الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > ثالثا: الفيء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةثالِثًا: الفَيءُ:
وهو المالُ الحاصِلُ للمُسلِمينَ من أموالِ الكُفارِ بغيرِ قِتالٍ ولا إيجافِ خَيلٍ ولا رِكابٍ.
والأصلُ في الفَيءِ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٦، ٧].
والفَرقُ بينَ الغَنيمةِ والفَيءِ: أنَّ الغَنيمةَ ما أُخذَ من أهلِ الحَربِ عَنوةً والحَربُ قائِمةٌ، والفَيءُ ما أُخذَ من أهلِ الحَربِ بغيرِ قِتالٍ ولا إيجافِ خَيلٍ.
ويَشمَلُ الفَيءُ: ما أُجلِي عنه الكُفارُ، وما أخَذَه العاشِرُ منهم، ويَشملُ الجِزيةَ، والخَراجَ، وتَرِكةَ ذِميٍّ أو نَحوِه ماتَ بلا وارِثٍ (١).
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]، أي: ما حَرَّكتُم ولا سُقتُم خَيلًا ولا إبِلًا، ولِهذا قالَ الفُقهاءُ: إنَّ الفَيءَ هو ما أُخذَ من الكُفارِ بغيرِ قِتالٍ؛ لأنَّ إيجافَ الخَيلِ والرِّكابِ هو مَعنى القِتالِ، وسُمِّي فَيئًا لأنَّ اللهَ ﷾ أفاءَه على
(١) «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٨٦)، و «المغني» (٦/ ٣١٢).
المُسلِمينَ، أي: رَدَّه عليهم من الكُفارِ؛ فإنَّ الأصلَ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما خلَقَ الأموالَ إعانةً على عِبادَتِه؛ لأنَّه إنَّما خلَقَ الخَلقَ لعِبادَتِه، فالكافِرونَ به أباحَ أنفُسَهم التي لمْ يَعبُدوه بها، وأموالَهم التي لم يَستَعينوا بها على عِبادَتِه لعِبادِه المُؤمِنينَ الذين يَعبُدونه، وأفاءَ إليهم ما يَستحقُّونه كما يُعادُ على الرَّجلِ ما غصَبَ من مِيراثِه وإنْ لم يَكنْ قبَضَه قبلَ ذلك، وهذا مِثلُ الجِزيةِ التي على اليَهودِ والنَّصارى والمالِ الذي يُصالَحُ عليه العَدوُّ أو يُهدونَه إلى سُلطانِ المُسلِمينَ كالحِملِ الذي يُحمَلُ من بِلادِ النَّصارى ونَحوِهم وما يُؤخَذُ من تُجَّارِ أهلِ الحَربِ وهو العُشرُ ومن تُجارِ أهلِ الذِّمةِ إذا اتَّجَروا في غيرِ بِلادِهم وهو نِصفُ العُشرِ. هكذا كانَ عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه: يَأخذُ ما يُؤخَذُ من أموالِ مَنْ يَنقُضُ العَهدَ منهم والخَراجَ الذي كانَ مَضروبًا في الأصلِ عليهم، وإنْ كانَ قد صارَ بَعضُه على بعضِ المُسلِمينَ.
ثم إنَّه يَجتمِعُ من الفَيءِ جَميعُ الأموالِ السُّلطانيةِ التي لبَيتِ مالِ المُسلِمينَ كالأموالِ التي ليسَ لها مالِكٌ مُعيَّنٌ، مِثلَ من ماتَ من المُسلِمينَ وليسَ له وارِثٌ مُعيَّنٌ وكالمَغصوبِ والعَوارِي والوَدائِعِ التي تَعذَّرت مَعرِفةُ أصحابِها، وغيرِ ذلك من أموالِ المُسلِمينَ العَقارِ والمَنقولِ، فهذا ونَحوُه مالُ المُسلِمينَ، وإنَّما ذكَرَ اللهُ تَعالى في القُرآنِ الفَيءَ فقط؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ما كانَ يَموتُ على عَهدِه مَيِّتٌ إلا وله وارِثٌ مُعيَّنٌ لظُهورِ الأنسابِ في أصحابِه (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٢٧٦، ٢٧٧).
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في الفَيءِ هل يُخمَّسُ أو لا؟
فذهَبَ عامةُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -وهو ما رجَّحَه القاضي من رِوايتَينِ عن أحمدَ- وغيرِهم إلى أنَّ الفَيءَ لا يُخمَّسُ، ومَحلُّه بَيتُ مالِ المُسلِمينَ، ويَصرِفُه الإمامُ باجتِهادِه في مَصالحِ المُسلِمينَ كسَدِّ الثُّغورِ وبِناءِ القَناطِرِ والجُسورِ، وكِفايةِ العُلماءِ والمُتعلِّمين والقُضاةِ والعُمَّالِ، ورِزقِ المُقاتِلةِ وذَراريِّهم.
وقالَ المالِكيةُ: يَبدأُ بآلِ النَّبيِّ ﷺ نَدبًا.
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ، وهو ما رجَّحَه الخِرقيُّ من رِوايتَي أحمدَ: يُخمَّسُ الفَيءُ، وخُمسُه لأصحابِ خُمسِ الغَنيمةِ -وقد تَقدَّمَ بَيانُهم- والأَخماسُ الأربَعةُ للمُرتَزقةِ، وهُم الأجنادُ المُرصَدونَ للجِهادِ.
ومُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ: أنَّها تُصرَفُ في مَصالحِ المُسلِمينَ ولا يَختصُّ بها المُرتَزقةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وذكَرَ القاضي أنَّ أهلَ الفَيءِ هُمْ مِنْ أهلِ الجِهادِ من المُرابِطينَ في الثُّغورِ وجُندِ المُسلِمينَ ومَن يَقومُ بمَصالحهم؛ لأنَّ ذلك كانَ للنَّبيِّ ﷺ في حَياتِه لحُصولِ النُّصرةِ والمَصلَحةِ به، فلمَّا ماتَ صارَت للجُندِ وما يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ، فصارَ ذلك لهم دونَ غيرِهم، وأمَّا الأعرابُ ونَحوُهم ممَّن لا يُعِدُّ نَفسَه للجِهادِ فلا حَقَّ لهم فيه، والذين يَغزونَ إذا نَشِطوا يُعطَوْن من سَهمِ سَبيلِ اللهِ ﷾ من الصَّدقةِ.
قالَ: ومَعنى كَلامِ أحمدَ (أنَّه بينَ الغَنيِّ والفَقيرِ) يَعني الغَنيَّ الذي فيه مَصلَحةُ المُسلِمينَ من المُجاهِدينَ والقُضاةِ والفُقهاءِ، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ معنى كَلامِه أنَّ لجَميعِ المُسلِمينَ الانتِفاعَ بذلك المالِ لكَونِه يُصرَفُ إلى مَنْ يَعودُ نَفعُه على جَميعِ المُسلِمينَ، وكذلك يَنتفِعونَ بالعُبورِ على القَناطِرِ والجُسورِ المَعقودةِ بذلك المالِ وبالأنهارِ والطُّرُقاتِ التي أُصلِحت به.
وسياقُ كَلامِه يَدلُّ على أنَّه ليسَ مُختَصًّا بالجُندِ، وإنَّما هو مَصروفٌ في مَصالحِ المُسلِمينَ، لكنْ يَبدأُ بجُندِ المُسلِمينَ؛ لأنَّهم أهَمُّ المَصالحِ لكَونِهم يَحفَظونَ المُسلِمينَ فيُعطَونَ كِفاياتِهم، فما فضَلَ قُدِّمَ الأهَمُّ فالأهَمُّ من عِمارةِ الثُّغورِ وكِفايَتِها، فالأسلِحةُ والكُراعُ وما يُحتاجُ إليه، ثم الأهَمُّ فالأهَمُّ من عِمارةِ المَساجِدِ والقَناطِرِ وإصلاحِ الطُّرُقِ وكِراءِ الأنهارِ وسَدِّ بُثوقِها وأرزاقِ القُضاةِ والأئِمةِ والمُؤذِّنين والفُقهاءِ ونَحوِ ذلك ممَّا للمُسلِمينَ فيه نَفعٌ.
ولِلشافِعيِّ قَولانِ كنَحوٍ ممَّا ذكَرْنا (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وأمَّا مَصرِفُه -أي: الفَيءِ- بعدَ مَوتِه -أي: النَّبيِّ ﷺ فقد اتَّفقَ العُلماءُ على أنْ يُصرَفَ منه أرزاقُ الجُندِ المُقاتِلينَ الذين يُقاتِلونَ الكُفارَ؛ فإنَّ تَقويَتَهم تُذِلُّ الكُفارَ، فيُؤخَذُ منهم الفَيءُ.
(١) «المغني» (٦/ ٣١٩، ٣٢٠).
وتَنازَعوا هل يُصرَفُ في سائرِ مَصالحِ المُسلِمينَ أو تُختَصُّ به المُقاتِلةُ، على قَولَينِ للشافِعيِّ، ووَجهَينِ في مَذهبِ الإمامِ أحمدَ، لكنَّ المَشهورَ في مَذهبِه وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ: أنَّه لا يَختصُّ به المُقاتِلةُ، بل يُصرَفُ في المَصالحِ كلِّها، وعلى القَولَين: يُعطَى مَنْ فيه مَنفَعةٌ عامةٌ لأهلِ الفَيءِ؛ فإنَّ الشافِعيَّ قالَ: يَنبَغي للإمامِ أنْ يَخُصَّ مَنْ في البُلدانِ من المُقاتِلةِ وهو مَنْ بلَغَ، ويُحصي الذُّريةَ وهي مَنْ دونَ ذلك والنِّساءُ، إلى أنْ قالَ: ثم يُعطي المُقاتِلةَ في كلِّ عامٍ عَطاءَهم، ويُعطي الذُّريةَ والنِّساءَ ما يَكفيهم لسَنَتِهم، قالَ: والعَطاءُ من الفَيءِ لا يَكونُ إلا لبالِغٍ يُطيقُ القِتالَ، قالَ: ولم يَختلِفْ أحَدٌ مِمَّنْ لقِيَه في أنَّه ليسَ للمماليكِ في العَطاءِ حَقٌّ، ولا للأعرابِ الذين هُمْ أهلُ الصَّدقةِ. قالَ: فإنْ فَضَل من الفَيءِ شَيءٌ وضَعه الإمامُ في أهلِ الحُصونِ والازديادِ في الكُراعِ والسِّلاحِ، وكلِّ ما يَقوَى به المُسلِمونَ؛ فإنِ استَغنَوْا عنه وحصَلَت كلُّ مَصلَحةٍ لهم فرَّقَ ما يَبقَى عنهم بينَهم على قَدرِ ما يَستحقُّونَ من ذلك المالِ.
قالَ: ويُعطَى من الفَيءِ رِزقُ العُمالِ والوُلاةِ وكلُّ مَنْ قامَ بأمرِ الفَيءِ من والٍ، وحاكِمٍ، وكاتِبٍ، وجُنديٍّ ممَّن لا غِنى لأهلِ الفَيءِ عنهم.
وهذا مُشكِلٌ مع قَولِه: إنَّه لا يُعطَى من الفَيءِ صَبيٌّ، ولا مَجنونٌ، ولا عَبدٌ، ولا امرأةٌ، ولا ضَعيفٌ لا يَقدِرُ على القِتالِ؛ لأنَّه للمُجاهِدينَ. وهذا إذا كانَ للمَصالحِ يُصرَفُ منه إلى كلِّ مَنْ للمُسلِمينَ به مَنفَعةٌ عامةٌ؛ كالمُجاهِدينَ، وكوُلاةِ أُمورِهم من وُلاةِ الحَربِ، ووُلاةِ الدِّيوانِ، ووُلاةِ الحُكمِ، ومَن يُقرِئُهم القُرآنَ، ويُفتيهم، ويُحدِّثُهم، ويَؤُمُّهم في صَلواتِهم، ويُؤذِّنُ لهم.
ويُصرَفُ منه في سَدادِ ثُغورِهم، وعِمارةِ طُرُقاتِهم وحُصونِهم، ويُصرَفُ منه إلى ذَوي الحاجاتِ منهم أيضًا، ويُبدَأُ فيه بالأهَمِّ فالأهَمِّ، فيَتقدَّمُ ذَوو المَنافِعِ الذين يَحتاجُ المُسلِمونَ إليهم على ذَوي الحاجاتِ الذين لا مَنفَعةَ فيهم، هكذا نَصَّ عليه عامةُ الفُقهاءِ من أصحابِ أحمدَ، والشافِعيِّ، وأبي حَنيفةَ، وغيرِهم.
قالَ أصحابُ أبي حَنيفةَ: يُصرَفُ في المَصالحِ ما يُعَدُّ به الثُّغورُ من القَناطِرِ والجُسورِ، ويُعطَى قُضاةُ المُسلِمينَ ما يَكفيهم، ويُدفَعُ منه أرزاقُ المُقاتِلةِ، ويُعطَى ذَوو الحاجاتِ من الزَّكَواتِ ونَحوِها، وما فضَلَ عن مَنافِعِ المُسلِمينَ قُسِّم بينَهم، لكنَّ مَذهبَ الشافِعيِّ وبَعضِ أصحابِ أحمدَ أنَّه ليسَ للأغنياءِ الذين لا مَنفَعةَ للمُسلِمينَ بهم فيه حقٌّ إذا فضَلَ المالُ واتَّسعَ عن حاجاتِ المُسلِمينَ كما فعَلَ عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه لمَّا كثُرَ المالُ أعطَى منهم عامةَ المُسلِمينَ، فكانَ لجَميعِ أصنافِ المُسلِمينَ فَرضٌ في دِيوانِ عُمرَ بنِ الخَطابِ، غَنيِّهم وفَقيرِهم، لكنْ كانَ أهلُ الدِّيوانِ نَوعَينِ، هُما: مُقاتِلةٌ، وهُم البالِغونَ، وذُريةٌ وهُم الصِّغارُ والنِّساءُ الذين ليسُوا مِنْ أهلِ القِتالِ، ومع هذا قالُوا: يَجبُ تَقديمُ الفُقراءِ على الأغنياءِ الذين لا مَنفَعةَ فيهم، فلا يُعطَى غَنيٌّ شَيئًا حتى يَفضُلَ عن الفُقراءِ، هذا مَذهبُ الجُمهورِ؛ كمالِكٍ، وأحمدَ في الصَّحيحِ من الرِّوايتَينِ عنه، ومَذهبُ الشافِعيِّ -كما تَقدَّم- تَخصيصُ الفُقراءِ بالفاضِلِ (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٥٦٢، ٥٦٤)، و «منهاج السُّنة النبوية» (٤/ ٢٠٩، ٢١٠)، و «الاستخراج» (١/ ١٤٥)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٤/ ٢١٣)، و «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٩٥)، و «شرح السُّنة» (١١/ ١٣٩)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٨٦)، و «الوسيط» (٤/ ٥٢١)، و «الإنجاد» ص (٤٥٢)، و «المغني» (٦/ ٣١٩، ٣٢٠)، و «عون المعبود» (٨/ ١٥٩).
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.