الأرض المغنومة عنوة

الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > الأرض المغنومة عنوة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 44 دقيقة قراءة

الأرض المغنومة عنوة - الأقوال والأدلة

ومهما قتَلَ الإمامُ مَنْ رأى قَتْلَه من الرِّجالِ خرَجَ من جُملةِ الغَنيمةِ، وكانَ له حُكمُ الاستِثناءِ والتَّخصيصِ في عُمومِ الآيةِ في القَسمِ والتَّخميسِ (١).

وأمَّا الصِّنفُ الثانِي، وهو الأموالُ المُستَولَى عليها، فنَوعانِ: عَقارٌ، وأَصنافُ المالِ غيرِ العَقارِ.

الأرضُ المَغنومةُ عَنوةً:

فأمَّا العَقارُ، فاختَلفَ أهلُ العِلمِ في العَقارِ، وهو الأرضُ الصالِحةُ لزِراعةِ الحَبِّ والمَبنيةُ دُورًا ونَحوَها المَغنومةُ عَنوةً: هل ذلك ممَّا يُخمَّسُ ويُقسَّمُ على الجَيشِ كسائرِ أصنافِ المالِ، أو حُكمُ الأرضِينَ حُكمُ الفَيءِ لا حقَّ فيها للجَيشِ يَخُصُّهم، وإنَّما تَكونُ وَقفًا على مَصالحِ المُسلِمينَ؟ ففي ذلك ثَلاثةُ أقوالٍ لأهلِ العِلمِ:

القَولُ الأولُ: تُقسَّمُ كسائرِ أموالِ الغَنيمةِ خَمسةَ أَخماسٍ، وإليهِ ذهَبَ الشافِعيةُ وأبو ثَورٍ وأحمدُ في رِوايةٍ، ودَليلُهم عُمومُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فدخَلَ في ذلك الأرضُ وغيرُها، وما ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ قسَّمَ خَيبَرَ على الغانِمينَ، وهذه أدِلةٌ ظاهِرةٌ قَويةٌ، فوُجوبُ القِسمةِ يَتَّفقُ مع فِعلِه الذي يَجري مَجرى البَيانِ للمُجمَلِ، فَضلًا على العامِّ.

وأمَّا آيةُ الحَشرِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦، ٥٩] فهي في الفَيءِ على ما هو الظاهِرُ منها.

(١) «الإنجاد في أبواب الجِهاد» ص (٣٣٩، ٣٤٢).

وإذا لمْ يُقسِّمِ الإمامُ الأرضَ، فعليه أنْ يَستطيبَ الغانِمينَ، كما استَطابَ رَسولُ اللهِ أنْفُسَ الغانِمينَ يَومَ حُنَينٍ ممَّن صار في يَدَيْه سَبيُ هَوَازِنَ، وكما فعَلَ في خَيبَرَ وبَني قُريظةَ، وكما استَطابَ عُمرُ بنُ الخَطابِ الغانِمينَ بعدَ فَتحِ سَوادِ العِراقِ بعِوضٍ أو بغيرِه، فصارَت الأرضُ وَقفًا، أي: فَيئًا للمَصالحِ العامةِ بعدَ أنْ كانَت غَنيمةً، فقد أعطى عُمرُ جَريرًا البَجليَّ عِوضًا من سَهمِه، وأعطى امرأةً بَجَليةً عِوضًا من سَهمِ أبيها؛ لأنَّ حقَّ الغانِمينَ قد ثبَتَ في الغَنيمةِ بعدَ الفَتحِ بالاستِيلاءِ، فلا يَملِكُ الإمامُ إبطالَ هذا الحَقِّ بتَركِ الأرضِ في أيدي أهلِها كالمَنقولِ، ومَن لم يَطبْ نَفسًا منهم فهو أحقُّ بحَقِّه.

والقَولُ الثانِي: الأرضُ لا تُقسَّمُ، بل تَكونُ وَقفًا في مَصالحِ المُسلِمينَ على حُكمِ الفَيءِ، لا يَستأثِرُ أحَدٌ بمِلكِ أعيانِها، بل هي لكلِّ مَنْ حضَرَ ذلك، ومَن لم يَحضُرْه، ومَن يَجيءُ بَعدُ من المُسلِمينَ إلى يَومِ القيامةِ، وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ وأحمدَ في رِوايةٍ.

واستدَلُّوا في ذلك بفِعلِ عُمرَ حيثُ وقَفَ الأراضيَ التي افتَتَحها كسَوادِ العِراقِ، وذكَرُوا احتِجاجَه على ذلك بالآيةِ من سُورةِ الحَشرِ، بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] الآيةَ كلَّها إلى قَولِه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وإلى قَولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] إلى آخِرِ الآياتِ. قالَ عُمرُ لمَّا قرَأَ هذه الآياتِ: «فاستَوعَبتْ هذه الآيةُ الناسَ فلمْ يَبقَ أحَدٌ من المُسلِمينَ إلا له فيها حقٌّ -أو قالَ: حَظٌّ- إلا بعضَ من تَملِكون

من أرِقَّائِكم، وإنْ عِشتُ إنْ شاءَ اللهُ ليُؤتَينَّ كلُّ مُسلمٍ حَقَّه -أو قالَ: حَظَّه- حتى يأتيَ الراعي بسَرْوِ حِميرَ (١) ولم يَعرَقْ فيه جَبينُه».

قالَ أبو عُبيدٍ: السَّروُ الخَيفُ والنَّغفُ كلُّ مَوضِعٍ بينَ انحِدارٍ وارتِفاعٍ (٢).

وقَولُ عُمرَ رضي الله عنه: ما أحَدٌ إلا وله في هذا المالِ حتى الراعي بعدَنَ.

قالُوا: وكانَ فِعلُ عُمرَ في تَوقيفِ الأرضِ بمَحضَرَ الصَّحابةِ من غيرِ نَكيرٍ، فدلَّ ذلك على أنَّ مَعنى قَولِه ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]: فيما عدا الأرضِينَ، وأنَّ الأرضَ لا تَدخُلُ في عُمومِ ذلك.

ولأنَّ النَّبيَّ قد غنِمَ غَنائمَ وأراضيَ لم يُنقَلَ أنَّه قسَّمَ منها إلا خَيبَرَ. وهذا إجماعُ السَّلَفِ، ولتَكونَ الأرضُ لنُوَّابِ المُسلِمينَ ومَرافِقِهم.

قالَ المالِكيةُ: ووُقِفتِ الأرضُ غيرُ المَواتِ، وهي الأرضُ الصالِحةُ لزِراعةِ الحَبِّ والمَبنيةُ دُورًا ونَحوَها بمُجرَّدِ الاستِيلاءِ عليها، ولا يَحتاجُ إلى صيغةٍ من الإمامِ ولا لتَطييبِ نَفسِ المُجاهِدينَ بشَيءٍ من المالِ، وفائِدةُ

(١) سَرو: منازِلُ حِمْيَرَ بأرضِ اليَمنِ، وهي عِدةُ مَواضِعَ: سَرو حِميرَ، وسَرو العلَاة، وسَرو مَنْدد، وسَرو بين، وسَرو سُحيم، وسَرو الملَا، وسَرو لبن، وسَرو رضعا، ذكَرَه ابن السّكيت. انظر: «معجم البلدان» (٣/ ٢١٧) لياقوت الحموي.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رَواه الإمامُ أبي عُبيدٍ في «الأموال» ص (٢٣، ٧٧)، واللفظ له، وأخرَجَه أيضًا النسائي (٤١٤٨)، وأبو داود (٢٩٦٦).

وَقفِ الدُّورِ أنَّها لا تُباعُ ولا يُتصرَّفُ فيها تَصرُّفَ المُلَّاكِ ولا يُؤخَذُ للدُّورِ كِراءٌ بخِلافِ أرضِ الزِّراعةِ، ثم إنَّ مَحلَّ عَدمِ أخذِ كِراءٍ لها وعَدمِ بَيعِها -ما دامَت ببُنيانِ الكُفارِ التي صادَفَها الفَتحُ- مَوجودٌ، أمَّا إذا انهدَمَت وجدَّدَ الناسُ أبنيةً جازَ حينَئذٍ أخذُ الكِراءِ والبَيعُ والأخْذُ بالشُّفعةِ والإرثُ كما هو الآنَ في مَكةَ ومِصرَ وغيرِهما.

وأمَّا غيرُ الأرضِ من سائرِ أموالِ الحَربيِّين فيُخمَّسُ، أي: يُقسَّمُ أَخماسًا، خُمسًا لبَيتِ مالِ المُسلِمينَ، وأربَعةَ أَخماسٍ للمُجاهِدينَ تُقسَّمُ على ما سيأتي.

ومَحلُّ وَقفِ الأرضِ وتَخميسِ غيرِها إنْ أُوجِفَ -أي: قُوتِل- عليها ولو حُكمًا، كهَربِهم قبلَ المُقاتَلةِ بعدَ نُزولِ الجَيشِ بِلادَهم على أحدِ القَولَينِ، وأمَّا لو هرَبوا قبلَ خُروجِ الجَيشِ من بِلادِ الإسلامِ يَكونُ ما انجَلَوا عنه فَيئًا مَوضِعُه بَيتُ المالِ.

والقَولُ الثالِثُ: الإمامُ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَقسِمَها في المَغانمِ كما فعَلَ رَسولُ اللهِ بخَيبَرَ، أو يَقِفَها لمَصالحِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ رضي الله عنه بأرضِ السَّوادِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ وأحمدَ في أظهَرِ الرِّواياتِ عنه، وكأنَّهم رَأوُا الآيتَينِ -آيةَ الغَنيمةِ من سُورةِ الأنفالِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وآيةَ الفَيءِ من سُورةِ الحَشرِ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ الآيَة [الحشر: ٦]، وارِدتَينِ مَورِدَ التَّخييرِ في حُكمِ الأرضِ بخاصةٍ. أو واردةً في مَوضوعٍ واحِدٍ، ولكنَّ آيةَ الحَشرِ مُخصِّصةٌ لآيةِ الأَنفالِ، أي أنَّه بعدَ أنْ

كانَت الثانِيةُ شامِلةً للأَرضِ والمَنقولِ، خَصَّصتها آيةُ الحَشرِ بما عَدا الأرضَ. أمَّا الأرضُ فقد أَعطَت آيةُ الحَشرِ الحَقَّ للإمامِ في أنْ يَتصرَّفَ بما يَجدُه من المَصلَحةِ: إمَّا أنْ يَقفَ الأرضَ، أو يُقِرَّها في أيدي أهلِها ويَضَعَ عليها الخَراجَ؛ لأنَّ آيةَ الأنفالِ تُوجِبُ التَّخميسَ وآيةَ الحَشرِ تُوجِبُ القِسمةَ بينَ المُسلِمينَ جَميعًا دونَ التَّخميسِ، وبذلك يُجمَعُ بينَ الآيتَينِ، والجَمعُ بينَ الأدِلةِ عندَ كَثيرٍ من الأُصوليِّينَ مُقدَّمٌ على القَولِ بالنَّسخِ، أي: بنَسخِ آيةِ الحَشرِ لآيةِ الأنفالِ، كما قالَ بَعضُهم.

ولأنَّ النَّبيَّ قد ترَكَ قُرًى لم يُقسِّمْها، وقد ظهَرَ على مَكةَ عَنوةً، وفيها أموالٌ، فلم يُقسِّمْها، وظهَرَ على قُريظةَ والنَّضيرِ، وعلى غيرِ دارٍ من دُورِ العَربِ، فلم يُقسِّمْ شَيئًا من الأرضِ غيرَ خَيبَرَ. فكانَ الإمامُ بالخيارِ: إنْ شاءَ قسَّمَ كما قسَّمَ خَيبَرَ، وإنْ شاءَ تَرَك كما ترَك رَسولُ اللهِ غيرَ خَيبَرَ.

وقد قيلَ عن عُمرَ: إنَّه لم يَفعَلْ في أرضِ السَّوادِ ما فعَلَ حتى استَطابَ على ذلك نُفوسَ أهلِ الجَيشِ، قالَه الشافِعيُّ، قالَ: وكذلك الآنَ إذا غَنِموا أرضًا فخُمِّست، ثم استَطابَ الإمامُ نُفوسَ أهلِ الجَيشِ عن الأَخماسِ الأربَعةِ، فترَكوا ذلك بطِيبِ نُفوسِهم، فالإمامُ يُوقِفُها لمَصالحِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ.

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: إنَّ الأرضَ إذا فُتِحت عَنوةً ففيها للعُلَماءِ ثَلاثةُ أقوالٍ:

أحدُها: وهو مَذهبُ الشافِعيِّ أنَّه يَجبُ قَسمُها بينَ الغانِمينَ إلا أنْ يَستطيبَ أنفُسَهم فيُوقِفَها، وذكَرَ في «الأُمِّ»: أنَّه لو حكَمَ حاكِمٌ بوَقفِها من غيرِ طِيبِ أنفُسِهم نُقِض حُكمُه؛ لأنَّ النَّبيَّ قسَّمَ خَيبَرَ بينَ الغانِمينَ، لكنَّ جُمهورَ الأئِمةِ خالَفوا الشافِعيَّ في ذلك، ورأوْا أنَّ ما فعَلَه عُمرُ بنُ الخَطابِ مِنْ جَعْلِ الأرضِ المَفتوحةِ عَنوةً فَيئًا حَسنٌ جائِزٌ، وأنَّ عُمرَ حبَسَها بدونِ استِطابةِ أنفُسِ الغانِمينَ، ولا نِزاعَ أنَّ كلَّ أرضٍ فتَحَها عُمرُ بالشامِ عَنوةً والعِراقِ ومِصرَ وغيرِها لم يُقسِّمْها عُمرُ بينَ الغانِمينَ وإنَّما قسَّمَ المَنقولاتِ.

لكنْ قالَ مالِكٌ وطائِفةٌ وهو القَول الثانِي: مُختصةٌ بأهلِ الحُدَيبيةِ، وقد صنَّفَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ -إمامُ المالِكيةِ- في ذلك بما نازَع به الشافِعيَّ في هذه المَسألةِ وتَكلَّم على حُجَجِه.

وعن الإمامِ أحمدَ كالقَولَينِ، لكنَّ المَشهورَ في مَذهبِه هو القَولُ الثالِثُ، وهو مَذهبُ الأكثَرينَ -أبي حَنيفةَ وأصحابِه والثَّوريِّ وأبي عُبيدٍ- وهو أنَّ الإمامَ يَفعَلُ فيها ما هو أصلَحُ للمُسلِمينَ من قَسمِها أو حَبسِها؛ فإنْ رأى قَسمَها كما قسَّمَ النَّبيُّ خَيبَرَ فعَل، وإنْ رأى أنْ يَدَعَها فَيئًا للمُسلِمينَ فعَلَ كما فعَلَ عُمرُ، وكما رُوي أنَّ النَّبيَّ فعَلَ بنِصفِ خَيبَرَ وأنَّه قسَّمَ نِصفَها وحبَسَ نِصفَها لنَوائِبِه، وأنَّه فتَحَ مَكةَ عَنوةً ولم يَقسِمْها بينَ الغانِمينَ، فعلِمَ أنَّ أرضَ العَنوةِ يَجوزُ قَسمُها ويَجوزُ تَركُ قَسمِها (١).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٨١، ٥٨٢)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٣٥)، و «الإنجاد في أبواب الجِهاد» ص (٣٤٢) وما بعدها، و «الإفصاح» (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، و «الأموال» لأبي عبيد ص (٨٠)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٥/ ٢٨١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٩٣)، و «تفسير القرطبي» (١٨/ ٢٢)، و «شرح مسلم» للنووي (١٠/ ٢١١)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٥٠)، و «كنز الدقائق» (١٨٦)، و «الشرح الكبير» (٢/ ١٨٩)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٣٣٣)، و «منح الجليل» (٣/ ١٨٠).

وهذا الخِلافُ في غيرِ أرضِ المَواتِ، أمَّا أرضُ المَواتِ فقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ: لا كَلامَ لأحدٍ عليها، ولا تُملَكُ بالاستِيلاءِ؛ لأنَّهم لم يَملِكوه إذ لا يُملَكُ إلا بالإِحياءِ فمَن أَحيا منها شَيئًا فهو له مِلكٌ؛ لحَديثِ سَعِيدِ بنِ زَيدٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيْتةً فهي له وليسَ لعِرقٍ ظالِمٍ حَقٌّ» (١).

وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: ولِلإمامِ تَمليكُها لمَن يَشاءُ (٢).

وأمَّا أصنافُ المالِ غيرِ العَقارِ، وهي: الذَّهبُ، والفِضةُ، والعُروضُ: من الأثاثِ، والحَيوانِ، والأطعِمةِ، وغيرِ ذلك من سائرِ الأعيانِ التي أباحَ الشَّرعُ تَملُّكَها، فهي على وَجهَينِ: أَسلابٍ، وغيرِ أَسلابٍ.

فأمَّا الأَسلابُ فسَيأتي حُكمُها قَريبًا.

وأمَّا غيرُ الأَسلابِ فضَربانِ:

الأولُ: ما تَقدَّمَ عليه مِلكٌ للكُفارِ، وهو جَميعُ ما حازُوه، ووَضَعوا اليَدَ عليه من ضُروبِ الأموالِ.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الدارقطني (١٣٧٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ١٤٢).
(٢) «الشرح الكبير» (٢/ ١٨٩)، و «حاشية الصاوي» (٤/ ٣٣٣)، و «منح الجليل» (٣/ ١٨٠)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٥٠).

والثانِي: ما كانَ على حُكمِ الأصلِ قبلَ أنْ يَحوزوه بالتَّملُّكِ، نَحوَ ما يَقذِفُ به البَحرُ من العَنبَرِ وغيرِه، وما يُوجَدَ من الجَواهِرِ والأَحجارِ في أرضِهم، ونَحوَ الخَشَبِ والصَّيدِ وغيرِ ذلك.

فأمَّا الضَّربُ الأولُ -وهو ما تَقدَّمَ عليه مِلكُ الكُفارِ- فنَوعانِ: طَعامٌ، وما يَكونُ له حُكمُ الطَّعامِ: من العَلوفةِ، والأنعامِ التي تُذبَحُ، وما أشبَهَ ذلك ممَّا تَدعو الجَيشَ حاجةٌ في الغالِبِ إليه.

والنَّوعُ الثانِي: سائِرُ الأموالِ ممَّا عَدا ذلك، وهذا النَّوعُ لا يَحتاجُ إلى بَيانٍ، فهو ممَّا يَستحِقُّ قَسْمَه باتِّفاقٍ، ويَحرُمُ أخذُ شَيءٍ منه قبلَ القَسْمِ بلا خِلافٍ.

وأمَّا نَوعُ الطَّعامِ، فالتَّبسُّطُ فيه بالأكلِ، والارتِفاقُ للغِنيِّ والفَقيرِ من الغُزاةِ جائِزٌ، وذلك بشَرطَيْن:

أحدُهما: الاقتِصارُ بذلك على دارِ الحَربِ.

والثانِي: أَخذُ قَدرِ الحاجةِ هناك دونَ ما زادَ.

لِما أخرَجَه البُخاريُّ (١)، عن ابنِ عُمرَ قالَ: «كُنَّا نُصِيبُ في مَغازينا العَسلَ والعِنبَ فنأكُلُه ولا نَرفَعُه».

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أجمَعَ جُمهورُ عُلماءِ المُسلِمينَ على إباحةِ أكلِ الطَّعامِ إذا كانَ للحَربيِّينَ ما دامَ المُسلِمونَ في أرضِ الحَربِ، يأخُذونَ منه قَدرَ حاجَتِهم.

(١)

وجُملةُ قَولِ مالِكٍ، والشافِعيِّ، وأبي حَنيفةَ، والثَّوريِّ، والأَوزاعيِّ، واللَّيثِ بنِ سَعدٍ: أنَّه لا بأسَ أنْ يُؤكَلَ الطَّعامُ والعَلفُ في دارِ الحَربِ بغيرِ إذنِ الإمامِ، وكذلك ذَبحُ الأنعامِ للأكلِ، وهو قَولُ أحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عُبيدٍ، وأبي ثَورٍ.

وكانَ ابنُ شِهابٍ لا يَرى ذلك إلا بإذنِ الإمامِ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: «لا أعلَمُ أحَدًا قالَه غيرُه».

فأمَّا أنْ يُخرِجَ أحَدٌ من ذلك شَيئًا إلى أرضِ الإسلامِ، فجُمهورُ العُلماءِ كَرِهوا ذلك، إذا كانَ لذلك الطَّعامِ قِيمةٌ، أو كانَت للناسِ فيه هناك رَغبةٌ، وحَكَموا له بحُكمِ الغَنميةِ، فمَن أخرَجَ شَيئًا من ذلك رَدَّه إلى المُقاسِم إنْ أمكَنَه، وإلا باعَه وتَصدَّقَ بثَمَنِه.

وخالَفَ في ذلك الأَوزاعيُّ، فجعَلَ ما أخرَجَه من ذلك إلى دارِ الإسلامِ، فهو له أيضًا (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ إلا مَنْ شَذَّ منهم على أنَّ للغُزاةِ إذا دخَلوا أرضَ الحَربِ أنْ يَأكُلوا ممَّا وجَدوا من الطَّعامِ ويَعلِفوا دَوابَّهم من أَعلافِهم، منهم سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وعَطاءٌ والحَسنُ والشَّعبيُّ والقاسِمُ وسالِمٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ،

(١) «الاستذكار» (٥/ ٥٢)، وانظر: «الإنجاد في أبواب الجِهاد» ص (٣٤٩) وما بعدها، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٥٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٨)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٩٨)، و «مغني المحتاج» (٦٤٥، ٦٤٤)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٩٧)، و «المبدع» (٤/ ١٩٧).

وقالَ الزُّهريُّ لا يُؤخَذُ إلا بإذنِ الإمامِ، وقالَ سُلَيمانُ بنُ موسى: لا يُترَكُ إلا أنْ يَنهَى عنه الإمامُ فيُتَّقى نَهيُه (١).

قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ أصبَغَ الأزديُّ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وإنَّما يَكونُ أَخذُ الناسِ لما أخَذوا من ذلك على الوَجهِ المَعروفِ؛ فإنْ كانَ انتِهابًا فهو حَرامٌ، وقد كفَأَ النَّبيُّ قُدورَ ناسٍ كانُوا معه في سَفرٍ فأَصابوا غُنمًا، وقد اشتَدَّت حاجَتُهم وجَهدُهم، فانتَهبوها، ثم جعَلَ يُرمِّلُ اللَّحمَ بالتُّرابِ، ثم قالَ: «إنَّ النُّهبةَ ليسَت بأحَلَّ من المَيْتةِ أو إنَّ المَيْتةَ ليسَت بأحَلَّ من النُّهْبةِ» ذكره أبو داودَ (٢).

وخرَّجَ التِّرمذيُّ (٣) عن أنَسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «مَنِ انتَهبَ فليسَ مِنَّا». قالَ فيه: حَسنٌ صَحيحٌ.

وتَفصيلُ ذلك فيما يَلي:

قالَ الحَنفيةُ: لا بأسَ أنْ يَعلِفَ العَسكَرُ في دارِ الحَربِ ويَأكُلوا ممَّا وَجَدوه من الطعامِ كالخُبزِ واللَّحمِ والسَّمنِ والعَسلِ والزَّيتِ ويَستَعمِلوا ويدَّهِنوا بالدُّهنِ.

وإنْ دخَلَ التُّجارُ مع العَسكَرِ لا يُريدون القِتالَ لم يَجزْ لهم أنْ يأكُلوا منه شَيئًا ولا يَعلِفوا دَوابَّهم إلا بالثَّمنِ؛ لأنَّ التاجِرَ لا حقَّ له في الغَنيمةِ؛ فإنْ

(١) «المغني» (٩/ ٢٢٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٠٥).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (١٦٠١).

أكَلَ شَيئًا منه أو علَف فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ حقَّ المُسلِمينَ لم يُستقَرَّ فيه، وأمَّا العَسكَرُ فلهم أنْ يُطعِموا عَبيدَهم ونِساءَهم وصِبيانَهم؛ لأنَّ نَفَقةَ هؤلاء واجِبةٌ عليهم، فكانُوا مِثلَهم، وأمَّا الأجيرُ للخِدمةِ فلا يأكُلُ؛ لأنَّ نَفَقتَه لا تَجِبُ عليه، وإنَّما يَستحِقُّ الأُجرةَ وإنْ دخَلَ النِّساءُ لمُداواةِ الجَرحى والمَرضى أكَلْن وعَلَفْن وأطعَمْن رَقيقَهُنَّ؛ لأنَّ لهن حَقًّا في الغَنيمةِ، ألَا تَرى أنَّه يَرضَخُ لهُنَّ فصِرْن كالرِّجالِ ولو أنَّ العَسكرَ ذَبَحوا البَقرَ والغَنمَ والإبِلَ فأكَلوا اللَّحمَ رَدُّوا الجُلودَ إلى المَغنَمِ؛ لأنَّهم لا يَحتاجونَ إليه في الأكلِ والعَلفِ فهي كالثِّيابِ.

ويُقاتِلون بما يَجِدونه من السِّلاحِ، كلُّ ذلك بغيرِ قِسمةٍ إذا احتاجَ إليه بأنِ انقطَعَ سَيفُه أو انكَسَر رُمحُه أو لم يَكنْ له سِلاحٌ، وكذا إذا دَعَتْه حاجةٌ إلى رُكوبِ فَرسٍ من المَغنَمِ ليُقاتِلَ عليه فلا بأسَ بذلك، فإذا زالت الحاجةُ رَدَّه في الغَنيمةِ ولا يَنبَغي أنْ يَستعمِلَ من الدَّوابِّ والثِّيابِ والسِّلاحِ شَيئًا ليَقيَ به دابَّتَه وثيابَه وسِلاحَه؛ لأنَّ هذا انتِفاعٌ من غيرِ حاجةٍ، لكنْ ليَصونَ ثيابَه وفَرسَه وسِلاحَه؛ فإنْ فعَلَ ذلك فلا ضَمانَ عليه إذا هلَكَ منه شَيءٌ؛ لأنَّ الحَقَّ فيه لم يَستقِرَّ للغانِمينَ.

ولا يَجوزُ أنْ يَبيعوا شَيئًا من ذلك ولا يَتمَوَّلوه، يَعني لكَيْ يَتمَوَّلوه حتى لو باع شَيئًا بطَعامٍ جاز بشَرطِ أنْ يَأكلَه ولا يَبيعَه بالذهَبَ والفِضةِ والعُروضِ.

وسُئلَ النَّبيُّ هل أحدٌ أحقُّ بشَيءٍ من المَغنَمِ؟ قالَ: «لا، حتى السَّهمُ يَأخذُه أحدُكم من جَنبِه فليسَ هو أحَقَّ به من أخيه» (١)، وأخَذَ النَّبيُّ وَبَرةً من سِنامِ بَعيرٍ فقالَ: «إنَّ هذه من غَنائمِكم، وإنَّه ليسَ لي فيها إلَّا نَصيبِي معكم إلَّا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَردودٌ عليكم فأدُّوا الخَيطَ والمَخيطَ وأكبَرَ من ذلك وأصغَرَ، لا تَغُلُّوا؛ فإنَّ الغُلولَ نارٌ وعارٌ على أصحابِه في الدُّنيا والآخِرةِ» (٢).

وإذا خرَجَ المُسلِمونَ من دارِ الحَربِ لم يَجزْ أنْ يَعلِفوا من الغَنيمةِ ولا أنْ يَأكُلوا منها شَيئًا؛ لأنَّ الضَّرورةَ والحاجةَ إلى ذلك قد ارتفَعَت؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّهم يَجِدونَ في دارِ الإسلامِ الطَّعامَ والعَلَفَ فلا يُباحُ لهم التَّناوُلُ من الغَنيمةِ.

ومَن فضَلَ معه علَفٌ أو طَعامٌ رَدَّه إلى الغَنيمةِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ قد ارتفَعَت؛ فإنِ انتَفَعوا بشَيءٍ من أكلٍ أو عَلفٍ فيَنبَغي لمَن كانَ غَنيًّا أنْ يَتصدَّقَ بقيمَتِه إنْ كانَ بعدَ القِسمةِ أو رَدَّ قيمَتَه في المَغنَمِ إنْ كانَ قبلَ القِسمةِ، وإنْ كانَ فَقيرًا رَدَّه قبلَ القِسمةِ ولم يَلزمْه بعدَ القِسمةِ شَيءٌ وإنَّما يَردُّه الغَنيُّ إذا كانَ قبلَ القِسمةِ؛ لأنَّه يُمكِنُ رَدُّه إلى الغَنيمةِ، وأمَّا بعدَ القِسمةِ فقد يُعذَرَ إيصالُه إلى مُستحِقِّه لتَفرُّقِ الغانِمينَ فيُتصدَّقَ به، وأمَّا

(١) إسناده صَحِيحٌ: أخرَجَه الطحاوي (٢/ ١٧٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (٢٢٧٧٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٨٥٥)، وابن ماجه (٢٨٥٠) وغيرُهم.

الفَقيرُ فيَرُدُّه قبلَ القِسمةِ؛ لأنَّه حقُّ الغيرِ، وأمَّا بعدَها فمُوجِبُه التَّصدُّقُ وهو مَحلٌّ للتَّصدُّقِ؛ لأنَّه فَقيرٌ (١).

وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للمُحتاجِ من الغانِمينَ ولو لم تَبلُغْ حاجَتُه حَدَّ الضَّرورةِ وسَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أو لا، أنْ يَأخذَ من الغَنيمةِ قبلَ القِسمةِ -لا على وَجهِ الغُلولِ- نَعلًا يَنتعِلُ به، وحِزامًا يَشُدُّ به ظَهرَه، وطَعامًا يَأكلُه، ونَحوَه، كعلَفٍ لدابَّتِه وإبرةٍ ومِخياطٍ وخَيطٍ وقَصعةٍ ودَلوٍ، ونَعَمٍ يَذبَحُه ليَأكُلَه، أو يَحمِلَ عليه مَتاعًا، ويُرَدُّ جِلدُه للغَنيمةِ إنْ لم يَحتَجْ إليه. ومن الجائِزِ ثَوبٌ يَحتاجُ للُبسِه أو يَتغَطَّى به، وسِلاحٌ يُحارِبُ به إنِ احتاجَ ودابةٌ يَركَبُها أو يُقاتِلُ عليها، ويأخُذُ الثَّوبَ وما ذكَرْناه بعدَه إنِ احتاجَ وقصَد الرَّدَّ لها بعدَ قَضاءِ حاجَتِه، لا إنْ قصَد التَّملُّكَ فلا يَجوزُ.

وكلُّ ما فضَلَ عن حاجَتِه من كلِّ ما أخَذَه -سَواءٌ اشتَرَط في أَخذِه الحاجةَ أو لا- يَجبُ رَدُّ ما زاد منه إنْ كثُرَ بأنْ ساوَى دِرهَمًا فأعلى، لا إنْ كانَ تافِهًا، فإنْ تَعذَرَ رَدُّه تَصدَّقَ به كلَّه عن الجَيشِ وُجوبًا بعدَ إِخراجِ خُمُسِه، ولا يَجوزُ تَملُّكُه وجازَ المُبادَلةُ فيه: أي فيما أخَذَه المُحتاجُ منهم قبلَ القَسمِ، وإنْ بطَعامٍ رِبَويٍّ فلِمَن أخَذَ لحمًا أو شَعيرًا أو قَمحًا أو نَحوَ ذلك لحاجَتِه فاستَغنى عنه، أو عن بَعضِه أنْ يُبدِّلَه ممَّن أخَذَ لحاجَةِ غيرِه لذلك الغيرِ، ولو بتَفاضُلٍ في رِبَويٍّ مُتَّحدِ الجِنسِ؛ لأنَّه ليسَ بمَملوكٍ

(١) «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٦١)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٨٦)، و «البحر الرائق» (٥/ ٩٣)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٥٢)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٤٢٦)، و «الاختيار» (٤/ ١٣٦).

حَقيقةً، وإنَّما أُخذَ للحاجةِ ويُرَدُّ ما فضَل، ولذا لا يَجوزُ مُبادَلةٌ بعدَ القَسمِ إلا إذا خَلا عن الرِّبا والمَوانِعِ الشَّرعيةِ (١).

وقالَ الشافِعيةُ: وللغانِمينَ ممَّن يُسهَمُ لهم أو يُرضَخُ -ولو بغيرِ إذنِ الإمامِ- التَّبسُّطُ في الغَنيمةِ قبلَ اختيارِ التَّملُّكِ بأكلِ القُوتِ والأُدمِ والفاكِهةِ ونَحوِها ممَّا يُعتادُ أكلُه للآدَميِّ عُمومًا كالشَّحمِ واللَّحمِ، على سَبيلِ الإباحةِ لا التَّمليكِ، يَنتفِعُ به الآخِذُ ولا يَتصرَّفُ فيه.

ولا يَجوزُ أخْذُ شَيءٍ من الأموالِ كسِلاحٍ ودابةٍ ولا الانتِفاعُ بها؛ فإنِ احتاجَ إلى المَلبوسِ لبَردٍ أو حَرٍّ ألبَسَه الإمامُ له إمَّا بالأُجرةِ مُدةَ الحاجةِ ثم يَرُدُّه إلى المَغنَمِ أو يَحبِسُه عليه من سَهمِه.

فإنِ احتاجَ شَخصٌ منهم إلى القِتالِ بالسِّلاحِ جازَ للضَّرورةِ ولا أُجرةَ عليه، ويَرُدُّه إلى المَغنَمِ بعدَ زَوالِها؛ فإنْ لم يَكنْ ضَرورةً لم يَجزْ له استِعمالُه ولو اضطُرَّ إلى المَركوبِ في القِتالِ فله رُكوبُه بلا أجْرٍ.

ولهم عَلفُ الدَّوابِّ التي لا يُستغنَى عنها في الحَربِ كفَرسِه ودابةٍ تَحمِلُ سِلاحَه تِبْنًا وشَعيرًا ونَحوَهما كفُولٍ؛ لأنَّ الحاجةَ تَمسُّ إليه كمُؤنةِ نَفسِه.

أمَّا ما يَستصحِبُه من الدَّوابِّ الزِّينةِ أو الفُرجةِ كفُهودٍ ونُمورٍ فليسَ له علَفُها من مالِ الغَنيمةِ قَطعًا.

(١) «الشرح الكبير» (٢/ ١٧٩)، و «الشرح الصغير» (٤/ ٣١٤)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤٠١)، و «شرح الخرشي» (٣/ ١١٦)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٥٠٧).

والأصَحُّ المَنصوصُ أنَّه لا يَجوزُ التَّبسُّطُ المَذكورُ لمَن لحِقَ الجَيشَ بعدَ انقِضاءِ الحَربِ، وبعدَ الحِيازةِ؛ لأنَّه أجنَبيٌّ عنهم كغيرِ الضَّيفِ مع الضَّيفِ، والثانِي يَجوزُ لمَظِنةِ الحاجةِ وعِزةِ الطَّعامِ هناك.

والصَّحيحُ أنَّ مَنْ رجَعَ إلى دارِ الإسلامِ ومعه بَقيةٌ ممَّا تَبسَّطَ به لزِمَه رَدُّها إلى المَغنَمِ لزَوالِ الحاجةِ، والثانِي: لا يَلزمُه؛ لأنَّ المَأخوذَ مُباحٌ.

ومَحلُّ الرَّدِّ إلى المَغنَمِ ما لمْ تُقسَّمِ الغَنيمةُ؛ فإنْ قُسِّمت رُدَّ إلى الإمامِ، ثم إنْ كثُرَ قُسِّم، وإلا جُعِل في سَهمِ المَصالحِ.

ولو كانَ القِتالُ في دارِنا في مَوضعٍ يَعِزُّ الطَّعامُ فيه ولا يَجِدونَه بشِراءٍ جازَ لهم التَّبسُّطُ أيضًا بحسَبِ الحاجةِ كما قالَه القاضي، ولا يَجوزُ لهم التَّصرُّفُ بالبَيعِ ونَحوِه فيما تَزوَّدوه من المَغنَمِ لما مَرَّ أنَّهم لا يَملِكونَهم (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا وجَدَ المُسلِمونَ بدارِ الحَربِ طَعامًا أو عَلفًا فلهم الأكلُ منه وعَلفُ دَوابِّهم مع الحاجةِ وعَدمِها من غيرِ إذنِ الإمامِ لما رَوى أبو داودَ عن مُحمدِ بنِ أبي مُجالِدٍ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أوْفَى قالَ: قُلتُ: هل كُنتم تُخمِّسون -يَعني الطَّعامَ- في عَهدِ رَسولِ اللَّهِ فقالَ: «أصَبنا طَعامًا يَومَ خَيبَرَ فكانَ الرَّجلُ يَجيءُ فيَأخذُ منه مِقدارَ ما يكفِيهِ ثم يَنصرِفُ» (٢) ورُوي (أنَّ صاحبَ جَيشِ الشامِ كتَبَ إلى عُمرَ: إنَّا فتَحَنا أرضًا

(١) «مغني المحتاج» (٦/ ٤٦، ٤٧)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٩٧)، و «حاشية الرملي» (٣/ ٩٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٧٠٤)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٤٠)، والحاكم في «المستدرك» (٢٥٧٨).

كَثيرةَ الطَّعامِ والعَلفِ وكَرِهنا أنْ نُقدِمَ في شَيءٍ من ذلك، فكتَبَ إليه: دَعِ الناسَ يَعلِفونَ ويَأكُلونَ فمَن باعَ منه شَيئًا بذَهبٍ أو فِضةٍ ففيه خُمسُ اللهِ وسِهامُ المُسلِمينَ (١)، ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه، ففي المَنعِ ضَرَرٌ بالجَيشِ؛ لأنَّه يَشُقُّ عليهم حَملُ الزادِ والعَلفِ ولِآخِذِه أنْ يُعطيَه لمَن يَحتاجُ إليه، فيَكونَ أحَقَّ به وليسَ له بَيعُه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى الأكلِ دونَ البَيعِ؛ فإنْ باعَه لبَعضِ الغانِمينَ صارَ الآخِذُ أحَقَّ به؛ لأنَّه صارَ في يَدِه وهو مِنْ الغانِمينَ الذين لهم الأكلُ منه، وله أخْذُ ما دفَعَ من ثَمَنِه؛ لأنَّه دفَعَه إلى مَنْ لا يَستحِقُّ؛ فإنْ رَدَّ الطَّعامَ إلى البائِعِ صار البائِعُ أحَقَّ به؛ لأنَّه صارَ إليه، وإنْ باعَه لغيرِ الغانِمينَ فالبَيعُ باطلٌ ويُرَدُّ المَبيعُ إلى الغَنيمةِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ بَيعَه، وإنْ تَعذَرَ رَدُّه رَدَّ ثَمَنَه لخبَرِ عُمرَ، ولأنَّه تَعذَرَ رَدُّ المَبيعِ فوجَبَ رَدُّ قيمتِه كالمَغصوبِ، وإنْ وجَدَ دُهنًا مأكولًا فله أَكلُه؛ لأنَّه من الطَّعامِ، وليسَ له إطعامُ الجَوارِحِ كالفَهدِ والكَلبِ والصَّقرِ؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه وما يَحتاجُ إليه من المَشروباتِ للدَّواءِ أُبيحَ له تَناوُلُه؛ لأنَّه طَعامٌ احتاج إليه فأشبَهَ الفاكِهةَ.

وإنْ أُحرزَت الغَنيمةُ فلا يُؤكَلُ منها إلا أنْ تَدعوَ الضَّرورةُ بألَّا يَجِدوا ما يَأكُلونَ؛ لأنَّ المُسلِمينَ مَلَكوها بحِيازَتِها فلم يَجزِ الأكلُ منها كما لو حِيزت إلى بَلدِ الإسلامِ (٢).

(١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٥٠).
(٢) «المغني» (٩/ ٢٢٣)، و «الكافي» (٤/ ٤٨٤، ٤٨٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٣٧).

قالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الضَّربُ الثانِي: وهو ما أُلقي في أرضِ الكُفارِ على حُكمِ الأصلِ قبلَ أنْ يَحوزوه، أو يَضَعوا عليه يَدَ التَّملُّكِ؛ فهذا الضَّربُ مَنْ رآه لواجِدِه، وأنَّه ليسَ على حُكمِ الغَنائمِ؛ لأنَّه لم يَكنْ مِلكًا للكُفارِ قبلُ، فهو ظاهِرٌ، ولا يَحتاجُ إلى تَفصيلٍ، ونَحوُ ذلك هو المَرويُّ عن الشافِعيِّ (١).

وأمَّا بعضُ المالِكيةِ فقَسَّموا ذلك على نَوعَينِ:

منه ما يَكونُ له في جِنسِه بالٌ: كالجَوهَرِ، والياقوتِ، والعَنبَرِ.

قالَ أبو الوَليدِ الباجيُّ: فهذا قياسُه على مَذهبِ أصحابِنا أنَّه فَيءٌ كلُّه كالنِّساءِ والصِّبيانِ (٢).

يَعني بالفَيءِ: الغَنيمةَ، وأنَّه يُقسَّمُ على حُكمِ الغَنائمِ بعدَ التَّخميسِ، ولا يَكونُ لواجِدِه فيه حقٌّ يَختصُّ به إلا ما أوجَبَه القَسْمُ.

والنَّوعُ الثانِي: ما لا خطَرَ له في جِنسِه، كطُيورِ الصَّيدِ: البازيِّ، والصَّقرِ، ونَحوِ ذلك، وكذلك الخَشَبُ تُنحَتُ منه السِّهامُ، والقَتبُ، والسُّرجُ، وكالحَجرِ من الرُّخامةِ، والمِسنِّ، وشِبهِ ذلك؛ فالذي عليه أكثَرُ المالِكيةِ: أنَّ ما كانَ له من ذلك قيمةٌ بأرضِ العَدوِّ لخِفةِ حَملِه والاغتِباطِ به فهو في المَغانمِ، ويُحكى نَحوُ ذلك عن مالِكٍ، وما لا كَبيرَ قيمةٍ له فلم يَرَ به بأسًا.

(١) «روضة الطالبين» (١٠/ ٢٦١).
(٢) «المنتقى شرح الموطأ» (٣/ ١٧٧ - ط. دار الكِتاب العربي).

رُوي عن مالِكٍ في أخذِ العَصا والدَّواءِ من الشَّجرِ، قالَ: لا أَرى بأسًا، وفي الرُّخامِ والمِسنِّ شَكٌّ، قالَ: لأنَّه لم يَنلْ ذلك المَوضعَ إلا بجَماعةِ الجَيشِ فلا أُحِبُّه، وسهَّل في السَّرجِ يَصنعُه من ذلك والنَّشابِ، وقالَ في صَيدِ الطَّيرِ من أرضِ العَدوِّ: إذا باعَه أدَّى ثَمنَه إلى صاحِبِ المَقاسمِ، وأباحَ القاسِمُ وسالِمٌ في صَيدِ الطَّيرِ والحِيتانِ أنْ يَبيعَه ويَأكلَ ثَمنَه.

وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: ما أصابَ ببِلادِ الرُّومِ ممَّا ليسَ له هناك قيمةٌ فلا بأسَ بأخْذِه.

قالَ الشافِعيُّ: ما كانَ مُباحًا ليسَ مِلكُه لآدَميٍّ، أو كانَ صَيدًا من بَرٍّ أو بَحرٍ فأخذُه مُباحٌ، يَدخلُ في ذلك القَوسُ يَقطعُها الرَّجلُ من الصَّحراءِ أو الجَبلِ، والقَدَحُ يَنحِتُه، وما شاء من الخَشبِ، وما شاء من الحِجارةِ للبِرامِ وغيرِها، فكلُّ ما أُصيبَ من هذا فهو لمَن أخَذَه (١).

وقالَ أصحابُ الرأيِ: كلُّ شَيءٍ أصابَه المُسلِمونَ في دارِ الحَربِ له ثَمنٌ ممَّا في عَسكَرِ أهلِ الحَربِ، أو ممَّا في الصَّحارِي والغِيطانِ والغِياضِ فهو في الغَنيمةِ، لا يَحِلُّ لرَجلٍ كَتمُه من قِبَلِ أنَّه لم يَقدِرْ على أخذِه إلا بالجُندِ، ولا على مَبلَغِه حيثُ بلَغَ إلا بجَماعةِ أصحابِه (٢).

(١) «الأم» (٤/ ٢٦٤).
(٢) «الإنجاد» ص (٣٥١، ٣٥٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 246 - 263

ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد