القصاص في الأنثيين (البيضتين)

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > القصاص في الأنثيين (البيضتين)

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

القصاص في الأنثيين (البيضتين) - الأقوال والأدلة

القِصاصُ في الأُنثَيينِ (البَيضتَينِ):

ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ القِصاصَ واجِبٌ في الجِنايةِ على الأنثَيينِ، فلو أنَّ أحدًا جنَى على آخَرَ فقطَعَ أُنثَييه فيَجبُ أنْ يُقتصَّ للمَجنيِّ عليهِ، فتُقطعُ الأُنثيينِ مِنْ الجاني؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه طرَفٌ يُمكنُ اعتِبارُ المُماثلةِ في أخذِ القِصاصِ منه، فأشبَهَ سائرَ الأطرافِ.

قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجري القِصاصُ في الأنثَيينِ؛ لِما ذكَرْنا مِنْ النصِّ والمعنَى، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، فإنْ قطَعَ إحداهُما وقالَ أهلُ الخِبرةِ: «إنه مُمكنٌ أخذُها مع سَلامةِ الأخرَى» جازَ.

فإنْ قالوا: «لا يُؤمَنُ تلَفُ الأخرَى» لم تُؤخذْ؛ خَشيةَ الحَيفِ، ويكونُ فيها نِصفُ الديَةِ، وإنْ أُمِنَ تَلفُ الأخرَى أُخذَتِ اليُمنى باليُمنى، واليُسرَى باليُسرَى؛ لِمَا ذكَرْناهُ في غيرِهما (١).

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ قطَعَ أُنثَييهِ .. اقتُصَّ منه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه طرَفٌ يُمكنُ اعتِبارُ المُماثلةِ في أخذِ القِصاصِ فيه، فشابَهَ سائرَ الأطرافِ.

فإنْ قطَعَ إحدَى أُنثَييهِ .. قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: (سَألْت أهلَ الخِبرةِ، فإنْ قالوا: «يُمكنُ أنْ يُقتصَ مِنْ إحدَى البَيضتينِ مِنْ القاطعِ ولا تَتلفُ

(١) «المغني» (٨/ ٢٥٩).

الأخرَى» .. اقتُصَّ منه، وإنْ قيلَ: «تَتلفُ الأخرَى» .. لم يُقتصَّ منه؛ لأنه لا يَجوزُ أخذُ أُنثَيينِ بواحدةٍ، ويَجبُ له نِصفُ الدِّيةِ)، وهل تَتبعُها جِلدتُها أو تَنفردُ بحُكومةٍ؟ فيه وَجهانِ حَكاهُما في «الفُروع» (١).

وأما الحَنفيةُ فلَم يُوجدْ عندَهُم نَصٌّ في الكُتبِ الظاهِرةِ على وُجوبِ القِصاصِ في الأُنثيَينِ في حالةِ العَمدِ، جاءَ في «الفَتاوَى الهِنديَّة»: ولم يُوجدْ في الكُتبِ الظاهِرةِ أنه هل يَجبُ في قَطعِ الأنثَيينِ القِصاصُ حالةَ العَمدِ؟ كذا في «الظَّهيريةِ» (٢).

ومِن أجْلِ هذا اختَلفَ فُقهاءُ المَذهبِ، فذكَرَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ القِصاصَ فيهِما فَقالَ رحمة الله عليه: ولم يَذكرْ (أي: الماتِنُ صاحِبُ «كَنز الدَّقائقِ») في الكِتابِ أنه إذا قطَعَ الأنثَيينِ عَمدًا هل يَجبُ القِصاصُ؟ والظاهِرُ أنه يَجبُ فيهِما القِصاصُ حالةَ العَمدِ (٣).

وذهَبَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه إلى عَدمِ القِصاصِ فيهما، فقالَ: لم يُذكرْ حُكمُ الأنثَيينِ في وُجوبِ القِصاصِ فيهما، ويَنبغي أنْ لا يَجبَ القِصاصُ فيهما؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ ليسَ له مَفصلٍ مَعلومٌ، فلا يُمكِنُ استِيفاءُ المِثلِ (٤).

(١) «البيان» (١١/ ٣٨٨).
(٢) «الفتاوى الهندية» (٦/ ١٥).
(٣) «البحر الرائق» (٨/ ٣٧٧).
(٤) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٠٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان من يستحق القصاص

الشَّرِيفَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْن نَفَرٍ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْبَاقِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﷾ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ البقرة: ١٧٨ ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: أُوقِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَقَوْلُهُ: فِي دَفْعِ الدِّيَةِ صِيَانَةُ نَفْسِ الْقَاتِلِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يَصِيرَ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ لَا أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَعِنْدَ صَاحِبِهِ طَعَامٌ يَبِيعُهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الشِّرَاءِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَدْفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ الْمَقْتُولُ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَهُ بِإِكْفَاءِ وَرَثَتِهِ أَحْيَاءً، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ

(فَصْلٌ) :

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 372 - 373

ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده