الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > حكم الجائفة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةلأنه لا يُمكنُ المُماثلةُ فيها، ويُخافُ فيها الحَيفُ، بل إنْ كانَتْ في مَوضعٍ ووصَلتْ إلى العَظمِ ثم كسَرتْ أو أجافَتْ .. وجَبَ القِصاصُ فيها إلى العَظمِ، ووجَبَ الأرشُ فيما زادَ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الجِراحاتُ في سائرِ البَدنِ فما لا قِصاصَ فيه إذا كانَ على الرأسِ والوجهِ لا قِصاصَ فيه إذا كانَ على غيرِهما، وأما المُوضحةُ التي تُوضِحُ عظْمَ الصَّدرِ أو العُنقِ أو الساعدِ أو الأصابعِ ففِي وُجوبِ القِصاصِ فيها وَجهانِ:
أحَدُهما: لا، كما لا يَجبُ فيها أرشٌ مُقدَّرٌ.
وأصَحُّهما: نعمْ، وهو ظاهِرُ النصِّ؛ لتيسُّرِ استيفاءِ المثلِ، وإذا اختَصرْتَ وأجبْتَ في الجِراحاتِ في جَميعِ البَدنِ بالمُختارِ قلتَ: يَجبُ القِصاصُ في الجِراحةِ على أيِّ مَوضعٍ كانَتْ بشَرطِ أنْ تَنتهيَ إلى عَظمٍ ولا تَكسرَه (٢).
حُكمُ الجائِفةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الجائِفةَ مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البَطنِ، وأنه لا قِصاصَ فيها وفيها ثُلثُ الديَةِ إجماعًا، فإنْ نفَذَتْ إلى الجانبِ الآخَرِ فهُمَا جائِفتانِ وفيهمَا ثُلثَا الديةِ؛ لِما في كتابِ عمرِو بنِ حزمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «وفي الجائِفةُ ثُلثُ الديَةِ» (٣).
(١) «البيان» (١١/ ٣٦٤، ٣٦٥).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ١٩٥، ١٩٦).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وقد تقدم.
وحَديث عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه مَرفوعًا وفيه: «وفي الجائِفةُ ثلثُ العَقلِ» (١) (٢).
وقالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وفي الجائِفةِ ثُلثُ دِيةِ النفسِ باتفاقٍ، وهي التي تَخرقُ إلى الجَوفِ.
والجائفةُ لا تَكونُ إلا في البَطنِ أو الظَّهرِ أو الجَنيينِ، وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وفيها ثُلثُ الديَةِ، ولا تَنازُعَ بينَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (٣).
وقالَ: وأجمَعُوا على أنَّ في الجائِفةِ ثلثَ الديَةِ، إلا شَيئًا رُويَ عن مَكحولٍ، فإنه فرَّقَ بينَ العَمدِ والخَطأِ، رُويَ عنه أنه قالَ: إذا كانَتِ الجائفةُ عَمدًا ففيها ثُلثَا الديةِ، وإنْ كانَت خَطأً ففيها ثُلثٌ.
قالَ أبو بكرٍ: ولا نَعلمُ أحدًا وافَقَه على ذلكَ، وهو مع شُذوذِه وانفِرادِه عن أهلِ العِلمِ خِلافُ ظاهرِ حَديثِ عمرِو بنِ حزمٍ، ولا فرْقَ بينَ الخَطأِ والعَمدِ فيه (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما الجائِفةُ فأجمَعَ العلماءُ على أنها مِنْ جِراحِ الجَسدِ لا مِنْ شِجاجِ الرأسِ، وأنها تكونُ في الظَّهرِ وفي البَطنِ،
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٥٦٤)، وأحمد (٢/ ٢٢٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٦، ٣١٩)، و «الهداية» (٤/ ١٨٢).
(٣) «الإقناع» (٢/ ٢٨٦، ٢٨٧).
(٤) «الأوسط» (١٣/ ٢٨٦)، و «الإجماع» (٦٩١).
إذا وصَلَ شيءٌ منها إلى الجَوفِ ولو بمَدخلِ إبرةٍ فهي جائفةٌ، وفيها ثُلثُ الديةِ ولا قوَدَ فيها وإنْ كانَتْ عمدًا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: الجائِفةُ وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وفيها ثُلثُ الديةِ إجماعًا (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والجائفةُ في البَدنِ وهي التي تَصلُ إلى الجَوفِ، وليسَ فيها قِصاصٌ عندَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ نَعلمُه (٣).
وقالَ أيضًا: مَسألةٌ: قالَ: (وفي الجائفةِ ثُلثُ الديَةِ، وهي التي تَصلُ إلى الجوفِ).
هذا قَولُ عامةِ أهلِ العِلمِ، منهُم أهلُ المَدينةِ وأهلُ الكُوفةِ وأهلُ الحَديثِ وأصحابُ الرأيِ، إلا مَكحولًا قالَ: فيها في العَمدِ ثُلثَا الديَةِ.
ولنا: قَولُ النبيِّ ﷺ في كِتابِ عمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الجائِفةِ ثلثُ الديَةِ» (٤).
وعن ابنِ عُمرَ عن النبيِّ ﷺ مثلُ ذلكَ.
ولأنها جِراحةٌ فيها مُقدَّرٌ، فلَم يَختلفْ أرشُها بالعَمدِ والخطأِ كالمُوضحةِ، ولا نَعلمُ في جِراحِ البَدنِ الخاليةِ عن قَطعِ الأعضاءِ وكَسرِ العِظامِ مُقدَّرًا غيرَ الجائِفةِ.
(١) «الاستذكار» (٨/ ٩٦).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨).
(٣) «المغني» (٨/ ٢٥٦).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
والجائِفةُ: ما وصَلَ إلى الجَوفِ مِنْ بَطنٍ أو ظَهرٍ أو صَدرٍ أو ثَغرةِ نَحرٍ أو وِركٍ أو غيرِه، وذكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ مالكًا وأبا حَنيفةَ والشافِعيَّ والبتيَّ وأصحابَهُم اتَّفقُوا على أنَّ الجائِفةَ لا تكونُ إلا في الجَوفِ، قالَ ابنُ القاسمِ: الجائِفةُ ما أفضَى إلى الجَوفِ ولو بمِغرزِ إبرةٍ، فأما إنْ خرَقَ شِدقَه فوصَلَ إلى باطِنِ الفمِ فليسَ بجائِفةٍ؛ لأنَّ داخلَ الفمِ حُكمُه حُكمُ الظاهرِ لا حُكمُ الباطنِ، وإنْ طعَنَه في وجنَتِه فكسَرَ العظمَ ووصَلَ إليه فيه فليسَ بجائِفةٍ؛ لِما ذكَرْنا.
وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَوليهِ: «هو جائِفةٌ؛ لأنه قد وصَلَ إلى جَوفٍ»، وهذا يَنتقضُ بما إذا خرَقَ شِدقَه، فعَلى هذا يَكونُ عليهِ ديةُ هاشِمةٍ لكَسرِ العَظمِ وفيما زادَ حُكومةٌ، وإنْ جرَحَه في أنفِه فأنفَذَه فهو كما لو جرَحَه في وجنَتِه فأنفَذَه إلى فيهِ في الحُكمِ والخِلافِ، وإنْ جرَحَه في ذَكرِه فوصَلَ إلى مَجرَى البَولِ مِنْ الذَّكرِ فليسَ بجائِفةٍ؛ لأنه ليسَ بجَوفٍ يُخافُ التلفُ مِنْ الوُصولِ إليه، بخِلافِ غيرِه.
فصلٌ: وإنْ أجافَهُ جائفَتينِ بينَهُما حاجزٌ فعَليهِ ثُلثَا الدِّيةِ، وإنْ خرَقَ الجاني ما بينَهُما أو ذهَبَ بالسِّرايةِ صارَ جائِفةً واحِدةً فيها ثلثُ الديةِ لا غيرُ، وإنْ خرَقَ ما بينَهُما أجنَبيٌّ أو المَجنيُّ عليهِ فعَلى الأولِ ثُلثَا الدِّيةِ وعلى الأجنبيِّ الثاني ثُلثُها، ويَسقطُ ما قابَلَ فعلَ المَجنيِّ عليهِ، وإنِ احتاجَ إلى خَرقِ ما بينَهُما للمُداواةِ فخرَقَها المَجنيُّ عليهِ أو غيرُه بأمرِه أو خرَقَها وليُّ المَجنيِّ عليهِ لذلكَ أو الطبيبُ بأمرِه فلا شَيءَ في خَرقِ الحاجزِ، وعلى الأولِ ثُلثَا الديةِ.
ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.