الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > حق الغائب عن القتال لمصلحة في الغنيمة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةحقُّ الغائِبِ عن القِتالِ لمَصلَحةٍ في الغَنيمةِ:
قالَ الحَنابِلةُ: يُعطي الأميرُ لمَن بعَثَه لمَصلَحةٍ -كرَسولٍ وجاسوسٍ ودَليلٍ وشِبهِهم- وإنْ لم يَشهَدوا، ولمَن خلَّفَه الأميرُ في بِلادِ العَدوِّ، فكلُّ هؤلاء يُسهَمُ لهم؛ لأنَّهم في مَصلَحةِ الجَيشِ، وهم أوْلى بالإسهامِ ممَّن شهِد ولم يُقاتلْ.
ولا يُسهَمُ لمَن لا يُمكِنُه قِتالٌ لمَرضٍ ولا لدابةٍ لا يُمكِنُه قِتالٌ عليها لمَرضٍ كزَمانةٍ وشَللٍ لخُروجِه عن أهليةِ الجِهادِ بخِلافِ حُمَّى يَسيرةٍ وصُداعٍ ووَجعِ ضِرسٍ ونَحوِها فيُسهَمُ له؛ لأنَّه لم يَخرجْ عن أهليةِ الجِهادِ ولا يُسهَمُ لمُخذِلٍ ومُرجِفٍ ونَحوِهما، كَرامٍ بينَنا بفِتَنٍ ومُكاتِبٍ بأخبارِنا؛ لأنَّه مَمنوعٌ من الدُّخولِ مع الجَيشِ أشبَهَ الفَرسَ العَجيفَ ولو ترَكَ ذلك -أي: التَّخذيلَ والإرجافَ ونَحوَهما- وقاتَلَ لا يُرضَخُ له، أي: المُخذِلِ والمُرجِفِ ونَحوِهما، لما تَقدَّم، ولا يُسهَمُ ولا يُرضَخُ لمَن نَهاه الأميرُ أنْ يَحضُرَ فلمْ يَنتَهِ؛ لأنَّهم عُصاةٌ (١).
أمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنَّ المُغيَّبَ على ثَلاثةِ أوجُهٍ: إمَّا بمَرضٍ أو بضَلالٍ أو بأسْرٍ.
(١) «المغني» (٩/ ٢١١)، «الكافي» (٤/ ٣٠٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٨٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٤٤).
فأمَّا المَريضُ: فإنْ شهِدَ الوَقعةَ فالمَذهبُ أنَّه يُسهَمُ له وإنْ لم يُقاتِلْ بالفِعلِ؛ لأنَّه قد شهِدَ الوَقعةَ وحصَلَ منه التَّكثيرُ وقد قيلَ في قَول اللهِ تَعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: ١٦٧] أي كَثِّروا، ولِما رُوي عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعُمرَ أنَّهما قالَا: «إنَّما الغَنيمةُ لمَن شهِدَ الوَقعةَ» ولا مُخالِفَ لهما من الصَّحابةِ مع انتِشارِ أقوالِهما فثبَتَ أنَّه إجماعٌ.
فإنْ منَعَه مَرَضُه من حُضورِ القِتالِ لم يُسهَمْ له إلا أنْ يَكونَ ذا رأيٍ، والمُقعَدُ الذي له رأيٌ كذلك، بل أوْلى منه، وكذا سائرُ من قُلنا: لا يُسهَمُ له ممَّن يُتصوَّرُ منه الرأيُ، كالأعرَجِ والأشَلِّ.
وأمَّا الضَّالُّ: فمُختلَفٌ فيه على قَولَينِ أشهَرُهما أنَّه يُسهَمُ له وإنْ ضَلَّ بأرضِنا؛ لأنَّه مَغلوبٌ على أمرِه.
وأمَّا الأسيرُ: فقالَ أشهَبُ: يُسهَمُ للأسيرِ وإنْ كانَ في الحَديدِ.
وقالَ ابنُ العَربيِّ: والصَّحيحُ ألَّا سَهمَ له؛ لأنَّه مِلكٌ يُستحقُّ بالقِتالِ، فمَن غابَ خابَ.
وأمَّا الغائِبُ لغيرِ مَصلَحةِ الجَيشِ فلا سَهمَ له؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُسهِمْ قَطُّ لغائِبٍ إلا يَومَ خَيبَرَ قسَمَ لأهلِ الحُدَيبيةِ مَنْ حضَرَ منهم ومَن غابَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠].
وأمَّا مَنْ تَخلَّف عن الجَيشِ لحاجةٍ بالجَيشِ أو بعَثَ الأميرُ قَومًا من الجَيشِ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى البَلدِ العَدوِّ في أمرٍ من مَصلَحةِ الجَيشِ
من حَشدٍ أو إقامةِ سُوقٍ أو غيرِ ذلك، فاشتَغَلوا في ذلك حتى غنِمَ الجَيشُ فلهم معهم سَهمُهم.
وكذلك لو أرسلوه قبلَ خُروجِهم فيما يَخُصُّهم من أمرِ غَزوِهم على أنْ يَلحَقَهم فلم يُدرِكَهم إلا بعدَ أنْ غَنِموا لوجَبَ أنْ يَكونَ له سَهمُه معهم في ذلك.
وقد قسَمَ النَّبيُّ ﷺ لعُثمانَ يَومَ بَدرٍ وقد خلَّفَه على بِنتِه كما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ إذا بعَثَ الإمامُ رَسولًا في حاجةٍ أو أمَرَه بالمُقامِ هل يُسهَمُ له. ثم رَوى عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «إنَّما تغيَّبَ عُثمانُ عن بَدرٍ؛ فإنَّه كانَت تَحتَه بِنتُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ كانَت مَريضةً، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: إنَّ لكَ أجرَ رَجلٍ ممن شهِدَ بَدرًا وسَهمَه» (١).
وقسَمَ لطَلحةَ وسَعيدِ بنِ زَيدٍ وهُما غائِبانِ بالشامِ عقِبَ غَزوةِ بَدرٍ.
قالَ ابنُ المَوَّازِ: إذا أرسَلَ الإمامُ أحَدًا في مَصلَحةِ الجَيشِ؛ فإنَّه يُشرَكُ مَنْ غنِمَ بسَهمِه، قالَه ابنُ وَهبٍ وابنُ نافِعٍ عن مالِكٍ، وقيلَ عنه أيضًا: لا شَيءَ له.
لكنْ قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ: لا يُسهَمُ له؛ فإنَّ الإمامَ يَرضَخُ له ولا يُعطَى من الغَنيمةِ لعَدمِ السَّببِ الذي يَستحِقُّ به عِندَه وأمَّا عُثمانُ وسَعيدٌ
(١) رواه البخاري (٢٩٦٢).
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.