلُنا: أنَّ مَنفعتَه ناقِصةٌ؛ لأنه لا يُنزِلُ ووَطؤُه ناقِصٌ، ولزَوجتِه الخيارُ إذا تَزوَّجتْه، فلَم يَستحقَّ به كَمالَ الدِّيةِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في ذَكرِ الخَصيِّ:

فقالَتْ طائِفةٌ: في ذَكرِ الخَصيِّ ما في ذَكرِ الفَحلِ؛ لأنَّ في الحَديثِ «في الذَّكرِ الدِّيةُ»، والخَصيُّ والفَحلُ داخِلانِ في ظاهِرِ الحَديثِ، وغيرُ جائزٍ إخراجُ شَيءٍ مِنْ جُملةِ الحَديثِ إلا بحُجةٍ، هذا قَولُ الشافِعيِّ وسَعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ.

وقالَتْ فِرقةٌ: في ذَكرِ الخَصيِّ حُكومةٌ، كذلكَ قالَ مالكُ بنُ أنسٍ وسُفيانُ الثوريُّ وأحمَدُ بنُ حَنبلٍ، ورُويَ ذلكَ عن النخَعيِّ، وبه قالَ أصحابُ الرأيِ.

قالَ أبو بَكرٍ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ (٣).

(١) «المغني» (٨/ ٢٦٠، ٣٦١)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٩٨)، و «البيان» (٣٨٧، ٣٨٨).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٢٨).
(٣) «الأوسط» (١٣/ ٢٩٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية

التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.

(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 369 - 371

ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل