الرهبان

الإسلام > الجنايات والحدود > الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين > الرهبان

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الرهبان - الأقوال والأدلة

«اقتُلوا شُيوخَ المُشرِكينَ واستَبقُوا شَرخَهم، والشَّرخُ: الغِلمانُ الذين لم يُنبِتوا» (١).

وعن أبي مُوسَى رضي الله عنه قالَ: «لمَّا فرَغَ النَّبيُّ من حُنينٍ بعَثَ أبا عامِرٍ على جَيشٍ إلى أوطاسٍ فلَقيَ دُرَيدَ بنَ الصِّمةِ فقُتلَ دُرَيدٌ وهزَمَ اللهُ أصحابَهُ … » (٢). فلمَّا ذكَرَ ذلك للنَّبيِّ لم يُنكِرْ ذلك (٣).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا شُيوخُ الكُفارِ؛ فإنْ كانَ فيهم رأيٌ قُتِلوا، وإلا ففيهم وفي الرُّهبانِ خِلافٌ، قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَلون، والأصَحُّ في مَذهبِ الشافِعيِّ قَتلُهم (٤).

٣ - الرُّهبانُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الرُّهبانِ الذين لا يُخالِطون الناسَ هل يَجوزُ قَتلُهم أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّهم إنْ خالَطوا الناسَ أو قاتَلُوا أو حَرَّضوا على القِتالِ فإنَّهم يُقتَلونَ.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى عَدمِ جَوازِ قَتلِ الرُّهبانِ الذين لا يُخالِطونَ الناسَ إذا لم يَكنْ لهم رأيٌ ولا تَدبيرٌ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٦٧٠)، والترمذي (١٥٨٣)، وأحمد (٢٠١٥٧).
(٢) رواه البخاري (٤٠٦٨)، ومسلم (٢٤٩٨).
(٣) «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٩٢).
(٤) «شرح مسلم» (١٢/ ٤٨).

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لا يَحِلُّ قَتلُ راهِبٍ في صَومَعةٍ ولا سائِحٍ في الجِبالِ لا يُخالِطُ الناسَ ولا قَومٍ في دارٍ أو كَنيسةٍ تَرهَّبوا وأطبِقَ عليهم البابُ، ولو قاتَلَ واحِدٌ منهم قُتِل، وكذا لو حرَّضَ على القِتالِ أو دلَّ على عَوراتِ المُسلِمينَ أو كانَ الكَفرةُ يَنتفِعونَ برأيِه أو كانَ مُطاعًا (١).

وقالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: «وَ» كذا يَجبُ أنْ: «يُجتنَبَ» بالبِناءِ للمَجهولِ «قَتلُ الرُّهبانِ» بالأديرةِ أو الصَّوامِعِ إذا لم يَكنْ لهم رأيٌ ولا تَدبيرٌ، بخِلافِ رُهبانِ الكَنائسِ؛ فإنَّهم يُقتَلون لمُخالَطَتِهم أهلَ دِينِهم، ولو لم يَكنْ لهم رأيٌ ولا تَدبيرٌ، وإنَّما لم تُقتَلَ الرُّهبانُ المَذكورةُ؛ لأنَّ انقِطاعَهم بالأديِرةِ والصَّوامِعِ ألحقَهم بالنِّساءِ، أمَّا لو كانَ لهم رأيٌ أو تَدبيرٌ لجازَ قَتلُهم.

وكذا يَجبُ أنْ يُجتنَبَ قَتلُ (الأحبارِ) جَمعُ «حِبْرٍ» بكَسرِ الحاءِ على اللُّغةِ الفَصيحةِ، وهم عُلماءُ الكُفارِ … ومَحَلُّ عَدمِ جَوازِ قَتلِ مَنْ ذُكِر من الرُّهبانِ والأحبارٍ والأُجَراءِ والصُّنَّاعِ «إلا أنْ يُقاتِلوا»، وإلا جازَ قَتلُهم وظاهِرُه، ولو لم يَقتُلوا أحدًا (٢).

قالَ ابنُ عَرفةَ المالِكيُّ رحمة الله عليه: ليسَ النَّهيُّ عن قَتلِ الرُّهبانِ ونَحوِهم لفَضلِ تَرهُّبِهم، بل هُمْ من اللهِ أبعَدُ من غيرِهم لشِدةِ كُفرِهم، وإنَّما تُرِكوا لتَركِهم أهلَ دِينِهم فصاروا كالنِّساءِ (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠١)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٥٤).
(٢) «الفواكه الدواني» (١/ ٣٩٩).
(٣) «حاشية العدوي» (٢/ ٩)، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٧٦)، و «منح الجليل» (٣/ ١٤٦).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا يُقتَلُ زَمِنٌ ولا أعمَى ولا راهِبٌ، والخِلافُ فيهم كالخِلافِ في الشَّيخِ وحُجَّتُهم ههنا حُجَّتُهم فيه.

ولنا: في الزَّمِنِ والأعمى أنَّهما ليسَا مِنْ أهلِ القِتالِ فأشبَها المَرأةَ وفي الراهِبِ ما رُوي في حَديثِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «وستَمرُّون على أقوامٍ في الصَّوامِعِ قد حبَسوا أنفُسَهم فيها فدَعُوهم حتى يُميتَهم اللهُ على ضَلالِهم»، ولأنَّهم لا يُقاتِلون تَديُّنًا فأشبَهوا مَنْ لا يَقدِرُ على القِتالِ (١).

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ إلى جَوازِ قَتلِ الرُّهبانِ وإنْ لم يُخالِطوا الناسَ (٢).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأمَّا شُيوخُ الكُفارِ؛ فإنْ كانَ فيهم رأيٌ قُتِلوا، وإلا ففيهم وفي الرُّهبانِ خِلافٌ، قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: لا يُقتَلون، والأصَحُّ في مَذهبِ الشافِعيِّ قَتلُهم (٣).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ويَحِلُّ قَتلُ راهِبٍ وأجيرٍ ومُحترِفٍ وشَيخٍ، ولو ضَعيفًا وأعمى، وزَمِنٍ ومَقطوعِ اليَدِ والرِّجلِ وإنْ لم يَحضُروا الصَّفَّ ولا قِتالَ فيهم ولا رأيَ في الأظهَرِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ولأنَّهم أحرارٌ مُكلَّفون فجازَ قَتلُهم كغيرِهم.

والثانِي: المَنعُ؛ لأنَّهم لا يُقاتِلون فأشبَهوا النِّساءَ والصِّبيانَ.

(١) «المغني» (٩/ ٢٥١)، و «الإنصاف» (٤/ ١٢٨)، و «الفروع» (٦/ ١٩٧).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٩٢، ٣١٠)، و «روضة الطالبين» (٢٤٣)، و «الإنجاد» ص (٢١٣)، و «المحلى» (٧/ ٢٩٩).
(٣) «شرح مسلم» (١٢/ ٤٨).

تَنبيهٌ: مَحلُّ الخِلافِ إذا لم يُقاتِلوا؛ فإنْ قاتَلُوا قُتِلوا قَطعًا، والمُرادُ بالراهِبِ عابِدُ النَّصارى، فيَشمَلُ الشَّيخَ والشابَّ والذَّكرَ والأُنثى، واحترَز بقَولِه: (لا رأيَ فيهم) عمَّا إذا كانَ فيهم رأيٌ؛ فإنَّهم يُقتَلونَ قَطعًا، وقَولُه: (لا قِتالَ فيهم) الظاهِرُ أنَّه قَيَّد في الشَّيخِ ومَن بعدَه؛ فإنَّ الراهِبَ والأجيرَ قد يَكونُ فيهم القِتالُ، ويَجوزُ قَتلُ السُّوقةِ لا الرُّسلِ، فلا يَجوزُ قَتلُهم لجَريانِ السُّنةِ بذلك، وإذا جاز قَتلُ المَذكورينَ (فيُسترَقُّون وتُسبَى نِساؤُهم) وصِبيانُهم ومَجانينُهم (و) تُغنَمُ (أموالُهم)، وإذا منَعْنا قَتْلَهم رُقُّوا بالأسْرِ نَفسِه (١).

ودَليلُهم: عُمومُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

وقَولُه : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشهَدوا أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ ويُقيموا الصَّلاةَ ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلوا ذلك عصَموا مِنِّي دِماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّ الإسلامِ وَحِسابُهم على اللهِ» (٢).

وفي حَديثِ بُرَيدةَ: «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريةٍ أوصاهُ في خاصَّتِه بتَقوَى اللهِ ومن معه من المُسلِمينَ خَيرًا، ثُمَّ قالَ: اغزُوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلُوا مَنْ كفَر باللهِ اغزُوا ولا تَغُلُّوا ولا تَغدِرُوا ولا تُمثِّلُوا … » (٣).

(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٣).
(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).
(٣) رواه مسلم (١٧٣١)، وانظر: «الكافي» (٤/ ٢٧٢).

فلمَّا كانُوا سَواءً في الكُفرِ الذي به حلَّت دِماؤُهم، وتَناوَلهم عُمومُ القُرآنِ والسُّنةِ بذلك من غيرِ تَفريقٍ؛ وجَبَ استِواؤُهم في القَتلِ المَشروعِ في أهلِ الكُفرِ.

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَن قاتَلَ مِنْ هؤلاء النِّساءِ والمَشايِخِ والرُّهبانِ في المَعركةِ قُتلَ، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، وبهذا قالَ الأَوزاعيُّ والثَّوريُّ واللَّيثُ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ (١).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا الراهِبُ الذي يُعاوِنُ أهلَ دِينِه بيَدِه ولِسانِه مِثلَ أنْ يَكونَ له رأيٌ يَرجِعونَ إليه في القِتالِ أو نَوعٌ من التَّحضيضِ فهذا يُقتَلُ باتِّفاقِ العُلماءِ إذا قُدرَ عليه، وتُؤخذُ منه الجِزيةُ، وإنْ كانَ حَبيسًا مُنفرِدًا في مُتعبَّدِه، فكيف بمَن هم كسائرِ النَّصارى في مَعايِشِهم ومُخالَطتِهم الناسَ واكتِسابِ الأموالِ بالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ والصِّناعاتِ واتِّخاذِ الدِّياراتِ الجامِعاتِ لغيرِهم، وإنَّما تَميَّزوا على غيرِهم بما يُغلِّظُ كُفرَهم ويَجعَلُهم أئِمةً في الكُفرِ مِثلَ التَّعبُّدِ بالنَّجاساتِ وتَركِ النِّكاحِ واللَّحمِ واللِّباسِ الذي هو شِعارُ الكُفرِ، لا سيَّما وهُم الذين يُقيمون دِينَ النَّصارى بما يُظهِرونه من الحيلَ الباطِلةِ التي صنَّفَ الفُضلاءُ فيها مُصنَّفاتٍ، ومِن العِباداتِ الفاسِدةِ وقَبولِ نُذورِهم وأوقافِهم.

والراهِبُ عندَهم شَرطُه تَركُ النِّكاحِ فقَط، وهُم مع هذا يُجوِّزونَ أنْ يَكونَ بَتركًا وبَطرقًا وقِسِّيسًا وغيرَهم من أئِمةِ الكُفرِ الذين يَصدُرونَ عن

(١) «المغني» (٩/ ٢٥١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 96 - 100

ارجع إلى الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله