الإسلام > الجنايات والحدود > الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة > إذا ترك البغاة القتال
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةأحَدُهما وهو قِياسُ قَولِ الشافِعيِّ في القَديمِ: إنَّ قِتالَهم عليهَا واجِبٌ إذا قيلَ فيها بوُجوبِ دَفعِها إلى الإمامِ.
والقَولُ الثاني وهو قِياسُ قولِه في الجَديدِ: إنَّ قِتالَهم عليهَا مباحٌ وليسَ بواجِبٍ إذا قيلَ فيه: إنَّ دفْعَها إلى الإمامِ مُستحَبٌّ وليسَ بواجِبٍ، واللهُ أعلَمُ (١).
إذا ترَكَ البُغاةُ القِتالَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ البُغاةَ إذا تَرَكوا القِتالَ حَرُمَ قَتلُهم وقَتلُ مُدبِرِهم وجَريحِهم؛ لقَولِ مَروانَ: «صرَخَ صارخٌ لعَليٍّ يومَ الجَملِ: لا يُقتلَنَّ مُدبِرٌ، ولا يُذفَّفُ (٢) على جَريحٍ، ولا يُهتَكُ سِتْرٌ، ومَن أغلَقَ بابَه فهو آمِنٌ، ومَن ألقَى السلاحَ فهو آمِنٌ» (٣)، وعن عمارٍ رضي الله عنه نحوُه.
ورَوى ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عَبدٍ ما حُكمُ مَنْ بَغَى على أمَّتِي؟ فقلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُقتَلُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم» (٤).
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٠٠، ١٠٥)، و «المغني» (٩/ ٥).
(٢) تذفيفُ الجَريحِ: الإجهازُ عليهِ، وتَحريرُ قتلِه. «النهاية» (٢/ ١٦٢)، و «لسان العرب» (٩/ ١١٠).
(٣) صَحِيحٌ: رواه سعيد بن منصور في «سننه» (١/ ٤٥١)، رقم (٢٩٤٧)، عبد الرزاق في «المصنف» (١٠/ ١٢٣)، رقم (١٨٥٩٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/ ٤٢٤)، رقم (٣٣٩٥٢)، والبيهقي في «الكبرى» (٨/ ١٨١).
(٤) ضَعِيفٌ: رواه الحاكم (٢/ ١٥٥)، والبيهقي (٨/ ١٨٢).
وعن أبي أُمامةَ رضي الله عنه قالَ: «شَهدْتُ صِفِّينَ فكانُوا لا يُجهِزونَ على جَريحٍ، ولا يَطلبونُ مُولِّيًا، ولا يَسلبونُ قَتيلًا» (١).
ولأنَّ المَقصودَ دَفعُهم، فإذا حصَلَ لم يَجُزْ قَتلُهم كالصائلِ، ولا يُقتلُ لهم أسيرٌ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما إذا كانَتْ لهم فِئةٌ يَلجَؤونَ إليها، هل يُجهَزُ على جَريحِهم ويُتبَعُ مُولِّيهم أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه إذا خِيفَ منهُم أو كانَتْ لهم فِئةٌ يَلجؤونَ إليها فإنه يُذفَّفُ على جَريحِهم ويُتبَعُ مُولِّيهم.
قالَ الحَنفيةُ: إنْ قاتَلَهم الإمامُ وكانَتْ لهم فِئةٌ يَلجَؤونَ إليها أُجهِزَ على جَريحِهم واتُّبعَ مُولِّيهم؛ لئلَّا يَتحيَّزوا إلى الفئةِ فيَمتنِعوا بها فيَكُروا على أهلِ العدلِ.
وأما أسيرُهم فإنْ شاءَ الإمامُ قتَلَه استِئصالًا لشَأفتِهم، وإنْ شاءَ حبَسَه؛ لاندِفاعِ شَرِّه بالأسرِ والحَبسِ، وإنْ رَأى أنْ يُخلِّي عنه فعَلَ، فإنَّ عَليًّا رضي الله عنه كانَ إذا أخَذَ أسيرًا استَحلَفَه أنْ لا يُعِينَ عليهِ وخَلَّاه، وإنْ رَأى أنْ يَحبسَه حتى يَتوبَ أهلُ البَغيِ فعَلَ، وهو الأحسَنُ؛ لأنه يُؤمَنُ شَرُّه مِنْ غيرِ قَتلٍ.
(١) صَحِيحٌ: رواه الحاكم (٢/ ١٥٥).
(٢) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٦١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٧٩)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٤٨١)، و «البيان» (١٢/ ٢٢، ٢٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٠٨)، و «نهاية المحتاج» (٧/ ٤٦٩)، و «المغني» (٩/ ٩، ١٠)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٨٢)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٠٨، ٢٠٩)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٢٦٩)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٥٨، ٣٥٩).
وإنْ لم يَكنْ لهم فئةٌ يَتحيَّزونَ إليها لم يُتبَعْ مُدبرُهم ولم يُجهَزْ على جَريحِهم ولم يُقتلْ أسيرُهم؛ لوُقوعِ الأمنِ عن شَرِّهم عندَ انعِدامِ الفئةِ.
ولا يُقتلُ مَنْ مَعَهم مِنْ النِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ والزَّمنَى والعُميانِ؛ لأنهم لا يُقتلونَ إذا كانوا مع الكفَّارِ، فهذا أَولَى، ولَيسوا مِنْ أهلِ القِتالِ، فإنْ قاتَلَتِ المَرأةُ مع الرِّجالِ لا بأسَ بقَتلِها حالةَ القِتالِ، ولا تُقتلُ إذا أُسِرَتْ، وتُحبسُ؛ اعتِبارًا بالحَربيةِ.
ويُكرَهُ حَملُ رُؤوسِهم وإنفاذُها إلى الآفاقِ؛ لأنه مُثلَةٌ، ولم يُنقَلْ عن عَليٍّ رضي الله عنه، ورُويَ «أنه حُمِلَ إلى أبي بَكرٍ رضي الله عنه رَأسٌ فأنكَرَ حمْلَه، فقيلَ له: إنَّ فارسَ والرُّومَ يَفعلونَ ذلكَ، فقالَ: أَستِنَانٌ بفارسَ والرُّومِ؟!» (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أمِنَّا بَغيَهم فإنَّا لا نَتبعُ مُنهزِمَهم ولا نُذفِّفُ -أي نُجهِزُ- على جَريحِهم، وإنْ لم يُؤمَنْ منهم يُتبعُ مُنهزِمُهم ويُذفَّفُ على جَريحِهم، وإنْ أُسِرَّ منهم أسيرٌ وانقَطعَتِ الحربُ فلا يُقتلُ، وإنْ كانَتِ الحَربُ قائِمةً فللإمامِ قَتلُه ولو كانوا جَماعةً إذا خافَ أنْ يكونَ منهُم ضَررٌ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنهم إذا تَرَكوا القتالَ بالرُّجوعِ إلى الطاعةِ أو بإلقاءِ السِّلاحِ أو بالهَزيمةِ إلى فِئةٍ أو إلى غيرِ فئةٍ أو بالعَجزِ
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٤٠، ١٤١)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٠٤)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٩٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٥٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٤١، ٣٤٢)، و «اللباب» (٢/ ٥٦٨).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ١١٣٨)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠٤، ٣٠٥)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٦١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٧٩).
لجِراحٍ أو مَرضٍ أو أسرٍ فإنه يَحرمُ قَتلُهم واتِّباعُ مُدبِرِهم، وساقَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه الآثارَ الوارِدةَ في النهيِ عن قتلِ المُدبِرِ والإجهازِ على الجَريحِ وقَتلِ الأسيرِ، وهي عامَّةٌ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أهلُ البَغيِ إذا تَرَكوا القِتالَ إمَّا بالرُّجوعِ إلى الطاعةِ وإما بإلقاءِ السِّلاحِ وإما بالهَزيمةِ إلى فِئةٍ أو إلى غيرِ فئةٍ وإما بالعَجزِ لجِراحٍ أو مَرضٍ أو أسرٍ فإنه يَحرمُ قتلُهم واتِّباعُ مُدبِرِهم، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أبو حَنيفةَ إذا هُزِموا ولا فِئةَ لهم كقَولِنا، وإنْ كانَت لهُم فِئةٌ يَلجؤونَ إليها جازَ قَتلُ مُدبرِهم وأسيرِهم والإجازةُ على جَريحِهم، وإنْ لم يَكنْ لهم فِئةٌ لم يُقتَلوا، لكنْ يُضرَبونَ ضَربًا وَجيعًا ويُحبَسونَ حتى يُقلِعوا عمَّا هُمْ عليهِ ويُحدِثوا تَوبةً، ذَكَروا هذا في الخوارجِ، ويُرَوى عن ابنِ عبَّاسٍ نحوُ هذا، واختارُه بعضُ أصحابِ الشافِعيِّ؛ لأنه متَى لم يَقتلْهم اجتَمَعوا ثم عادُوا إلى المُحارَبةِ.
ولنا: ما رُويَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قالَ يومَ الجَملِ: «لا يُذفَّفُ على جَريحٍ، ولا يُهتكُ سِترٌ، ولا يُفتحُ بابٌ، ومَن أغلَقَ بابًا أو بابَه فهو آمِنٌ، ولا يُتبعُ مُدبِرٌ»، وقد رُويَ نحوُ ذلكَ عن عمَّارٍ، وعن عليٍّ رضي الله عنه «أنه وَدَى قَومًا مِنْ بيتِ مالِ المُسلمينَ قُتِلوا مُدبرِينَ»، وعن أبي أُمامةَ أنه قالَ: «شَهدتُ صِفِّينَ وكانُوا لا يُجهِزونَ على جَريحٍ ولا يَقتلونَ مُولِّيًا ولا يَسلبونَ قَتيلًا»، وقد ذكَرَ القاضي في شَرحِه عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عبدٍ ما حُكمُ مَنْ بَغَى على أمَّتي؟ فقلتُ: اللهُ
ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُتبعُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم».
ولأنَّ المَقصودَ دَفعُهم وكَفُّهم وقد حصَلَ، فلَم يَجُزْ قَتلُهم كالصائلِ، ولا يَقتلونَ لِما يُخافُ في الثاني كما لو لم تَكنْ لهم فِئةٌ.
إذا ثبَتَ هذا فإنْ قتَلَ إنسانٌ مَنْ مُنعَ مِنْ قَتلِه ضَمِنَه؛ لأنه قتَلَ مَعصومًا لم يُؤمَرْ بقتلِه، وفي القِصاصِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يَجبُ؛ لأنه مِكافئٌ مَعصومٌ، والثَّاني: لا يَجبُ؛ لأنَّ في قَتلِهم اختِلافًا بينَ الأئمَّةِ، فكانَ ذلكَ شُبهةً دارِئةً للقِصاصِ؛ لأنه مما يَندرئُ بالشبُهاتِ.
وأما أسيرُهم فإنْ دخَلَ في الطاعةِ خُلِّيَ سَبيلُه، وإنْ أبَى ذلكَ وكانَ رَجلًا جَلدًا مِنْ أهلِ القِتالِ حُبسَ ما دامَتِ الحَربُ قائِمةً، فإذا انقَضتِ الحَربُ خُليَ سَبيلُه وشُرطَ عليهِ أنْ لا يَعودَ إلى القِتالِ، وإنْ لم يَكنِ الأسيرُ مِنْ أهلِ القِتالِ كالنِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ الفانينَ خُليَ سَبيلُهم ولم يُحبَسوا في أحَدِ الوَجهينِ، وفي الآخَرِ: يُحبَسونَ؛ لأنَّ فيه كَسرًا لقُلوبِ البغاةِ، وإنْ أسَرَ كلُّ واحدٍ مِنْ الفَريقينِ أُسارَى مِنْ الفريقِ الآخَرِ جازَ فِداءُ أسارَى أهلِ العَدلِ بأُسارَى أهلِ البغيِ، وإنْ قتَلَ أهلُ البغيِ أُسارى أهلِ العَدلِ لم يَجُزْ لأهلِ العَدلِ قتلُ أساراهُم؛ لأنهم لا يُقتَلونَ بجِنايةِ غيرِهم ولا يَزِرونَ وِزرَ غيرِهم، وإنْ أبَى البُغاةُ مُفاداةَ الأسرى الذينَ معَهم وحَبَسوهُم احتَملَ أنْ يَجوزَ لأهلِ العَدلِ حَبسُ مَنْ معَهم؛ ليَتوصَّلوا إلى تَخليصِ
أُساراهم بحَبسِ مَنْ معَهم، ويَحتملُ أنْ لا يَجوزَ حَبسُهم ويُطلَقونَ؛ لأنَّ الذنبَ في حَبسِ أُسارى أهلِ العَدلِ لغيرِهم (١).
وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ قالَ أهلُ البغيِ: «رجَعْنا إلى طاعةِ الإمامِ» .. لم يَجُزْ قتالُهم؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، و (الفَيئةُ): الرُّجوعُ.
وهكذا إذا ألقَوا سِلاحَهم .. لم يَجُزْ قِتالُهم؛ لأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِهم تَركُ القتالِ والرُّجوعُ إلى الطاعةِ، فإنِ انهَزَموا .. نَظَرتَ:
فإنِ انهَزَموا لغيرِ فئة .. لم يَجُزِ اتِّباعُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم؛ لِما رَوى ابنُ عُمرَ عن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا ابنَ أمِّ عَبدٍ .. ما حُكمُ مَنْ يَفيءُ مِنْ أمَّتي؟ فقلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، فقالَ: لا يُتبعُ مُدبِرُهم، ولا يُجازُ على جَريحِهم، ولا يُقتلُ أسيرُهم، ولا يُقسمُ فَيؤُهم».
ورَوَى عليُّ بنُ الحُسينِ رضي الله عنه قالَ: «دَخلتُ على مَروانَ بنِ الحَكمِ، فقالَ: ما رَأيتُ أكرَمَ عَلينا مِنْ أبيكَ، ما هو إلا أنْ وَلَّينا يومَ الجَملِ حتى نادَى مُناديهِ: لا يُقتلُ مُدبِرٌ ولا يُذفَّفُ على جَريحٍ» (يُذفَّفُ): يُروى بالدالِ والذالِ، ومَعناهُ: لا يُجازُ عليهِ.
ورُوِيَ عن أبي أُمامةَ رضي الله عنه: أنه قالَ: «شَهدتُ صِفِّينَ فكانوا لا يُجهِزونَ على جَريحٍ ولا يَطلُبونَ مُولِّيًا ولا يَسلبونَ قَتيلًا».
ولأنَّ قِتالَهم للدَّفعِ والكفِّ عن القتالِ، وقد حصَلَ ذلكَ.
(١) «المغني» (٩/ ٩، ١٠).
ارجع إلى الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة للاطلاع على جميع المسائل.