الإسلام > الجنايات والحدود > الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين > ثانيا: قتل المتترس بهم من نساء الكفار وصبيانهم وشيوخهم ومن في حكمهم أو من المسلمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةقالَ: ولا نَعلَمُ أحدًا كرِهَ بَياتَ العَدوِّ، وقرأ عليه سُفيانُ عن الزُّهريِّ عن عبدِ اللهِ عن ابنِ عَباسٍ عن الصَّعبِ بنِ جَثَّامةَ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُسألُ عن الدِّيارِ مِنْ المُشرِكينَ نُبيِّتُهم فنُصيبُ مِنْ نِسائِهم وذَرارِيِّهم فقالَ: «هُمْ منهم»، فقالَ: إسنادٌ جَيِّدٌ.
فإنْ قيلَ: فقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن قَتلِ النِّساءِ والذُّريةِ، قُلنا: هذا مَحمولٌ على التَّعمُّدِ لقَتلِهم.
قالَ أحمدُ: أمَّا أنْ يُتعمَّدَ قَتلُهم فلا، قالَ: وحَديثُ الصَّعبِ بعدَ نَهيِه عن قَتلِ النِّساءِ؛ لأنَّ نَهيَه عن قَتلِ النِّساءِ حينَ بَعثَ إلى ابنِ أبي الحَقيقِ، وعلى أنَّ الجَمعَ بينَها مُمكِنٌ، يُحمَلُ النَّهيُ على التَّعمُّدِ والإباحةُ على ما عَداه (١).
وقالَ الإمامُ المَرداويُّ رحمة الله عليه: ويَجوزُ تَبييتُ الكُفارِ بلا نِزاعٍ ولو قُتلَ فيه صَبيٌّ أو امرأةٌ أو غيرُهما ممَّن يَحرُم قَتلُهم إذا لم يَقصِدْهم (٢).
ثانيًا: قَتلُ المُتترَّسِ بهم من نِساءِ الكُفارِ وصِبيانِهم وشُيوخِهم ومَن في حُكمِهم أو مِنْ المُسلِمينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا تَترَّسَ الكُفارُ المُحارِبونَ بالنِّساءِ والصِّبيانِ ومَن لا يَجوزُ قَتلُه، هل يَجوزُ قَتلُ التُّرسِ مُطلَقًا أو لا يَجوزُ إلا عندَ الضَّرورةِ؟ مع اتِّفاقِهم جَميعًا على تَوجُّهِ القَصدِ القَلبيِّ للمُقاتِلينَ دونَ غيرِهم.
(١) «المغني» (٩/ ٢٣٠).
(٢) «الإنصاف» (٦/ ١٢٦).
فذهَبَ الحَنفيةُ (١) والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى جَوازِ قَتلِ التُّرسِ مُطلَقًا وإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ لذلك.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ تتَرَّسوا في الحَربِ بنِسائِهم وصِبيانِهم جازَ رَميُهم ويُقصَدُ المُقاتِلةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ رَماهم بالمَنجَنيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبيانُ، ولأنَّ كَفَّ المُسلِمينَ عنهم يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ؛ لأنَّهم مَتى عَلِموا ذلك تتَرَّسوا بهم عندَ خَوفِهم فيَنقطِعَ الجِهادُ، وسَواءٌ كانَت الحَربُ مُلتَحِمةً أو غيرَ مُلتحِمةٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكنْ يَتحينَ بالرَّميِ حالَ التِحامِ الحَربِ.
وإنْ تَترَّسوا بمُسلمٍ ولم تَدعُ حاجةٌ إلى رَميِهم لكَونِ الحَربِ غيرَ قائِمةٍ، أو لإمكانِ القُدرةِ عليهم بدُونِه أو للأمنِ مِنْ شَرِّهم لم يَجزْ رَميُهم؛ فإنْ رَماهم فأصاب مُسلمًا فعليه ضَمانُه، وإنْ دعَت الحاجةُ إلى رَميِهم للخَوفِ على المُسلِمينَ جازَ رَميُهم؛ لأنَّها حالُ ضَرورةٍ ويُقصَدُ الكُفارُ، وإنْ لمْ يُخفْ على المُسلِمينَ لكنْ لم يُقدَرْ عليهم إلا بالرَّميِ، فقالَ الأَوزاعيُّ واللَّيثُ: لا يَجوزُ رَميُهم لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآيةَ [الفتح: ٢٥] قالَ اللَّيثُ: تَركُ فَتحِ حِصنٍ يُقدَرُ على فَتحِه أفضَلُ من قَتلِ مُسلمٍ بغيرِ حقٍّ.
وقالَ الأَوزاعيُّ: كيف يَرمون مَنْ لا يَرَوْنه؟ إنَّما يَرمونَ أطفالَ المُسلِمينَ.
(١) «شرح معاني الآثار» (٣/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و «عمدة القاري» (١٤/ ٢٦١)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٥/ ١٦٩).
وقالَ القاضي والشافِعيُّ: يَجوزُ رَميُهم إذا كانَت الحَربُ قائِمةً؛ لأنَّ تَركَه يُفضي إلى تَعطيلِ الجِهادِ، فعلى هذا إنْ قتَلَ مُسلمًا فعليه الكَفارةُ، وفي الدِّيةِ على عاقِلتِه رِوايتانِ:
إحداهُما: يَجبُ؛ لأنَّه قتَلَ مُؤمِنًا خَطَأً فيَدخلُ في عُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
والأُخرى: لا دِيةَ له؛ لأنَّه قُتلَ في دارِ الحَربِ برَميٍ مُباحٍ فيَدخُلُ في عُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ولم يَذكُرْ دِيةً.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا دِيةَ له ولا كَفارةَ فيه؛ لأنَّه رَمْيٌ أُبيحَ مع العِلمِ بحَقيقةِ الحالِ فلم يُوجِبْ شَيئًا كرَميِ مَنْ أُبيحَ دَمُه.
ولنا: الآيةُ المَذكورةُ، وأنَّه قُتلَ مَعصومًا بالإيمانِ، والقاتِلُ من أهلِ الضَّمانِ فأشبَه لو لم يَتترَّسْ به (١).
وقالَ الشَّيخُ زَكريَّا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: ومَتى تتَرَّسوا في القِتالِ بصِبيانِهم ونِسائِهم ونَحوِهم ولو في قَلعةٍ رَميْناهم وإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم، كما يَجوزُ نَصبُ المَنجَنيقِ على القَلعةِ وإنْ كانَ يُصيبُهم، ولِئلَّا يَتَّخِذوا ذلك ذَريعةً إلى تَعطيلِ الجِهادِ أو حيلةً لاستبقاءِ القِلاعِ لهم، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وخالَفَ في المِنهاجِ كأصلِه فصحَّحَ أنَّه لا يَجوزُ لنا رَميُهم عندَ عَدمِ الضَّرورةِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى قَتلِهم بلا ضَرورةٍ، وقد نُهينا عن قَتلِهم.
(١) «المغني» (٩/ ٢٣١، ٢٣٢)، و «الشرح الكبير» (١٠/ ٤٠٢).
أو تتَرَّسوا بمُسلمٍ أو ذِميٍّ فلا نَرميهم إنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم، واحتمَلَ الحالُ الإعراضَ عنهم صيانةً للمُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ، وفارَق النِّساءَ والصِّبيانَ بأنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ مَحْقونا الدَّمِ لحُرمةِ الدِّينِ والعَهدِ.
فلم يَجزْ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، والنِّساءُ والصِّبيانُ حُقِنوا لحَقِّ الغانِمينَ فجازَ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، فلو رَمى رامٍ فقتَلَ مُسلمًا فحُكمُه مَعلومٌ ممَّا مَرَّ في الجِناياتِ، فلو دَعَت ضَرورةٌ إلى ذلك بأنْ تتَرَّسوا في حالِ التِحامِ القِتالِ به وكانُوا بحيثُ لو كفَفْنا عنهم ظَفِروا بنا وكثُرَت نِكايَتُهم جازَ رَميُهم لمَا مَرَّ، وتَوقَّيناه، أي: المُسلِمَ أو الذِّميَّ بحسَبِ الإمكانِ؛ لأنَّ مَفسَدةَ الإعراضِ أكثَرُ مِنْ مَفسَدةِ الإقدامِ، ولا يَبعدُ احتِمالُ قَتلِ طائِفةٍ للدَّفعِ عن بَيضةِ الإسلامِ ومُراعاةِ الأُمورِ الكُلِّياتِ وكالذِّميِّ المُستأمَنِ والعبدِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَولِ الثانِي إلى أنَّه لا يَجوزُ ذلك إلا عندَ الضَّرورةِ.
قالَ الإمامُ القَرافِيُّ رحمة الله عليه: ولو تتَرَّسوا بالنِّساءِ والصِّبيانِ تَرَكناهم، إلا أنْ يُخافَ على المُسلِمينَ؛ فإنْ تتَرَّسوا بمُسلمٍ تُرِكوا وإنْ خِفْنا على أنفُسِنا؛ لأنَّ دَمَ المُسلِمِ لا يُباحُ بالخَوفِ؛ فإنْ تتَرَّسوا في الصَّفِّ ولو تُرِكوا لانهزَمَ المُسلِمونَ وخيفَ استِئصالُ قاعِدةِ الإسلامِ أو جُمهورِ المُسلِمينَ وأهلِ القُوةِ منهم وجَبَ الدَّفعُ وسقَطَ مُراعاةُ التُّرسِ (٢).
(١) «أسنى المطالب» (٤/ ١٩١).
(٢) «الذخيرة» (٣/ ٤٠٨)، و «القوانيين الفقهية» ص (٩٨)، و «شرح مختصر خليل» (٣/ ١١٤).
وقالَ الدَّرديرُ رحمة الله عليه: (وإنْ تتَرَّسوا بذُرِّيةٍ) أو نِساءٍ (تُرِكوا) لحَقِّ الغانِمينَ (إلا لخَوفٍ) على المُسلِمينَ، (و) إنْ تتَرَّسوا (بمُسلمٍ) قُوتِلوا و (لم يُقصَدِ التُّرسُ) بالرَّميِ وإنْ خِفْنا على أنفُسِنا؛ لأنَّ دَمَ المُسلِمِ لا يُباحُ بالخَوفِ على النَّفسِ (إنْ لم يُخَفْ على أكثَرِ المُسلِمينَ)؛ فإنْ خيفَ سقَطت حُرمةُ التُّرسِ وجازَ رَميُه (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «المِنهاجِ»: ولو التحَم حَربٌ فتتَرَّسوا بنِساءٍ وصِبيانٍ جازَ رَميُهم، وإنْ دفَعوا بهم عن أنفُسِهم ولم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم فالأظهَرُ تَركُهم، وإنْ تتَرَّسوا بمُسلِمينَ؛ فإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم تَرَكناهم، وإلا جازَ رَميُهم في الأصَحِّ (٢).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: (ولو التحَم حَربٌ فتتَرَّسوا بنِساءٍ) وخَناثى (وصِبيانٍ) ومَجانينَ منهم (جازَ) حينَئذٍ (رَميُهم) إذا دعَت الضَّرورةُ إليه، ونتَوقَّى مَنْ ذُكِر لئلَّا يَتخِذوا ذلك ذَريعةً إلى مَنعِ الجِهادِ وطَريقًا إلى الظَّفرِ بالمُسلِمينَ؛ لأنَّا إنْ كفَفْنا عنهم لأجلِ التَّترُّسِ بمَن ذُكِر لا يَكفُّون عنَّا، فالاحتياطُ لنا أوْلى من الاحتياطِ لمَن ذُكِر (وإنْ دَفَعوا بهم عن أنفُسِهم ولم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم فالأظهَرُ تَركُهم) وُجوبًا لئلَّا يُؤدِّيَ إلى قَتلِهم من غيرِ ضَرورةٍ وقد نُهينا عن قَتلِهم، وهذا ما رجَّحَه في «المُحرَّرِ».
(١) «الشرح الكبير» (٢/ ١٧٨).
(٢) «منهاج الطالبين» ص (١٣٧).
والثانِي: -وهو المُعتمَدُ كما صحَّحه في «زَوائِدِ الرَّوضةِ» -: جَوازُ رَميِهم كما يَجوزُ نَصبُ المَنجَنيقِ على القَلعةِ وإنْ كانَ يُصيبُهم، ولِئلَّا يَتَّخِذوا ذلك ذَريعةً إلى تَعطيلِ الجِهادِ أو حيلةً لاستِبقاءِ القِلاعِ لهم، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، واحتَرَز المُصنِّفُ بقَولِه (دفَعوا بهم عن أنفُسِهم) عما إذا فعَلوا ذلك مَكرًا وخَديعةً لعِلمِهم بأنَّ شَرعَنا يَمنعُ مِنْ قَتلِ نِسائِهم وذَراريِّهم، فلا يُوجِبُ ذلك تَركَ حِصارِهم ولا الامتِناعَ من رَميِهم وإنْ أفضى إلى قَتلِ مَنْ ذُكِر قَطعًا. قالَه الماوَرديُّ.
قالَ في «البَحرِ»: وشَرطُ جَوازِ الرَّميِ أنْ يَقصِدَ بذلك التَّوصُّلَ إلى رِجالِهم.
(وإنْ تتَرَّسوا بمُسلِمينَ) ولو واحِدًا أو ذِمِّيينَ كذلك (فإنْ لم تَدْعُ ضَرورةٌ إلى رَميِهم تَرَكْناهم) وُجوبًا صيانةً للمُسلِمينَ وأهلِ الذِّمةِ، وفارَقَ النِّساءَ والصِّبيانَ على المُعتمَدِ بأنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ مَحقونا الدَّمِ لحُرمةِ الدِّينِ والعَهدِ فلم يَجزْ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، والنِّساءَ والصِّبيانَ حُقنوا لحَقِّ الغانِمينَ فجازَ رَميُهم بلا ضَرورةٍ، (وإلا) بأنْ دَعَت ضَرورةٌ إلى رَميِهم بأنْ تتَرَّسوا بهم حالَ التِحامِ القِتالِ بحيثُ لو كَفَفْنا عنهم ظَفِروا بنا وكَثُرت نِكايَتُهم (جازَ رَميُهم) حينَئذٍ (في الأصَحِّ) المَنصوصِ، ونَقصِدُ بذلك قِتالَ المُشرِكينَ ونتَوقَّى المُسلِمينَ وأهلَ الذِّمةِ بحسَبِ الإمكانِ؛ لأنَّ مَفسَدةَ الإعراضِ أعظَمُ من مَفسَدةِ الإقدامِ، ويُحتمَلُ هَلاكُ طائِفةٍ للدَّفعِ عن بَيضةِ الإسلامِ ومُراعاةِ الأُمورِ الكُلِّيةِ.
والثانِي: المَنعُ إذا لم يَتأتَّ رَميُ الكُفارِ إلا برَميِ مُسلمٍ أو ذِميٍّ، وكالذِّميِّ المُستأمَنُ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه في «الرَّوضةِ»: ولو تتَرَّسوا بالنِّساءِ والصِّبيانِ نُظِر إنْ دعَت ضَرورةٌ إلى الرَّميِ والضَّربِ بأنْ كانَ ذلك في حالِ التِحامِ القِتالِ ولو تُرِكوا لغَلَبوا المُسلِمينَ جازَ الرَّميُ والضَّربُ، وإنْ لم تَكنْ ضَرورةٌ بأنْ كانُوا يَدفَعونَ بهم عن أنفُسِهم واحتمَلَ الحالُ تَركَهم فطَريقانِ أصَحُّهما على قَولَينِ:
أحدُهما: يَجوزُ رَميُهم كما يَجوزُ نَصبُ المَنجَنيقِ على القَلعةِ وإنْ كانَ يُصيبُهم، ولئلَّا يَتخِذوا ذلك ذَريعةً إلى تَعطيلِ الجِهادِ.
والثانِي: المَنعُ، وهذا أصَحُّ عندَ القَفالِ، ومالَ إلى تَرجيحِ الأولِ مائِلونَ، والطَّريقُ الثانِي: القَطعُ بالجَوازِ ورَدُّ المَنعِ إلى الكَراهةِ، وقيلِ في الكَراهةِ على هذا قَولانِ، ولو تتَرَّسوا بهم في القَلعةِ فقيل: هذه الصُّورةُ أوْلى بالجَوازِ؛ لئلَّا يُتَّخَذ ذلك حيلةً لاستِبقاءِ القِلاعِ لهم، وفي ذلك فَسادٌ عَظيمٌ، وقيلَ قَولانِ، وإنْ عجَزنا عن القَلعةِ إلا به. قُلتُ (أي: النَّوويُّ): الراجِحُ في الصُّورتَينِ الجَوازُ، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
ولو كانَ في البَلدةِ أو القَلعةِ مُسلِمٌ أو أسيرٌ أو تاجِرٌ أو مُستأمَنٌ أو طائِفةٌ من هؤلاء، فهل يَجوزُ قَصدُ أهلِها بالنارِ والمَنجنيقِ وما في مَعناهما؟ فيه طُرُقٌ؛ المَذهبُ: أنَّه إنْ لم يَكنْ ضَرورةٌ كُرِه ولا يَحرُمُ على الأظهَرِ؛ لئلَّا
(١) «مغني المحتاج» (٤/ ٢٢٤).
يُعطِّلوا الجِهادَ بحَبسِ مُسلمٍ فيهم، وإنْ كانَت هناك ضَرورةٌ، كخَوفِ ضَرَرِهم، أو لم يَصِلْ فَتحُ القَلعةِ إلا به جازَ قَطعًا.
والطَّريقُ الثانِي: لا اعتبارَ بالضَّرورةِ بل إنْ كانَ ما يُرمى به يُهلِكُ المُسلِمَ لم يَجزْ، وإلا فقَولانِ.
والثالِثُ: وبه أجابَ صاحِبُ «الشامِلِ» إنْ كانَ عَددُ المُسلِمينَ -الذين فيهم- مِثلَ عَددِ المُشرِكينَ لم يَجزْ رَميُهم، وإنْ كانَ أقَلَّ جازَ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يُصيبُ المُسلِمينَ، والمَذهبُ الجَوازُ، وإنْ علِمَ أنَّه يُصيبُ مُسلمًا وهو نَصُّه في «المُختصَرِ»؛ لأنَّ حُرمةَ من مَعنا أعظَمُ حُرمةً ممَّن في أيديهم؛ فإنْ هلَك منهم هالِكٌ فقد رُزِق الشَّهادةَ، قالَه أبو إسحاقَ.
فَرعٌ: لو تتَرَّس الكُفارُ بمُسلِمينَ من الأُسارى وغيرِهم نُظِر إنْ لم تَدْعُ إلى رَميِهم ضَرورةٌ واحتمَلَ الحالُ الإعراضَ عنهم لم يَجزْ رَميُهم؛ فإنْ رَمى رامٍ فقتَلَ مُسلمًا قالَ البَغَويُّ: هو كما لو قتَلَ مُسلمًا في دارِ الحَربِ إنْ عَلِمه مُسلمًا لزِمَه القِصاصُ، وإنْ ظَنَّه كافرًا فلا قِصاصَ وتَجِبُ الكَفارةُ، وفي الدِّيةِ قَولانِ، وإنْ دعَت ضَرورةٌ إلى رَميِهم بأنْ تتَرَّسوا بهم في حالِ التِحامِ القِتالِ وكانُوا بحيثُ لو كَفَفْنا عنهم ظَفِروا بنا وكَثُرت نِكايَتُهم فوَجهانِ:
أحدُهما: لا يَجوزُ الرَّميُ إذا لم يُمكِنْ ضَربُ الكُفارِ إلا بضَربِ مُسلمٍ؛ لأنَّ غايتَه أنْ نَخافَ على أنفُسِنا، ودَمُ المُسلِمِ لا يُباحُ بالخَوفِ بدَليلِ صُورةِ الإكراهِ.
والثانِي: وهو الصَّحيحُ المَنصوصُ وبه قطَع العِراقيُّونَ: جَوازُ الرَّميِ على قَصدِ قِتالِ المُشرِكينَ ويَتوقَّى الرامي المُسلِمينَ بحسَبِ الإمكانِ؛ لأنَّ مَفسدةَ الإعراضِ أكثَرُ من مَفسدةِ الإقدامِ، ولا يَبعدُ احتِمالُ طائِفةٍ للدَّفعِ عن بَيضةِ الإسلامِ مُراعاةً للأُمورِ الكُلِّيَّاتِ.
فإنْ جَوَّزنا الرَّميَ فرَمى وقتَلَ مُسلمًا فلا قِصاصَ فتَجِبُ الكَفارةُ، وفي الدِّيةِ طُرقٌ، أصَحُّها وظاهِرُ النَّصِّ وبه قالَ المُزَنيُّ وابنُ سَلمةَ: إنْ علِمَ أنَّ المَرميَّ مُسلِمٌ وجَبَت وإلا فلا.
والثانِي: قالَه أبو إسحاقَ: إنْ قصَده بعَينِه وجَبَت سَواءٌ علِمه مُسلمًا أو لا، وإلا فلا.
والثالِثُ: قَولانِ مُطلَقًا، والرابِعُ: قالَه ابنُ الوَكيلِ: إن علِمَ أنَّ هناك مُسلمًا وجَبَت، وإلَّا فقَولانِ.
وإنْ لم نُجوِّزِ الرَّميَ فرَمى وقتَلَ ففي وُجوبِ القِصاصِ طَريقانِ: أحدُهما: قَولانِ كالمُكرَهِ، والثانِي: يَجبُ قَطعًا كالمُضطَرِّ إذا قتَلَ رَجلًا ليأكُلَه بخِلافِ المُكرَهِ؛ فإنَّه مُلجَأٌ، ولأنَّ هناك مَنْ يُحالُ عليه وهو المُكرَهُ (١).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه إذا تتَرَّس المُشرِكونَ بالمُسلِمينَ جازَ لبَقيةِ المُسلِمينَ الرَّميُ ويَقصِدون المُشرِكينَ، ثم اختَلفُوا فيما إذا أصابَ أحَدُهم مُسلمًا في الحالِ.
(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٤ - ٤، ٢٤٦).
فقالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ: لا تَلزَمُه دِيةٌ ولا كَفارةٌ.
وقالَ الشافِعيُّ قَولانِ: أحدُهما: تَلزَمُه الكَفارةُ بلا دِيةٍ، والآخَرُ: الدِّيةُ والكَفارةُ معًا، وفي تَفصيلِ هذَينِ القَولَينِ بينَ أصحابِه خِلافٌ طَويلٌ.
وعن أحمدَ رِوايَتانِ كذلك، أظهَرُهما: أنَّ الكَفارةَ لازِمةٌ له خاصةً (١).
فعِلةُ تَقييدِ رَميِ التُّرسِ بالضَّرورةِ عندَ المالِكيةِ -كما يَقولُ الدَّرديرُ-، وعندَ الشافِعيةِ -كما يَقولُ الخَطيبُ الشِّربينيُّ- هي المُحافَظةُ على غَنيمةِ المُسلِمينَ من التَّلفِ لكَونِهم يَصيرونَ مالًا للمُسلِمينَ بالسَّبيِ.
(١) «الإفصاح» (٢٣٠٣).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)
اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)
ارجع إلى الذين لا يجوز قتلهم قصدا من الكفار الحربيين للاطلاع على جميع المسائل.