القصاص في الأنف

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > القصاص في الأنف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

القصاص في الأنف - الأقوال والأدلة

للعَينينِ، فلَم تَجبْ فيها الدِّيةُ الواجِبةُ في العَينينِ؛ لأنَّ حُكمَ التبعِ أخَفُّ مِنْ حُكمِ المَتبوعِ.

جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: قُلتُ: أرَأيتَ جُفونَ العَينينِ أَفيها الديةُ عندَ مالكٍ؟ (قالَ): ليسَ في الجُفونِ إلا الاجتِهادُ، (قلتُ): وأشفارُ العَينينِ كذلكَ في قَولِ مالكٍ إنما فيهِما الاجتهادُ؟ (قالَ): نعم، (قلتُ): أرَأيتَ الحاجِبينِ فيهِما الديَةُ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ: ليسَ فيهما إلا الحُكومةُ إذا لم يَنبتَا (١).

قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ في الأجفانِ الأربَعةِ الديَةَ كامِلةً، وفي كلِّ واحِدٍ منها رُبعَ الديةِ.

إلا مالِكًا فإنه قالَ: فيها حُكومةٌ (٢).

القِصاصُ في الأنفِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الأنفَ تُؤخذُ بالأنفِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولأنه يَنتهي إلى مَفصلٍ، فيُؤخذُ الأنفُ الكَبيرُ بالصَّغيرِ، والغَليظُ بالدَّقيقِ؛ لأنَّ الأطرافَ يَجبُ القِصاصُ فيها وإنِ اختَلفَتْ في الصِّغَرِ والكِبَرِ.

(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٣١٥، ٣١٦)، و «الاستذكار» (٨/ ٨٦)، و «عيون المسائل» ص (٤٤٠)، و «المعونة» (٢/ ٢٧٠)، و «التبصرة» (١٣/ ٦٣٧١).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩).

وفيهِ الدِّيةُ كامِلةً؛ لقَولِ النبيِّ : «وفي الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدعُه الدِّيةُ» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الأنفَ إذا أُوعبَ جَدعًا الديةُ (٢).

والقِصاصُ مِنْ الأنفِ إذا كانَتِ الجِنايةُ عَمدًا كالقِصاصِ مِنْ سائرِ الأعضاءِ على ظاهِرِ كتابِ اللهِ ﷿ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على أنَّ الأنفَ بالأنفِ، وأجمَعُوا على أنَّ في الأنفِ إذا استُوعبَ جَذعًا الديةُ (٤).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا على جَرَيانِ القِصاصِ في الأنفِ أيضًا؛ للآيةِ والمعنَى، ويُؤخذُ الكَبيرُ بالصَّغيرِ، والأَقنى (٥) بالأفطَسِ (٦)، وأنفُ الأشَمِّ (٧) بأنفِ الأخشَمِ (٨) الذي لا يَشمُّ؛ لأنَّ ذلكَ لعِلةٍ في الدِّماغِ والأنفُ صَحيحٌ، كما تُؤخذُ أُذنُ السَّميعِ بأُذنِ الأصمِّ، وإنْ كانَ بأنفِه جُذامٌ

(١) رواه النسائي (٤٨٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٥٩).
(٢) «الإجماع» (٦٨١).
(٣) «الإشراف» (٧/ ٤١٤).
(٤) «الإفصاح» (٢/ ٣٨).
(٥) الأَقنَى: أي الذي فيه احدِدابٌ معَ ارتِفاعٍ في القَصبةِ.
(٦) الأفطَسُ: هو ما تَضامَنَتْ قَصبةُ أنفِه وانتشَرَتْ.
(٧) الأشَمُّ: مَنْ كانَتْ حاسَّةُ الشمِّ لديهِ صَحيحةٌ.
(٨) الأخشَمُ: مَنْ لم يَشُمَّ لداءٍ يَعتري الأنفَ فيَذهبُ بالحاسةِ.

أُخذَ به الأنفُ الصَّحيحُ ما لم يَسقطْ منه شَيءٌ؛ لأنَّ ذلكَ مَرضٌ، فإنْ سقَطَ منه شَيءٌ لم يُقطعْ به الصَّحيحُ، إلا أنْ يَكونَ مِنْ أحدِ جانبَيهِ، فيَأخذُ مِنْ الصَّحيحِ مثلَ ما بَقيَ منه أو يأخذُ أرشَ ذلكَ.

والذي يَجبُ فيه القِصاصُ أو الدِّيةُ هو المارِنُ، وهو ما لَانَ منه دُونَ قَصبةِ الأنفِ؛ لأنَّ ذلكَ حَدٌّ يَنتهِي إليه، فهو كاليَدِ يَجبُ القِصاصُ فيما انتَهى إلى الكُوعِ، وإنْ قطَعَ الأنفَ كلَّه مِنْ القَصبةِ فعَليهِ القِصاصُ في المارنِ وحُكومةٌ للقَصبةِ، هذا قَولُ ابنِ حامِدٍ ومَذهبُ الشافِعيِّ، وفيه وَجهٌ آخَرُ أنه لا يَجبُ مع القِصاصُ حُكومةٌ؛ كي لا يَجتمعَ في عُضوٍ واحِدٍ قِصاصٌ ودِيةٌ، وقياسُ قولِ أبي بَكرٍ أنه لا يَجبُ القِصاصُ هاهُنا؛ لأنه يَضعُ الحَديدةَ في غيرِ المَوضعِ الذي وضَعَها الجاني فيه، فلَم يَملكْ ذلكَ، كقَولِه فيمَن قطَعَ اليدَ مِنْ نِصفِ الذِّراعِ أو الكفِّ.

وذكَرَ القاضي هاهُنا كقَولِ أبي بَكرٍ، وفي نَظائرِه مثلَ قولِ ابنِ حامِدٍ، ولا يَصحُّ التَّفريقُ مع التساوي، وإنْ قطَعَ بعضَ الأنفِ قُدِّرَ بالأجزاءِ وأُخذَ منه بقَدرِ ذلكَ كقَولِنا في الأذنِ، ولا يُؤخذُ بالمَساحةِ؛ لئلَّا يُفضيَ إلى قَطعِ جَميعِ أنفِ الجاني لصِغرِه ببعضِ أنفِ المَجنيِّ عليهِ لكِبَرِه، ويُؤخذُ المِنخرُ الأيمَنُ بالأيمنِ، والأيسَرُ بالأيسَرُ، ولا يُؤخذُ أيمَنُ بأيسَرَ، ولا أيسَرُ بأيمَنَ، ويُؤخذُ الحاجزُ بالحاجزِ؛ لأنه يُمكنُ القِصاصُ فيه؛ لانتِهائِه إلى حَدٍّ (١).

وقالَ الماوَرديُّ: قالَ الشافِعيُّ رضي الله عنه: «والأنفُ بالأنفِ».

(١) «المغني» (٨/ ٢٥٨).

قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ، القِصاصُ في الأنفِ واجِبٌ بالنصِّ، فإذا جدَعَ أنفَه مِنْ العَظمِ حتى استَوعبَ جَميعَ مارِنِه اقتصَّ منه بمِثلِه وقُطعَ جَميعُ مارِنِه، ويُقتصُّ مِنْ أنفِ الشامِّ بأنفِ الأخشَمِ، ومِن الكَبيرِ بالصَّغيرِ، ومِن الأقنَى بالأفطَسِ، ومِن الصَّحيحةِ بالخَرماءِ إذا لم يَذهبْ بالخَرمِ منها شَيءٌ، فإنْ قطَعَ أنفَه مِنْ نِصفِ المارِنِ اقتصَّ مِنْ نِصفِ مارِنِه، بخِلافِ القاطعِ مِنْ نصفِ الذِّراعِ؛ لأنَّ في الذراعِ عَظمًا يَمنعُ مِنْ مُماثَلةِ القِصاصِ، ومارِنُ الأنفِ ليسَ يُمكنُ فيه القِصاصُ، فلو قطَعَه مِنْ نِصفِ العَظمِ صارَ حِينئذٍ كالقاطعِ مِنْ نِصفِ الذِّراعِ، فيُقتصُّ له مِنْ حَدِّ العَظمِ ويُستوعبُ به جَميعُ المارِنِ، ويُعطَى حُكومةً فيما قُطعَ مِنْ العَظمِ، فلو أوضَحَ عن العَظمِ ولم يَقطعْه أخَذَ منه ديَةَ مُوضحةٍ، ولو هشَمَه أخَذَ منه ديَةَ هاشِمةٍ، ولو نقَّلَه أخَذَ منه ديَةَ مُنقِّلةٍ، وفي حُكومةِ قَطعٍ أكثرُ مِنْ ديةِ مُنقِّلةٍ.

وإذا قطَعَ أحَدَ شِقِّي أنفِه اقتصَّ منه؛ لأنَّ حاجِزَ المِنخرينِ حدٌّ يَنتهي القِصاصُ إليه، ولو قطَعَ حاجِزَ المِنخرينِ اقتصُّ منه إلى الحدِّ الذي قطَعَه؛ لإمكانِ الاقتِصاصِ مِنْ جَميعِه، ولو ضرَبَ أنفَه فاستَحشَفَ لم يُقتصَّ منه وكانَ له الديَةُ، كما لو ضرَبَ يَدَه فشُلَّت، ويَحتملُ أنْ يَتخرَّجَ فيه قَولٌ آخَرُ مِنْ استِشحافِ الأُذنِ أنَّ له حُكومةً، ولو كسَرَ أنفَه مُجبَّرةً أُعطيَ حكومةً ولا قوَدَ له، فلو انجبَرَ مُعوَجًّا كانَت الحكومةُ أكثَرَ منها لو انجبَرَ مُستقيمًا (١).

(١) «الحاوي الكبير» (١٢/ ١٥٩)، و «البيان» (١١/ ٣٦٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان من يستحق القصاص

الشَّرِيفَةُ نَزَلَتْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي دَمٍ بَيْن نَفَرٍ يَعْفُو أَحَدُهُمْ عَنْ الْقَاتِلِ فَلِلْبَاقِينَ أَنْ يَتَّبِعُوا بِالْمَعْرُوفِ فِي نَصِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﷾ ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ البقرة: ١٧٨ ، وَهُوَ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: أُوقِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَقَوْلُهُ: فِي دَفْعِ الدِّيَةِ صِيَانَةُ نَفْسِ الْقَاتِلِ عَنْ الْهَلَاكِ، وَأَنَّهُ وَاجِبٌ، قُلْنَا: نَعَمْ لَكِنَّ قَضِيَّتَهُ أَنْ يَصِيرَ آثِمًا بِالِامْتِنَاعِ لَا أَنْ يَمْلِكَ الْوَلِيُّ أَخْذَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ كَمَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ، وَعِنْدَ صَاحِبِهِ طَعَامٌ يَبِيعُهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ عَنْ الشِّرَاءِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يَدْفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ، وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، كَذَا هَذَا، وَقَوْلُهُ الْمَقْتُولُ: لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ، قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءَهُ بِإِكْفَاءِ وَرَثَتِهِ أَحْيَاءً، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَالِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ

(فَصْلٌ) :

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 358 - 361

ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله