سراية القصاص

الإسلام > الجنايات والحدود > أنواع الجنايات فيما دون النفس > سراية القصاص

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

سراية القصاص - الأقوال والأدلة

سِرايةُ القِصاصِ:

إذا قطَعَ رَجلٌ يَدَ رَجلٍ أو رِجلَه فاقتَصَّ المَجنيُّ عليهِ مِنْ الجاني فاندَملَتْ يَدُ أو رِجلُ المَجنيِّ عليهِ وماتَ الجاني فإن دَمَه هدَرٌ عندَ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ مِنْ الحَنفيةِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)[الشورى: ٤١]، ورُويَ عن عُمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما أنهُما قالَا: «مَنْ ماتَ مِنْ حَدٍّ أو قِصاصٍ فلا دِيةَ له، الحَقُّ قتَلَه» وليسَ لهُمَا مُخالفٌ فصارَ إجماعًا، ولأنه قَطعٌ مُستحَقٌّ مُقدَّرٌ، فلا تُضمَنُ سِرايتُه كقَطعِ السارقِ.

إذا ثبَتَ هذا فلا فرْقَ بينَ سِرايتِه إلى النَّفسِ بأنْ يَموتَ منها أو إلى ما دُونَها مثلَ أنْ يقطَعَ أصبعًا فتَسريَ إلى كفِّه.

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنَّ سِرايةَ القِصاصِ مَضمونةٌ على المُقتصِّ كما أنَّ سِرايةَ الجِنايةِ مَضمونةٌ على الجاني، فإذا ماتَ الجاني مع سِرايةِ القِصاصِ ضَمِنَ المُقتصُّ جَميعَ دَيةِ نفسِه على عاقِلتِه؛ استِدلالًا بأنَّ ما حدَثَ عن المُباشرةِ كانَ مَضمونًا على المُباشرِ كالجاني، ولأنَّ القِصاصَ مُباحٌ وليسَ بلازمٍ؛ لتَخييرِ وليِّه بينَ فِعلِه وتَركِه، كضَربِ الرَّجلِ لزَوجتِه والأبِ لوَلدِه، ثمَّ ثبَتَ أنَّ ما حدَثَ مِنْ التلَفِ عن ضَربِ الزَّوجِ والأبِ مَضمونٌ عليهِما، كذلكَ ما حدَثَ عن القِصاصِ يَجبُ أنْ يَكونَ مَضمونًا على المُتقصِّ (١).

(١) «الاستذكار» (٨/ ١٨٦، ١٨٧)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ١٢٦)، و «البيان» (١١/ ٤٢٦، ٤٢٧)، و «المغني» (٨/ ٢٦٨)، ونقَلَ قولَ أبي حَنيفةَ، ذكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ والماوَرديُّ وابنُ قُدامةَ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
فصل في بيان ما يستوفى به القصاص وكيفية الاستيفاء

لَا مِلْكَ لَهُ فِي الرَّقَبَةِ فَلَا يَمْلِكُ الِاسْتِيفَاءَ بِنَفْسِهِ، وَالْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ وَإِنْ مَلَكَ الرَّقَبَةَ لَكِنْ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إبْطَالُ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ لَا إلَى بَدَلٍ هُوَ مَالٌ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِذَا اجْتَمَعَا فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلِاسْتِيفَاءِ مَوْجُودٌ، وَهُوَ قِيَامُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالِامْتِنَاعُ كَانَ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِالْخِدْمَةِ فَإِذَا رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فَقَدْ زَالَ الْمَانِعُ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القصاص
القسم الثاني النظر في الواجب في القصاص

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.

وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.

فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 392

ارجع إلى أنواع الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد