الواجب فعله على الإمام قبل قتالهم

الإسلام > الجنايات والحدود > الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة > الواجب فعله على الإمام قبل قتالهم

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الواجب فعله على الإمام قبل قتالهم - الأقوال والأدلة

وهذا قَولُ طائِفةٍ مِنْ الشافِعيةِ إنه شَرطٌ يُستحَقُّ به قِتالُهم ليَستقرَّ به تَميُّزُهم ومُبايَنتُهم.

وقالَ أكثَرُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ: إنه ليسَ بشَرطٍ في قِتالِهم؛ لأنَّ عليًّا رضي الله عنه قاتَلَ أهلَ الجَملِ ولم يَكنْ لهم إمامٌ، وقاتَلَ أهلَ صِفِّينَ قبلَ أنْ يَنصِبوا إمامًا لهم (١).

الواجِبُ فعلُه على الإمامِ قبلَ قِتالِهم:

إذا تكامَلَتِ الشُّروطُ المُعتبَرةُ في قِتالِهم لم يَبدأْ به الإمامُ حتَّى يَسألَهم عن سبَبِ انفِرادِهم ومُبايَنتِهم، فإنْ ذكَرُوا مَظلَمةً أزالَها، وإنْ ذكَرُوا شُبهةً كشَفَها وناظَرَهُم عليهِا، حتَّى يَظهرَ لهم أنهُ على الحَقِّ فيها؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بالإصلاحِ أوَّلًا وبالقِتالِ أخيرًا.

ولأنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ أنفَذَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما إلى الخَوارجِ بالنَّهروانِ يَسألُهم عن سَببِ مُباينتِهم ويَحلُّ شُبهةَ تأويلِهم، لتَظاهُرِهم بالعِبادةِ والخُشوعِ وحَملِ المَصاحفِ في أعناقِهم … فعَن عَبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ: «أنَّ عَليًّا رضي الله عنه لمَّا اعتَزلَه الحَرُوريةُ بعَثَ إليهم عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فواضَعُوه كِتابَ اللهِ ثلاثةَ أيَّامٍ، فرجَعَ منهُم أربَعةُ آلافٍ وبقيَ

(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٠٢)، ويُنظَر: «فتح القدير» (٤/ ٤١٤)، و «الاختيار» (٤/ ١٨٥، ١٨٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٢٦٢)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٠٣، ٣٠٤)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٧، ٢٧٩)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٤٧٤، ٤٧٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٠٢، ٤٠٣)، و «المغني» (٩/ ٤)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٠٥)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٥٤).

منهم نحوُ أربعةِ آلافٍ لم يَرجِعوا، فعادَ إلى عليِّ بنِ أبي طالبٍ فأخبَرَه، فقالَ لأصحابِه: سِيرُوا على اسمِ اللهِ تعالَى إليهِم، فلنْ يُفلِتَ منهُم عَشرةٌ، ولنْ يُقتلَ منكُم عَشرةٌ، فسارُوا معه إليهِم فقتَلَهم، وأفلَتَ منهُم ثَمانيةٌ، وقُتلَ مِنْ أصحابِ عليٍّ تِسعةٌ، وقالَ: اطلُبوا لي ذا الثَّديَّةِ، فرَأَوه قَتيلًا بينَهُم، فكبَّرَ عليٌّ وقالَ: الحَمدُ للهِ الذي صدَقَ وعْدَ رَسولِه إذ قالَ لي: تُقاتِلُكَ الفئةُ الباغِيةُ فيهم ذُو الثَّديةِ» (١)، فهذهِ سِيرةُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ فيهِم.

فإنْ سألُوا الإنظارَ نظَرَ في حالِهم وبحَثَ في أمرِهم، فإنْ بانَ له أنَّ قصْدَهم الرُّجوعُ إلى الطاعةِ ومَعرفةُ الحقِّ أمهَلَهم، قالَ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحفَظُ عنهُ مِنْ أهلِ العِلمِ، فإنْ كانَ قَصدُهم الاجتماعَ على قِتالِه وانتِظارَ مَددٍ يَقوَونَ به أو خَديعةَ الإمامِ أو ليَأخُذوهُ على غرَّةٍ ويَفترقَ عَسكرُه لم يُنظِرْهم وعاجَلَهم؛ لأنه لا يَأمنُ أنْ يَصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهرِ أهلِ العَدلِ ولا يَجوزُ هذا.

فإذا ثبَتَ أنه يُقدِّمُ قبلَ قِتالِهم سُؤالَهم عن سَببِ بَغيِهم واعتِزالِهم عن الجَماعةِ ثم مُناظَرتَهم في حَلِّ ما اشتَبهَ عليهِم فمتَى أَمِلَ رُجوعَهم إلى الطاعةِ ودُخولَهم في الجَماعةِ بالقَولِ والمُناظَرةِ لم يَتجاوزْه إلى القتالِ، وإنْ يَئِسَ مِنْ رُجوعِهم بعدَ كَشفِ ما اشتَبهَ عليهِم جازَ لإمامِ أهلِ العَدلِ حِينئذٍ قتالُهم ومُحاربتُهم (٢).

(١) صَحِيحٌ: رواه الحاكم (٢٦٥٧)، والبيهقي (١٦٥١٨).
(٢) «الاختيار» (٤/ ١٨٥، ١٨٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٣٤٠، ٣٤١)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٢٧٧)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٠٢، ١٠٣)، و «المغني» (٩/ ٥، ٦)، و «الكافي» (٤/ ١٤٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٠٥، ٢٠٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٥٧، ٣٥٨).

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وانقسَمَتْ أحوالُهم في قتالِهم ثَلاثةَ أقسامٍ:

أحَدُها: ما كانَ قِتالُهم عليهِ واجبًا.

والثاني: ما كانَ قِتالُهم عليهِ مُباحًا.

والثالِثُ: ما اختَلفَ القَولُ في وُجوبِه وإباحَتِه.

فأما ما وجَبَ قِتالُهم عليهِ فهو بواحِدٍ مِنْ خَمسةِ أمورٍ:

أحَدُها: أنْ يَتعرَّضوا لحَريمِ أهلِ العَدلِ بإفسادِ سَبيلِهم.

والثاني: أنْ يَتعطَّلَ جِهادُ المُشرِكينَ بهم.

والثالثُ: أنْ يَأخُذوا مِنْ حُقوقِ بيتِ المالِ ما ليسَ لهُم.

والرابعُ: أنْ يَمتنِعوا مِنْ دَفعِ ما وجَبَ عليهِم.

والخامِسُ: أنْ يَتظاهَروا على خَلعِ الإمامِ الذي قد انعَقدَتْ بَيعتُه ولَزمَتْ طاعتُه.

وأما ما أبيحَ قِتالُهم عليهِ وإنْ لم يَجبْ فهو أنْ يَنفرِدوا عن الجَماعةِ ولا يَمتنِعوا مِنْ حَقٍّ ولا يَتعدُّوا إلى ما ليسَ لهُم بحَقٍّ فيَجوزُ للإمامِ قِتالُهم؛ لتَفريقِ الجَماعةِ، ولا يَجبُ عليهِ قِتالُهم؛ لتَظاهُرِهم بالطاعةِ.

وأما ما اختَلفَ القَولُ في وُجوبِ قِتالِهم وإباحتِه فهو إذا امتَنَعوا مع انفِرادِهم مِنْ دَفعِ زَكاةِ أموالِهم الظاهِرةِ وقامُوا بتَفرقتِها في أهلِ السُّهمانِ منهُم، ففيهِ قَولانِ:

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود

وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 12 - 14

ارجع إلى الشروط المعتبر توفرها في قتال البغاة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 39%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده