الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > حكم أموال المسلمين إذا استردوها من الحربيين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةحُكمُ أموالِ المُسلِمينَ إذا استرَدُّوها من الحَربيِّين:
إذا استَولى الحَربيُّونَ على أموالٍ للمُسلِمينَ وحازُوها في بِلادِهم ثم استرَدَّها المُسلِمونَ، فهل تُعتبَرُ هذه الأموالُ غَنيمةً أو لا؟ وإذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرِف صاحِبُه، فهل يأخُذُه قبلَ القِسمةِ وبعدَها عَينًا بدونِ بَدلٍ أو يَدفَعُ قِيمتَه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ هذه الأموالَ تُعتبَرُ غَنيمةً.
واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرِف صاحِبُه يأخُذُه عَينًا بدونِ بَدلٍ إذا كانَ ذلك قبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ. وإنْ علِمَ الإمامُ بمالِ المُسلِمِ قبلَ قَسمِه فقسَمَه وجَبَ رَدُّه وكانَ صاحِبُه أحَقَّ به بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ قِسمَتَه كانَت باطِلةً من أصلِها (١)، وذلك لما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ إذا غنِمَ المُشرِكونَ مالَ المُسلمِ ثمَّ وجَدَه المُسلِمُ.
عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما قالَ: «ذهَبَ فَرسٌ له فأخذَه العَدوُّ فظهَرَ عليه المُسلِمونَ فرُدَّ عليه في زَمنِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وأبَقَ عَبدٌ له فلَحِق بالرُّومِ فظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فرَدَّه عليه خَالِدُ بنُ الوَليدِ بعدَ النَّبيِّ ﷺ» (٢).
ولِما رَواه سَعيدٌ في «سُنَنِه» عن رَجاءِ بنِ حَيَوةَ أنَّ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَراحِ
(١) «المغني» (٩/ ٢١٨).
(٢) رواه البخاري (٢٩٠٢).
كتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ فيما أحرَزَ المُشرِكونَ ثم ظهَرَ المُسلِمونَ عليهم بعدُ، قالَ: «ومَن وجَدَ مالَه بعَينِه فهو أحقُّ به ما لم يُقسَمْ» (١).
أمَّا من وجَدَ مَتاعَه بعَينِه بعدَ القِسمةِ فقد اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيه:
فقالَ الحَنفيةُ: لا خِلافَ في أنَّ الكُفارَ إذا دخَلوا دارَ الإسلامِ واستَولَوْا على أموالِ المُسلِمينَ، ولم يُحرِزوها بدارِهم، لا يَملِكونَها حتى لو ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ، وأخَذوا ما في أيديهم، لا يَصيرُ مِلكًا لهم، وعليهم رَدُّها إلى أربابِها بغيرِ شَيءٍ، وكذا لو قسَموها في دارِ الإسلامِ ثم ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ، فأخَذوها من أيديهم، أخَذَها أصحابُها بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ قِسمَتَهم لم تَجزْ لعَدمِ المِلكِ، فكانَ وُجودُها والعَدمُ بمَنزِلةٍ واحِدةٍ.
ولا خِلافَ في أنَّهم أيضًا إذا استَولَوْا على رِقابِ المُسلِمينَ، أنَّهم لا يَملِكونَهم، وإنْ أحرَزوهُم بالدارِ.
وأمَّا إذا دخَلوا دارَ الإسلامِ فاستَولَوا على أموالِ المُسلِمينَ، وأحرَزوهَا بدارِ الحَربِ؛ فإنَّهم يَملِكونَها؛ لأنَّهم استَولَوا على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ، ومَنِ استَولى على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ يَملِكُه، كمَنِ استَولى على الحَطبِ والحَشيشِ والصَّيدِ، ودِلالةُ أنَّ هذا الاستِيلاءَ على مالٍ مُباحٍ غيرِ مَملوكٍ أنَّ مِلكَ المالِكِ يَزولُ بعدَ الإحرازِ بدارِ الحَربِ، فتَزولُ العِصمةُ ضَرورةً بزَوالِ المِلكِ، والدَّليلُ على زَوالِ المِلكِ أنَّ المِلكَ هو الاختِصاصُ بالمَحلِّ في
(١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٩٩).
حَقِّ التَّصرُّفِ، أو شُرعَ للتَّمكُّنِ من التَّصرُّفِ في المحَلِّ، وقد زالَ ذلك بالإحرازِ بالدارِ؛ لأنَّ المالِكَ لا يُمكِنُه الانتِفاعُ به إلا بعدَ الدُّخولِ، ولا يُمكِنُه الدُّخوُل بنَفسِه لما فيه مِنْ مُخاطرةِ الرُّوحِ، وإلقاءِ النَّفسِ في التَّهلُكةِ، وغيرُه قد لا يُوافِقُه ولو وافَقه فقد لا يَظفَرُ به، ولو ظفِرَ به فقَلَّما يُمكِنُهم الاستِردادُ؛ لأنَّ الدارَ دارُهم، ولأنَّ أهلَ الدارِ يَذبُّونَ عن دارِهم، فإذا زالَ مَعنى المِلكِ أو ما شُرعَ له المِلكُ يَزولُ المِلكُ ضَرورةً.
وإذا ثبَتَ أنَّ مِلكَ المُسلِمِ يَزولُ عن مالِه باستِيلاءِ الكُفارِ عليه، إلا أنَّه يَثبُتُ على وَجهٍ له حقُّ الإعادةِ، إمَّا بعِوضٍ، أو بغيرِ عِوضٍ، حتى لو ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فأخَذوها وأحرَزوها بدارِ الإسلامِ؛ فإنْ وجَده المالِكُ القَديمُ قبلَ القِسمةِ أخَذَه بغيرِ شَيءٍ، سَواءٌ كانَ من ذَواتِ القيَمِ أو من ذَواتِ الأمثالِ، وإنْ وجَدَه بعدَ القِسمةِ؛ فإنْ كانَ من ذَواتِ الأمثالِ لا يأخُذُه؛ لأنَّه لو أخَذَه لأخَذَه بمِثلِه فلا يُفيدُ.
وإنْ لم يَكنْ من ذَواتِ الأمثالِ يأخُذُه بقيمَتِه إنْ شاءَ؛ لأنَّ الأخذَ بالقيمةِ مُراعاةُ الجانبَينِ: جانِبِ المِلكِ القَديمِ بإيصالِه إلى قَديمِ مِلكِه الخاصِّ المَأخوذِ منه بغيرِ عِوَضٍ، وجانِبِ الغانِمينَ بصيانةِ مِلكِهم الخاصِّ عن الزَّوالِ من غيرِ عِوَضٍ، فكانَ الأخذُ بالقيمةِ نَظَرًا للجانِبَيْن ومُراعاةً للحَقَّيْن، بخِلافِ ما إذا وجَده قبلَ القِسمةِ، فإنَّه يأخُذُه بغيرِ شَيءٍ؛ لأنَّ الثابِتَ للغانِمينَ قبلَ القِسمةِ بعدَ الإحرازِ ليسَ إلا الحَقَّ المُتأكَّدَ، أو المِلكَ العامَّ.
فكانَت الإعادةُ إلى قَديمِ المِلكِ رِعايةً للمِلكِ الخاصِّ أوْلى، وقد رُوي أنَّ بَعيرًا لرَجلٍ من المُسلِمينَ استَولى عليه أهلُ الحَربِ، ثم ظهَرَ عليهم المُسلِمونَ فوجَدَه صاحِبُه في المَغنَمِ، فسألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عنه فقالَ: «إنْ وجَدتَه قبلَ القِسمةِ فهو لك بغيرِ شَيءٍ، وإنْ وجَدتَه بعدَ القِسمةِ فهو لكَ بالقيمةِ» (١).
وكذلك لو كانَ الحَربيُّ باعَ المأخوذَ من المُسلِمينَ، ثم ظهَرَ عليه المُسلِمونَ؛ فإنَّ المالِكَ القَديمَ يأخُذُه قبلَ القِسمةِ بغيرِ شَيءٍ، وبعدَ القِسمةِ بالقيمةِ؛ لأنَّه باعَه مُستحِقُّ الإعادةِ إلى قَديمِ المِلكِ فبَقيَ كذلك.
ولو وهَبَ الحَربيُّ ما ملَكَه بالاستِيلاءِ لرَجلٍ من المُسلِمينَ، أخَذَه المالِكُ القَديمُ بالقيمةِ إنْ شاء؛ لأنَّ فيه نَظرًا للجانبَينِ.
وكذلك لو باعَه من مُسلمٍ بعِوضٍ فاسِدٍ، ولو لم يَكنِ العِوضُ فاسِدًا أخَذَه بالثَّمنِ الذي اشتَراه به إنْ شاءَ، إنْ كانَ اشتَراه بخِلافِ جِنسِه؛ لأنَّ الأَخذَ عندَ اختِلافِ الجِنسِ مُفيدٌ، وكذلك لو كانَ اشتَراه بجِنسِه لكنْ بأقَلَّ منه؛ فإنَّه يَأخذُه بمِثلِ ما اشتَراه، ولا يَكونُ هذا رِبًا؛ لأنَّ الرِّبا فَضلُ مالٍ قُصدَ استِحقاقُه بالبَيعِ من غيرِ عِوضٍ يُقابِلُه والمالِكُ القَديمُ لا يَأخذُه بطَريقِ
(١) رواه الدارقطني (٤٢٤٣)، وقالَ الزَّيلعيُّ في «نصب الراية» (٣/ ٤٣٤): أخرَجَه الدَّارقطنيُّ ثم البَيهَقيُّ في سُننَيْهما عن الحَسنِ بنِ عُمارةَ، والحَسنُ بنُ عُمارةَ مَتروكٌ. ولَفظُ الدارقُطنيِّ: «فيما أحرَزَ العَدُوُّ فاستنقَذَه المُسلِمونَ منهم إنْ وجَدَه صاحِبُه قبلَ أنْ يُقسَمَ فهو أحَقُّ به، وإنْ وجَده قد قُسِمَ فإنْ شاءَ أخَذَه بالثَّمنِ».
البَيعِ، بل بطَريقِ الإعادةِ إلى قَديمِ مِلكِه، فلا يَتحقَّقُ الرِّبا، وإنْ كانَ اشتَراه بجِنسِه بمِثلِه قَدْرًا لا يَأخذُه؛ لأنَّه لا يُفيدُ.
ولو اشتَراه رَجلٌ من العَدوِّ ثم باعَه من رَجلٍ آخَرَ، ثم حضَرَ المالِكُ القَديمُ أخَذَه من الثانِي بالثَّمنِ الثانِي، وليسَ له أنْ يَنقُضَ البَيعَ الثانِي، ويَأخذَ بالثَّمنِ الأولِ من المُشتَري الأولِ (١).
أمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنَّ المُسلِمَ والذِّميَّ إذا وجَدَ أحدُهما من مَتاعِه في الغَنيمةِ شَيئًا قبلَ قَسمِها وشَهِدت له البَيِّنةُ بذلك؛ فإنَّه يَأخذُه بغيرِ عِوضٍ لكنْ بعدَ أنْ يَحلِفَ اليَمينَ الشَّرعيةَ أنَّه ما باعَ ولا وهَبَ ولا خرَجَ عن مِلكِه بناقِلٍ شَرعيٍّ وأنَّه باقٍ على مِلكِه إلى الآنَ فيَستحِقُّ قَبضَه وأخذَه بالطَّريقِ الشَّرعيِّ كالاستِحقاقِ لا بدَّ من ثُبوتِ مِلكِه مع يَمينِه وتُسمَّى هذه اليَمينُ يَمينَ الاستِظهارِ، وهي مُكمِّلةٌ للحُكمِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ المُسلِمِ والذِّميِّ للعِصمةِ، وهذا كلُّه إذا كانَ صاحِبُه حاضِرًا في الغَنيمةِ.
وإنْ عُرفَ شَيءٌ لشَخصٍ غائِبٍ حُملَ له إنْ كانَ الحَملُ خَيرًا له، وإلا بِيعَ له وأنفَذَ الإمامُ بَيعَه وليسَ لرَبِّه غيرُ ثَمنِه.
وإذا قسَّمَ الإمامُ ما تَعيَّنَ مالِكُه على المُجاهِدينَ لم يَمضِ قَسمُه جَهلًا أو عَمدًا ولرَبِّه أَخذُه بلا ثَمَنٍ إلا أنْ يَكونَ قَسمَ ذلك المَتاعَ مُتأوِّلًا
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٢٨، ١٣٠)، و «شرح السير الكبير» (٤/ ١٣٨١، ١٣٨٢)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ٢٦١)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٦١).
بأنْ يَأخذَ بقَولِ بعضِ العُلماءِ إنَّ الكافِرَ يَملِكُ مالَ المُسلِمِ فيَمضيَ على صاحِبِه وليسَ له أَخذُه إلا بالثَّمنِ؛ لأنَّه حكَمَ بما اختَلفَ فيه الناسُ فلا يَنتقِضُ بخِلافِ الجاهِلِ؛ لأنَّه لا يُعتَدُّ بمُوافَقةِ الجَهلِ للمَذاهبِ.
وإنْ وُجدَ في الغَنيمةِ مالُ مُسلمٍ أو ذِميٍّ ولكنْ لم يُعرفْ عَينُ صاحِبِه ولا ناحيَتُه؛ فإنَّه لا يُوقَفَ ويُقسَمُ بينَ المُجاهِدينَ لتَعلُّقِ حَقِّهم، وهذا هو المَشهورُ. وهذا بخِلافِ اللُّقطةِ فإذا وُجِدت عندَهم لُقطةٌ مَكتوبٌ عليها ذلك أو وجَدها أحَدٌ من جَماعةِ الجَيشِ في دارِ الحَربِ؛ فإنَّها لا تُقسَمُ، بل تُوقَفَ بلا خِلافٍ، ومِثلُ اللُّقطةِ الحَبسُ الثابِتُ تَحبيسُه وإلا فقَولانِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالُوا: إذا أحرَزَ المُشرِكونَ أموالَ المُسلِمينَ بغارةٍ، أو سَرِقةٍ لم يَملِكوه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [لقمان: ٢٧]. فامتَنَّ علينا بأنْ جعَلَ أموالَهم لنا، ولو جعَلَ أموالَنا لهم لَساوَيْناهم وبطَلَ فيه الامتِنانُ.
ولأنَّهم استَولَوْا على مالٍ مَعصومٍ، والاستِيلاءُ على مالٍ مَعصومٍ لا يُفيدُ المِلكَ، كاستِيلاءِ المُسلِمِ على مالِ المُسلِمينَ واستِيلائِهم على الرِّقابِ، وإنَّما قُلنا ذلك؛ لأنَّ عِصمةَ مالِ المُسلِمِ ثابِتةٌ في حَقِّهم؛ لأنَّهم
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٢/ ١٩٤، ١٩٥)، و «بلغة السالك» (٢/ ١٩٥) وما بعدها، و «شرح مختصر خليل» للخرشي (٣/ ١٣٦، ١٣٧)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٤٠٥)، و «مواهب الجليل» (٤/ ٥٢٥، ٥٢٦).
يُخاطَبونَ بالحُرُماتِ إذا بلَغَتْهم الدَّعوةُ، وإنِ اختَلفَا في العِباداتِ، والاستِيلاءُ يَكونُ مَحظورًا، والمَحظورُ لا يَصلُحُ سَببًا للمِلكِ.
وسَواءُ أدخَلوه دارَ الحَربِ أو لم يُدخِلوه؛ فإنْ باعُوه على مُسلمٍ كانَ صاحِبُه أحَقَّ به من مُشتَريه بغيرِ ثَمنٍ، وإنْ غَنِمها المُسلِمونَ استَرجَعه صاحِبُه بغيرِ بَدلٍ، وسَواءٌ قبلَ القِسمةِ أو بعدَها، وعلى الإمامِ أنْ يُعوِّضَ مَنْ حصَلَ ذلك في سَهمِه بعدَ القِسمةِ قيمَتَه من سَهمِ المَصالحِ -أي: من خُمسِ الخُمسِ- لما في نَقصِ القِسمةِ من لُحوقِ المَشقةِ؛ فإنْ لمْ تَلحَقْ منه مَشقةٌ نقَصَها ولمْ يُعوَّضْ.
قالَ المُزَنيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لا يَملِكُ المُشرِكونَ ما أحرَزُوه على المُسلِمينَ بحالٍ أباحَ اللهُ لأهلِ دِينِه مِلكَ أحرارِهم ونِسائِهم وذَراريِّهم وأموالِهم فلا يُساوُونَ المُسلِمينَ في شَيءٍ من ذلك أبدًا، قد أحرَزوا ناقةَ النَّبيِّ ﷺ وأحرَزَتْها منهم الأَنصاريةُ فلمْ يَجعَلَ لها النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام شَيئًا وجعَلها على أصلِ مِلكِه فيها، وأبَقَ لابنِ عُمرَ عَبدٌ وعازَ له فَرسٌ فأحرَزَهما المُشرِكونَ ثم أحرَزَهما عليهم المسُلمِون فَرُدَّا عليه، وقالَ أبو بَكرٍ الصِّديقُ رضي الله عنه: «مالِكُه أحقُّ به قبلَ القَسمِ وبعدَه».
ولا أعلَمُ أحَدًا خالَفَ في أنَّ المُشرِكينَ إذا أحرَزُوا عَبدًا لمُسلمٍ فأدرَكه وقد أوجَف عليه قبلَ القَسمِ أنَّه لمالِكِه بلا قيمةٍ ثم اختَلفُوا بعدَما وقَعَ في المَقاسِمِ فقالَ منهم قائِلٌ بقَولِنا، وعلى الإمامِ أنْ يُعوِّضَ من صارَ في سَهمِه
مِثلَ سَهمِه من خُمسِ الخُمسِ وهو سَهمُ النَّبيِّ ﷺ وهذا يُوافِقُ الكِتابَ والسُّنةَ والإجماعَ (١).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالُوا: ما أخَذَه أهلُ الحَربِ من أموالِ المُسلِمينَ فأدرَكه صاحِبُه قبلَ قَسمِه فهو أحقُّ به، أمَّا إنْ أدرَكه مَقسومًا ففيه رِوايَتانِ:
إحداهُما، وهي المَذهبُ: أنَّ صاحبَه أحقُّ به بالثَّمنِ الذي حسَب به على مَنْ أخَذَه من المَغنَمِ، وكذلك إنْ بِيعَ ثم قسَّمَ ثَمنَه فهو أحقُّ به بالثَّمنِ؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَجلًا وجَدَ بَعيرًا له كانَ المُشرِكونَ أصابوه، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: «إنْ وجَدَه صاحِبُه قبلَ أنْ يُقسَمَ فهو أحقُّ به، وإنْ وجَدَه قد قُسِمَ؛ فإنْ شَاءَ أخَذَه بالثَّمنِ» (٢) ولأنَّه إنَّما امتنَعَ أخْذُه له بغيرِ شَيءٍ كَيلا يُفضيَ إلى حِرمانِ أخْذِه من الغَنيمةِ أو يَضيعَ الثَّمنُ على المُشتَري، وحَقُّهما يَنجبِرُ بالثَّمنِ فيَرجعُ صاحِبُ المالِ في عَينِ مالِه بمَنزِلةِ مُشتَري الشِّقصِ المَشفوعِ.
والرِّوايةُ الثانِيةُ عن أحمدَ: أنَّه إذا قُسمَ فلا حقَّ له فيه بحالٍ كما لو وجَده بيَدِ المُستَولي عليه وقد أسلَمَ أو أتانا بأمَانٍ، ولِما رُوي أنَّ عُمرَ رضي الله عنه كتَبَ إلى السائِبِ: «أيُّما رَجلٍ من المُسلِمينَ أصابَ رَقيقَه ومَتاعَه
(١) «مختصر المزني» (٢٧٢)، و «الحاوي الكبير» (١٤/ ٢١٦)، و «المهذب» (٢/ ٢٤٢)، و «المغني» (٩/ ٢١٨) وما بعدها، و «الإنجاد» ص (٣٥٩) وما بعدها، و «فتح الباري» (٦/ ١٨٢).
(٢) ضَعِيفٌ جدًّا: كما تقدَّمَ.
بعَينِه فهو أحقُّ به من غيرِه، وإنْ أصابَه في أيدي التُّجارِ بعدَما اقتُسِم فلا سَبيلَ له إليه» (١) وقالَ سَلمانُ بنُ رَبيعةَ: «إذا قُسمَ فلا حقَّ له فيه» (٢) رَواهُما سَعيدٌ في «سُنَنِه» ولأنَّه إجماعٌ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: قالَ أحمدُ: إنَّما قالَ الناسُ فيها قَولَينِ إذا قُسمَ فلا شَيءَ له. وقالَ قَومٌ: إذا قُسمَ فهو له بالثَّمنِ، فإمَّا أنْ يَكونَ له بعدَ القِسمةِ بغيرِ ذلك فلم يَقلْه أحَدٌ، ومَتى انقَسَم أهلُ العَصرِ على قَولَينِ في حُكمٍ لم يَجزْ إحداثُ قَولٍ ثالِثٍ؛ لأنَّه يُخالِفُ الإجماعَ فلم يَجزِ المَصيرُ إليه، وقد رَوى أصحابُنا عن ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أدرَكَ مالَه قبلَ أنْ يُقسمَ فهو له، وإنْ أدرَكَه بعدَ أنْ قُسمَ فليسَ له فيه شَيءٌ» والمَعمولُ على ما ذكَرْنا من الإجماعِ، وقَولُهم لم يَزلْ مِلكُ صاحِبِه عنه غيرَ مُسلَّمٍ.
وإنْ أخَذه أحدُ الرَّعيةِ بهبةٍ أو سَرِقةٍ أو بغيرِ شَيءٍ فصاحِبُه أحقُّ به بغيرِ شَيءٍ.
وقالَ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لا يَأخذُه إلا بالقيمةِ؛ لأنَّه صارَ مِلكًا لواحِدٍ بعَينِه فأشبَهَ ما لو قُسِم.
ولنا: ما رُويَ أنَّ قَومًا أغاروا على سَرحِ النَّبيِّ ﷺ فأخَذوا ناقَتَه وجاريةً من الأنصارِ، فأقامَت عندَهم أيَّامًا ثم خرَجَت في بعضِ اللَّيلِ قالَت: فما وَضعتُ يَدي على ناقةٍ إلا رَغَتْ حتى وَضَعتُها على ناقةٍ ذَلُولٍ
(١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٨٠٣).
(٢) رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٨٠٠).
فامتَطَيتُها ثم تَوجَّهتُ إلى المَدينةِ ونَذَرتُ إنْ نجَّاني اللهُ عليها أنْ أنحَرَها، فلمَّا قَدِمتُ المَدينةَ استَعرَفتُ الناقةَ فإذا هي ناقةُ رَسولِ اللهِ ﷺ فأخَذَها. فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي نَذرتُ أنْ أنحَرَها، فقالَ: «بِئسَما جازَيتِها، لا نَذرَ في مَعصيةٍ»، وفي رِوايةٍ: «لا نذَرَ فيما لا يَملِكُ ابنُ آدمَ» رَواه أحمَدُ ومُسلِمٌ، ولأنَّه لم يَحصُلْ في يَدِه بعِوَضٍ فكانَ صاحِبُه أحَقَّ به كما لو أدرَكَه في الغَنيمةِ قبلَ قَسمِه.
فأمَّا إنِ اشتَراه رَجلٌ من العَدوِّ فليسَ لصاحِبِه أخذُه إلا بثَمَنِه …
وقالَ القاضي: ما حصَلَ في يَدِه بهبةٍ أو سَرِقةٍ أو شِراءٍ فهو كما لو وجَده صاحِبُه بعدَ القِسمةِ هل يَكونُ صاحِبُه أحَقَّ به بالقيمةِ على رِوايتَينِ والأوْلى ما ذكَرْناه (١).
إذا استَولى الحَربيُّونَ على أموالٍ للمُسلِمينَ وحازُوها في بِلادِهم ثم استرَدَّها المُسلِمونَ، فهل تُعتبَرُ هذه الأموالُ غَنيمةً أو لا؟ وإذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرفَ صاحِبُه، فهل يَأخذُه قبلَ القِسمةِ وبعدَها عَينًا بدونِ بَدلٍ أو يَدفعُ قِيمتَه؟
وخُلاصةُ ما سبَق: أنَّ العُلماءَ اتَّفَقوا على أنَّه إذا وُجدَ منها شَيءٌ بعَينِه عُرفَ صاحِبُه من المُسلِمينَ أو الذِّميِّين -كما نَصَّ على ذلك المالِكيةُ- يَأخذُه عَينًا بدونِ بَدَلٍ إذا كانَ ذلك قبلَ قِسمةِ الغَنيمةِ. أمَّا بعدَ القِسمةِ
(١) «المغني» (٩/ ٢١٨) وما بعدها، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ٦٤٠)، و «مطالب أولي النهى» (٢/ ٥٤٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ١٩٥).
فيَأخذُه مالِكُه بالقيمةِ ممَّن وقَعَ في سَهمِه أو بثَمنِه الذي بِيعَ به، عندَ الحَنفيةِ، وأحمدَ في رِوايةٍ.
أمَّا المالِكيةُ فقد ذهَبوا إلى أنَّ المالَ الذي يُعرَفُ صاحِبُه المُسلِمُ أو الذِّميُّ لا يُقسَمُ أصلًا، فإذا قُسمَ لمْ تَنفُذِ القِسمةُ، ولِرَبِّه أخذُه بدونِ ثَمنٍ.
والرِّوايةُ الثانِيةُ عن أحمدَ: أنَّه إذا قُسمَت الغَنيمةُ فلا حَقَّ للمُسلِمِ في مالِه الذي وُجدَ في الغَنيمةِ بحالٍ.
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ هذا المالَ يَجبُ رَدُّه إلى صاحِبِه المُسلمِ قبلَ القِسمةِ؛ فإنْ لم يَعلَمْ به حتى قُسمَ دُفِع إلى مَنْ وقَعَ في سَهمِه العِوَضُ من خُمسِ الخُمسِ، ورُدَّ المالُ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه يَشُقُّ نَقضُ القِسمةِ.
قُلتُ: والسَّببُ في اختِلافِ العُلماءِ في هذا هو: هل الكُفارُ يَملِكونَ أموالَ المُسلِمينَ التي استَولَوْا عليها من المُسلِمينَ إذا حازُوها في دارِهم أو لا؟
فمَن قالَ منهم: إنَّهم بمُجرَّدِ استِيلائِهم عليها مَلَكوها كما هو قَولُ الحَنفيةِ، قالُوا: إذا وجَدَها صاحِبُها بعدَ القِسمةِ أخَذَها بالقيمةِ ممَّن وقَعَت في سَهمِه أو بثَمَنِه الذي بِيعَ به، ومَن قالَ: إنَّ الكُفارَ لا يَملِكونَ أموالَ المُسلِمينَ إذا استَولَوا عليها بحالٍ كما هو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ ومَن وافَقَهم، قالُوا: يَجبُ رَدُّها إلى صاحِبِها المُسلمِ بعدَ القِسمةِ، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.