القسم الثالث: من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب

الإسلام > الجنايات والحدود > الأصناف الذين يقاتلون > القسم الثالث: من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 22 دقيقة قراءة

القسم الثالث: من ليس لهم كتاب ولا شبهة كتاب - الأقوال والأدلة

بينَ كلِّ ذي مَحرَمٍ من المَجوسِ، ولم يَكنْ عُمرُ أخَذَ الجِزيةَ من المَجوسِ حتى شهِدَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ رَسولَ اللهِ أخَذَها من مَجوسِ هَجرَ» (١).

ولِما رَوى مالِكٌ والشافِعيُّ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ رضي الله عنه ذكَرَ المَجوسَ فقالَ: ما أدري كَيفَ أصنَعُ في أمرِهم؟ فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ: أشهَدُ لسمِعتُ رَسولَ اللهِ يَقولُ: «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» (٢).

ولا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في هذَينِ القِسمَينِ.

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: فأمَّا مَنْ يَجوزُ أخْذُ الجِزيةِ منه؛ فإنَّ العُلماءَ مُجمِعون على أنَّه يَجوزُ أخْذُها من أهلِ الكِتابِ العَجمِ ومِن المَجوسِ (٣).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: أجمَع الفُقهاءُ على أنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ ومن المَجوسِ (٤).

القِسمُ الثالِثُ: مَنْ ليسَ لهم كِتابٌ ولا شُبهةُ كِتابٍ، وهُم مَنْ عَدا هذَينِ القِسمَينِ من عَبدةِ الأوثانِ والمُشرِكينَ ومَن عبَد ما استحسَنَ وسائرِ الكُفارِ.

(١) رواه الإمام البخاري في «صحيحه» (٢٩٨٧).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام مالك في «الموطأ» (٦١٦)، والشافعي في «مسنده» (١/ ٢٠٩)، وفي «الأم» (٤/ ١٧٤).
(٣) «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٠).
(٤) «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٨).

وقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ في هؤلاء، هل يُقاتَلَون حتى يُسلِموا أو تُقبَلُ منهم الجِزيةُ، كأهلِ الكِتابِ والمَجوسِ؛ فإنْ بذَلوا الجِزيةَ قُبِلت منهم؟

فقالَ الحَنفيةُ: لا يُقبَلُ من مُشرِكي العَربِ إلا الإسلامُ أو السَّيفُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ نشَأَ بينَ أظهُرِهم ونزَلَ القُرآنُ بلُغَتِهم، فالمُعجِزةُ في حَقِّهم أظهَرُ، وتُقبَلُ الجِزيةُ من عَبدةِ الأوثانِ من العَجمِ؛ لأنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم؛ إذْ كلُّ واحِدٍ منهما يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ ونَفَقتُه في كَسبِه، وإنْ ظهَرَ عليهم قبلَ وَضعِ الجِزيةِ فهُم ونِساؤُهم وصِبيانُهم فَيْءٌ؛ لجَوازِ استِرقاقِهم، لا فَرقَ في ذلك بينَ الأنواعِ الثَّلاثةِ (١).

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وتُوضَعُ على عَبدةِ الأوثانِ من العَجمِ وفيه خِلافُ الشافِعيِّ، هو يَقولُ: القِتالُ واجِبٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾، إلا أنَّا عرَفنا جَوازَ تَركِه إلى الجِزيةِ في حَقِّ أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ، أعني ما تَلَوْناه مِنْ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وفي المَجوسِ بالخَبرِ الذي ذكَرْناه في صَحيحِ البُخاريِّ السابِقِ ذِكرُه، فبَقي مَنْ وَراءَهم على الأصلِ.

ولنا: أنَّه يَجوزُ استِرقاقُهم فيَجوزُ ضَربُ الجِزيةِ عليهم بجامِعِ أنَّ كلًّا من الاستِرقاقِ والجِزيةِ يَشتمِلُ على سَلبِ النَّفسِ منهم، أمَّا الاستِرقاقُ

(١) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٣/ ٤٨٤)، و «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ١١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٢٠)، و «الهداية شرح البداية» (٢/ ١٦٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٨، ٤٩)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٧٥).

فظاهِرٌ أنَّه يُصيِّرُ مَنفعةَ نَفسِه لنا، وكذا الجِزيةُ؛ فإنَّه يَكتسِبُ ويُؤدِّي إلى المُسلِمينَ، والحالُ أنَّ نَفَقتَه في كَسبِه، فقد أدَّى حاجةَ نَفسِه إلينا أو بَعضَها، فهذا المَعنى يُوجِبُ تَخصيصَ عُمومِ وُجوبِ القِتالِ الذي استَدلَّ به، وذلك لأنَّه عامٌّ مَخصوصٌ بإخراجِ أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ عندَ قَولِهم: الجِزيةَ، كما ذكَرَ، فجازَ تَخصيصُه بعدَ ذلك بالمَعنى (١).

وعندَ المالِكيةِ أربَعةُ أقوالٍ:

الأولُ: أنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَهم.

الثانِي: قالَ ابنُ القاسِمِ رحمة الله عليه: إذا رضِيَت الأُممُ كلُّها بالجِزيةِ قُبِلت منهم، وهو المَذهبُ.

الثالِثُ: قالَ ابنُ الماجِشونِ رحمة الله عليه: لا تُقبَلُ.

الرابِعُ: قالَ ابنُ وَهبٍ رحمة الله عليه: لا تُقبَلُ من مَجوسِ العَربِ، وتُقبَلُ من غيرِهم.

قالَ ابنُ العَربيِّ رحمة الله عليه: وَجهُ من قالَ: إنَّها تُقبَلُ من أهلِ الكِتابِ عَربًا كانُوا أو غيرَهم: تَخصيصُ اللهِ بالذِّكرِ أهلَ الكِتابِ.

وأمَّا مَنْ قالَ: «إنَّها تُقبَلُ من الأُممِ كلِّها» فالحَديثُ الصَّحيحُ في كِتابِ مُسلمٍ وغيرِه عن سُليمانَ بنِ بُرَيدةَ عن أبيه قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصاه في خاصَّتِه بتَقوى اللهِ وبمَن معه مِنْ المُؤمِنينَ خَيرًا، ثم قالَ: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا

(١) «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٨، ٤٩).

مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتهُنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونون كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوْا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم».

وذكَرْنا في الحَديثِ -في البُخاريِّ وغيرِه من الصَّحيحِ- أنَّ عُمرَ تَوقَفَ في أخْذِ الجِزيةِ من المَجوسِ حتى أخبَرَه عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ أنَّ النَّبيَّ أخَذَها من مَجوسِ هَجَرَ.

ووَجهُ قَولِ ابنِ وَهبٍ أنَّه ليسَ في العَربِ مَجوسٌ؛ لأنَّ جَميعَهم أسلَمَ، فمَن وجَدَ منهم بخِلافِ الإسلامِ فهو مُرتدٌّ يُقتَل بكلِّ حالٍ إنْ لم يُسلِمْ، ولا يُقبَلُ منه جِزيةٌ، والصَّحيحُ قَبولُها من كلِّ أُمةٍ، وفي كلِّ حالٍ عندَ الدُّعاءِ إليها والإجابةِ بها (١).

(١) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤٧٧، ٤٧٨)، وانظر: «مواهب الجليل» (٣/ ٣٨١)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٣٦)، و «بلغة السلك» (٢/ ١٩٨).

وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ أخْذُ الجِزيةِ ممَّن لا كِتابَ له ولا شُبهةَ كِتابٍ، كعَبدةِ الأوثانِ، بل يُقاتَلَون حتى يُسلِموا؛ لقَولِه ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)[التوبة: ٢٩] فخَصَّ أهلَ الكِتابِ بالجِزيةِ فدلَّ على أنَّها لا تُؤخذُ من غيرِهم، ويَجوزُ أخْذُها مِنْ أهلِ الكِتابَينِ -وهُم اليَهودُ والنَّصارى-للآيةِ.

ويَجوزُ أخْذُها ممَّن بدَّل منهم دِينَه؛ لأنَّه -وإنْ لم تَكنْ لهم حُرمةٌ بأنفُسِهم- لهم حُرمةٌ بآبائِهم، ويَجوزُ أخْذُها من المَجوسِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ إلا مِنْ يَهوديٍّ أو نَصرانِيٍّ أو مَجوسيٍّ، وما سِواهم لا يُقبَلُ منهم، لا تُقبَلُ منهم الجِزيةُ ولا يُقبَلُ منهم إلا الإسلامُ؛ فإنْ لم يُسلِموا قُتِلوا.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: هذا ظاهِرُ مَذهبِ أحمدَ، ورَوى عنه الحَسنُ بنُ ثَوابٍ أنَّها تُقبَلُ من جَميعِ الكُفارِ إلا عَبدةَ الأوثانِ من العَربِ؛ لأنَّ حَديثَ بُرَيدةَ يَدلُّ بعُمومِه على قَبولِ الجِزيةِ مِنْ كلِّ كافرٍ، إلا أنَّه خرَجَ منه عَبدةُ الأوثانِ من العَربِ لتَغلُّظِ كُفرِهم (٢).

(١) «المهذب» (٢/ ٢٥٠)، و «مختصر خلافيات البيهقي» (٥/ ٥٩)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٥٣).
(٢) «المغني» (١٢/ ٦٦١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: واختَلفُوا فيما سِوى أهلِ الكِتابِ من المُشرِكينَ هل تُقبَلُ منهم الجِزيةُ أو لا؟

فقالَ قَومٌ: تُؤخذُ الجِزيةُ مِنْ كلِّ مُشرِكٍ، وبه قالَ مالِكٌ.

وقَومُ استَثنَوْا من ذلك مُشرِكي العَربِ.

وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وجَماعةٌ: لا تُؤخذُ إلا من أهلِ الكِتابِ والمَجوسِ.

والسَّببُ في اختِلافِهم: مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ؛ أمَّا العُمومُ فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. وقَولُ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام: «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (١).

وأمَّا الخُصوصُ: فقَولُه لأمَراءِ السَّرايا الذين كانَ يَبعَثَهم إلى مُشرِكي العَربِ -ومَعلومٌ أنَّهم كانُوا من غيرِ أهلِ كِتابٍ-: «اغْزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَنْ كفَر باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِروا ولا تُمثِّلوا ولا تَقتُلوا وَليدًا، وإذا لقيت عَدوَّك من المُشرِكينَ فادْعُهم إلى ثَلاثِ خِلالٍ، فأيَّتَهُنَّ ما أَجابوكَ إليها فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ ثم ادْعُهم إلى الدُّخولِ في الإسلامِ؛ فإنْ فعَلوا فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحوُّلِ عن دارِهم إلى

(١) رواه البخاري في «صحيحه» (٢٥)، ومسلم (٢٠).

دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهم بأنَّهم إنْ فعَلوا ذلك فلهم ما للمُهاجِرينَ وعليهم ما على المُهاجِرينَ؛ فإنْ أبَوْا أنْ يَتحوَّلوا منها فأخبِرْهم أنَّهم يَكونونَ كأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شَيءٌ إلا أنْ يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ؛ فإنْ هُمْ أبَوْا فسَلْهم الجِزيةَ، وإنْ هُمْ أجابوك فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم؛ فإنْ أبَوا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلْهم»، وقد تَقدَّمَ الحَديثُ.

فمَن رأى أنَّ العُمومَ إذا تأخَّرَ عن الخُصوصِ فهو ناسِخٌ له قالَ: لا تُقبَلُ الجِزيةُ من مُشرِكٍ ما عدا أهلَ الكِتابِ؛ لأنَّ الآيةَ الآمِرةَ بقِتالِهم على العُمومِ هي مُتأخِّرةٌ عن ذلك الحَديثِ، وذلك أنَّ الأمرَ بقِتالِ المُشرِكينَ عامةً هو في سورةِ: «بَراءةٌ»، وذلك عامَ الفَتحِ. وذلك الحَديثُ إنَّما هو قبلَ الفَتحِ، بدَليلِ دُعائِهم فيه للهِجرةِ.

ومَن رأى أنَّ العُمومَ يُبنَى على الخُصوصِ تَقدَّمَ أو تأخَّرَ، أو جُهلَ التَّقدُّمُ والتأخُّرُ بينهما، قالَ: تُقبَلُ الجِزيةُ من جَميعِ المُشرِكينَ، وأمَّا تَخصيصُ أهلِ الكِتابِ من سائرِ المُشرِكينَ فخرَجَ من ذلك العُمومِ باتِّفاقٍ بخُصوصِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)[التوبة: ٢٩] (١).

أمَّا ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه فقالَ: الجِزيةُ تُؤخذُ من كلِّ كافرٍ، هذا ظاهِرُ هذا الحَديثِ -يَقصِدُ حَديثَ بُرَيدةَ- ولم يَستَثنِ منه كافرًا من كافرٍ.

(١) «بداية المجتهد» (١/ ٥١٩، ٥٢٠).

ولا يُقالُ: هذا مَخصوصٌ بأهلِ الكِتابِ خاصةً؛ فإنَّ اللَّفظَ يأبَى اختِصاصَهم بأهلِ الكِتابِ، وأيضًا فسَرايا رَسولِ اللهِ وجُيوشِه أكثَرُ الذين كانَت تُقاتِلُهم عَبدةُ الأوثانِ من العَربِ.

ولا يُقالُ إنَّ القُرآنَ يَدلُّ على اختِصاصِها بأهلِ الكِتابِ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه أمَرَ بقِتالِ أهلِ الكِتابِ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، والنَّبيُّ أمَرَ بقِتالِ المُشرِكينَ حتى يُعطُوا الجِزيةَ، فكانَت تُؤخذُ من أهلِ الكِتابِ بالقُرآنِ ومن عُمومِ الكُفارِ بالسُّنةِ، وقد أخَذَها رَسولُ اللهِ من المَجوسِ وهُم عُبَّادُ النارِ لا فَرقَ بينَهم وبينَ عَبدةِ الأوثانِ، ولا يَصحُّ أنَّهم من أهلِ الكِتابِ، ولا كانَ لهم كِتابٌ، ولو كانُوا أهلَ كِتابٍ عندَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم لمْ يَتوقَفَ عُمرُ رضي الله عنه في أمرِهم، ولمْ يَقُلِ النَّبيُّ : «سُنُّوا بهم سُنةَ أهلِ الكِتابِ» بل هذا يَدلُّ على أنَّهم ليسُوا أهلَ كِتابٍ، وقد ذكَرَ اللهُ سُبحانَه أهلَ الكِتابِ في القُرآنِ في غيرِ مَوضِعٍ، وذكَرَ الأنبياءَ الذين أُنزِل عليهم الكُتبُ والشَّرائِعُ العِظامُ ولمْ يَذكُرْ للمَجوسِ -مع أنَّها أُمةٌ عَظيمةٌ من أعظَمِ الأُمَمِ شَوكةً وعَددًا وبأسًا- كِتابًا ولا نَبيًّا ولا أشارَ إلى ذلك؛ بل القُرآنُ يَدلُّ على خِلافِه كما تَقدَّمَ، فإذا أُخِذت مِنْ عُبَّادِ النِّيرانِ فأيُّ فَرقٍ بينَهم وبينَ عُبَّادِ الأوثانِ.

فإنْ قيلَ: فالنَّبيُّ لم يأخُذْها من أحَدٍ مِنْ عُبَّادِ الأوثانِ مع كَثرةِ قِتالِه لهم؟

قيلَ: أجَلْ، وذلك لأنَّ آيةَ الجِزيةِ، إنَّما نزَلَت عامَ تَبوكٍ في السَّنةِ التاسِعةِ من الهِجرةِ بعدَ أنْ أسلَمت جَزيرةُ العَربِ ولم يَبقَ بها أحَدٌ من عُبَّادِ الأوثانِ،

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)

(باب حد القذف)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .

قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .

وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 71 - 78

ارجع إلى الأصناف الذين يقاتلون للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله