الإسلام > الجنايات والحدود > الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين > الشيوخ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ بعدَما ذكَرَ النَّهيَ عن قَتلِ النِّساءِ والصِّبيانِ:
تَنبيهٌ: يُستَثنَى من ذلك مَسائلُ:
الخامِسةُ: إذا سَبَّ الخُنثى أو المَرأةُ الإسلامَ أو المُسلِمينَ لظُهورِ الفَسادِ (١).
وفي حاشيةِ البُجَيرميِّ: قَولُه: «وكالقِتالِ السَّبُّ» أي: من المَرأةِ والخُنثى دونَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، كما يَدلُّ عليه كَلامُه في شَرحِ الرَّوضِ، فالمُرادُ سَبُّ مَنْ يُعتبَرُ سَبُّه، وقَولُه: للإسلامِ أو للهِ أو رَسولِه بالأوْلَى (٢).
٢ - الشُّيوخُ:
اختَلفَ العُلماءُ في الشَّيخِ الكَبيرِ الذي لا يَستطيعُ القِتالَ هل يَجوزُ قَتلُه أو لا؟ بعدَ إجماعِهم على أنَّه إنْ قاتَلَ يُقتَلُ.
فقالَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه: لا يُقتَلُ إذا لم يُقاتلْ؛ لما رَواه أنَسُ بنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «انطَلِقوا باسمِ اللهِ وباللهِ وعلى مِلةِ رَسولِ اللهِ ولا تَقتُلوا شَيخًا فانِيًا ولا طِفلًا ولا صَغيرًا ولا امرأةً ولا تَغُلُّوا، وضُمُّوا غَنائمَكم وأصلِحوا وأحسِنوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ» (٣).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا بَيانُ مَنْ يَحِلُّ قَتلُه من الكَفرةِ ومَن لا يَحِلُّ، فنَقولُ: الحالُ لا تَخلو إمَّا أنْ تَكونَ حالَ القِتالِ، أو حالَ ما بعدَ
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٣).
(٢) «حاشية البجيرمي» (٤/ ٣٤١).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٦١٤).
الفَراغِ من القِتالِ، وهي ما بعدَ الأخْذِ والأسْرِ، أمَّا حالُ القِتالِ فلا يَحِلُّ فيها قَتلُ امرأةٍ ولا صَبيٍّ ولا شَيخٍ فانٍ ولا مُقعَدٍ ولا يابِسِ الشِّقِّ ولا أعمَى ولا مَقطوعِ اليَدِ والرِّجلِ من خِلافٍ ولا مَقطوعِ اليَدِ اليُمنى ولا مَعتوهٍ ولا راهِبٍ في صَومَعةٍ ولا سائَحٍ في الجِبالِ لا يُخالِطُ الناسَ ولا قَومٍ في دارٍ أو كَنيسةٍ تَرهَّبوا وأُطبِقَ عليهم البابُ … ولأنَّ هؤلاء ليسُوا من أهلِ القِتالِ لا يُقتَلون، ولو قاتَلَ واحِدٌ منهم قُتِل، وكذا لو حرَّضَ على القِتالِ أو دلَّ على عَوراتِ المُسلِمينَ أو كانَ الكَفرةُ يَنتفِعون برَأيِه أو كانَ مُطاعًا وإنْ كانَ امرأةً أو صَغيرًا؛ لوُجودِ القِتالِ من حيثُ المَعنى.
وقد رُوي: «أنَّ رَبيعةَ بنَ رَفيعٍ السُّلَميَّ رضي الله عنه أدرَك دُرَيدَ بنَ الصِّمةِ يَومَ حُنَينٍ، فقتَله وهو شَيخٌ كَبيرٌ كالقُفَّةِ، لا يَنْفَعُ إلا برأيِه، فبلَغ ذلك رَسولَ اللهِ ﷺ ولم يُنكِرْ عليه».
والأصلُ فيه أنَّ كلَّ من كانَ من أهلِ القِتالِ يَحِلُّ قَتلُه، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ، وكلُّ مَنْ لم يَكنْ من أهلِ القِتالِ لا يَحِلُّ قَتلُه إلا إذا قاتَلَ حَقيقةً أو مَعنًى بالرَّأيِ والطاعةِ والتَّحريضِ وأشباهِ ذلك على ما ذكَرْنا، فيُقتَلُ القِسِّيسُ والسائِحُ الذي يُخالِطُ الناسَ والذي يُجَنُّ ويُفيقُ والأصَمُّ والأخرَسُ وأقطَعُ اليَدِ اليسَرى وأقطَعُ إحدى الرِّجلَينِ وإنْ لم يُقاتِلوا؛ لأنَّهم من أهلِ القِتالِ، ولو قُتلَ واحدٌ ممَّن ذكَرْنا أنَّه لا يَحِلُّ قَتلُه فلا شَيءَ فيه مِنْ دِيةٍ ولا كَفارةٍ إلا التَّوبةَ والاستِغفارَ؛ لأنَّ دَمَ الكافِرِ لا يُتقوَّمُ إلا بالأمانِ ولم يُوجَدْ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: المُرادُ بالشَّيخِ الفاني الذي لا يُقتَل: هو مَنْ لا يَقدِرُ على القِتالِ ولا الصِّياحِ عندَ التِقاءِ الصَّفَّينِ ولا على الإحبالِ؛ لأنَّه يَجيءُ منه الوَلدُ فيَكثُرُ مُحارِبُ المُسلِمينَ، ذكَرَه في الذَّخيرةِ، وذكَرَ الشَّيخُ أبو بَكرٍ الرازِيُّ في كِتابِ المُرتَدِّ من «شَرحِ الطَّحاويِّ» أنَّه إذا كانَ كامِلَ العَقلِ نَقتُلُه، ومِثلُه نَقتُلُه إذا ارتَدَّ، والذي لا نَقتُلُه الشَّيخُ الفاني الذي خرِفَ وزالَ عن حُدودِ العُقلاءِ والمُميِّزينَ، فهذا حينَئذٍ يَكونُ بمَنزِلةِ المَجنونِ فلا نَقتُلُه ولا إذا ارتَدَّ.
قالَ: وأمَّا الزَّمْنَى فهُم بمَنزِلةِ الشُّيوخِ فيَجوزُ قَتلُهم إذا رأى الإمامُ ذلك، كما يُقتَل سائِرُ الناسِ بعدَ أنْ يَكونوا عُقلاءَ، ونَقتُلُهم أيضًا إذا ارتَدُّوا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا تُقتَلَ امرأةٌ ولا شَيخٌ فانٍ وبذلك قالَ مالِكٌ وأصحابُ الرأيِ، ورُوي ذلك عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ ومُجاهِدٍ ورُوي عن ابنِ عَباسٍ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، يَقولُ: لا تَقتُلوا النِّساءَ والصِّبيانَ والشَّيخَ الكَبيرَ.
وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيه وابنُ المُنذِرِ: يَجوزُ قَتلُ الشُّيوخِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «اقتُلوا شُيوخَ المُشرِكينَ واستَبْقُوا شَرخَهم»، رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وهذا عامٌّ يَتناوَلُ بعُمومِه الشُّيوخَ.
(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٥٣).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: لا أعرِفُ حُجةً في تَركِ قَتلِ الشُّيوخِ يُستَثنَى بها من عُمومِ قَولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، ولأنَّه كافِرٌ لا نَفعَ في حَياتِه فيُقتَلُ كالشَّابِّ.
ولنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَقتُلوا شَيخًا فانِيًا ولا طِفلًا ولا امرأةً» (١) رَواه أبو داودَ في «سُننِه».
ورُوي عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ رضي الله عنه أنَّه أوصى يَزيدَ حينَ وَجَّهه إلى الشامِ فقالَ: «لا تَقتُلْ صَبيًّا ولا امرأةً ولا هَرِمًا» وعن عُمرَ أنَّه وصَّى سَلمةَ بنَ أقيَسَ فقالَ: «لا تَقتُلوا امرأةً ولا صَبيًّا ولا شَيخًا هَرِمًا» رَواهما سَعيدٌ، ولأنَّه ليسَ من أهلِ القِتالِ فلا يُقتَلُ كالمَرأةِ.
وقد أَومأَ النَّبيُّ ﷺ إلى هذه العِلةِ في المَرأةِ فقالَ: «ما بالُ هذه قُتِلَت وهي لا تُقاتِلُ» والآيةُ مَخصوصةٌ بما رَويْنا، ولأنَّه قد خرَجَ من عُمومِها المَرأةُ والشَّيخُ الهَرِمُ في مَعناها فنَقيسُه عليها، وأمَّا حَديثُهم فأرادَ به الشُّيوخَ الذين فيهم قُوةٌ على القِتالِ أو مَعونةٌ عليه برأيٍ أو تَدبيرٍ جَمعًا بينَ الأحاديثِ، ولأنَّ أحاديثَنا خاصةٌ في الهَرِمِ ولأنَّ حَديثَهم عامٌّ في الشُّيوخِ كلِّهم، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ، وقياسُهم يُنتقَضُ بالعَجوزِ التي لا نَفعَ فيها (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وابنُ المُنذِرِ إلى أنَّه يُقتَل مَنْ قاتَلَ أو لم يُقاتلْ؛ لما رُوي عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ:
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٢٦١٤).
(٢) «المغني» (٩/ ٢٥١)، و «الإنصاف» (٤/ ١٢٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٠).
ارجع إلى الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين للاطلاع على جميع المسائل.