الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > حكم إقامة الحدود في بلاد الحرب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةحُكمُ إقامةِ الحُدودِ في بِلادِ الحَربِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في إقامةِ الحَدِّ على مَنْ زَنى من المُسلِمينَ أو سرَقَ أو قذَفَ مُسلمًا أو شرِبَ خَمرًا في دارِ الحَربِ؟
فقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ واللَّيثُ وأبو ثَورٍ: يَجبُ على الإمامِ إقامةُ الحَدِّ عليه؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ فَرضٌ كالصَّلاةِ والصَّومِ والزَّكاةِ، ولا تُسقِطُ دارُ الحَربِ عنه شَيئًا من ذلك (١).
فإذا قتَلَ مُسلمٌ مُسلمًا في دارِ الحَربِ يُستَوفى منه القِصاصُ، ويَكونُ الحُكمُ كما لو كانُوا في دارِ الإسلامِ.
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ أميرَ الجَيشِ إذا دخَلَ أرضَ الحَربِ فسرَقَ بعضُهم من بعضٍ في أرضِ الحَربِ أو شرِبوا الخُمورَ أو زَنَوا أيُقيمُ عليهم أميرُهم الحُدودَ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ لي مالِكٌ: يُقيمُ عليهم الحُدودَ في أرضِ الحَربِ أميرُ الجَيشِ، وهو أقوى له على الحَقِّ كما تُقامُ الحُدودُ في أرضِ الإسلامِ (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ تُجَّارًا من المُسلِمينَ دخَلوا أرضَ الحَربِ بأمانٍ فسرَقَ بَعضُهم من بعضٍ ثم شهِدوا على السارِق بالسَّرقةِ حينَ خرَجُوا إلينا أيُقامُ الحَدُّ على السارِق أو لا في قَولِ مالِكٍ؟
(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢٩١)، و «تفسير القرطبي» (٦/ ١٧١)، و «الأوسط» (١١/ ٢٧٨، ٢٨٠)، و «الذخيرة» (٣/ ٤١١).
(قالَ) قالَ مالِكٌ في الجَيشِ إذا كانُوا في أرضِ الحَربِ: إنَّه يُقامُ على السارِق الحَدُّ، فكذلكَ هؤلاءِ الذينَ دخَلوا بأمانٍ، ولأنَّ مالِكًا لا يَلتفِتُ إلى اختِلافِ الدارَينِ، وهؤلاء مُسلِمونَ مُقرُّونَ بأحكامِ الإسلامِ، ليسُوا بمَنزِلةِ المُشرِكينَ الذين لا يُقرُّون بأحكامِ المُسلِمينَ.
(قُلتُ): وكذلك إنْ زَنى في دار الحَربِ بعضُ هؤلاء التُّجَّارِ أو شرِب الخَمرَ فشهِدوا عليه بعدَما خرَجَ أيُقيمُ عليه الإمامُ الحَدَّ؟ (قالَ): نَعمْ في رَأيِي (١).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إذا كانَ المُسلِمونَ مُستأمَنينَ أو أسرى في دارِ الحَربِ، فقتَلَ بَعضُهم بَعضًا، أو زَنَوا بغيرِ حَربيةٍ، فالحُكمُ عليهم كما يَكونُ عليهم في بِلادِ الإسلامِ، وإنَّما أُسقِط عنهم لو زَنى أحَدُهم بحَربيةٍ إذا ادَّعى الشُّبهةَ، ولا تُسقِطُ دارُ الحَربِ عنهم فَرضًا، كما لا تُسقِطُ صَومًا ولا صَلاةً ولا زَكاةً، وإذا أصابَ الرجُلُ حَدًّا وهو مُحاصَرَ للعَدوِّ أُقيمَ عليه الحَدُّ، ولا يَمنعُنا الخَوفُ عليه من اللُّحوقِ بالمُشرِكينَ أنْ نُقيمَ حَدَّ اللهِ تَعالى ولو فعَلنا تَوقِّيًا أنْ يَغضَبَ ما أقَمْنا عليه الحَدَّ أبدًا؛ لأنَّه يُمكِنُه من أيِّ مَوضِعٍ أنْ يَلحَقَ بدارِ الحَربِ فيُعطَّلَ عنه حُكمُ اللهِ جلَّ ثَناؤُه ثم حكَمَ رَسولُ اللهِ ﷺ وقد أقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَدَّ بالمَدينةِ، والشِّركُ قَريبٌ منها، وفيها شِركٌ كَثيرٌ، مُوادِعونَ، وضرَبَ الشارِبَ بحُنَينٍ، والشِّركُ قَريبٌ منه.
(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٢٩١).
وقالَ اللَّيثُ بنُ سَعدٍ رحمة الله عليه: ما رأيتُ أحَدًا ولا سَمِعتُ أنَّه يَردُّ حَدًّا أنْ يُقيمَه في أرضِ العَدوِّ قَديمًا ولا حَديثًا إذا وجَبَ على صاحِبِه. وقالَ في الأُسارى من المُسلِمينَ: يَجعَلون عليهم رَجُلًا منهم يُقيمُ الحُدودَ فيهم إذا خُلِّي بينَهم وبينَ ذلك.
وقالَ أبو ثَورٍ رحمة الله عليه: الدارُ لا تُحِلُّ شَيئًا ولا تُحرِّمُه، والزِّنا والسَّرِقةُ والخَمرُ وجميعُ ما حرَّمَ اللهُ عليهم في دارِ الإسلامِ [حرِّمَ عليهم] في دارِ الحَربِ، ويُحكَمَ على مَنْ أتَى شَيئًا من ذلك حُكمُ اللهِ في كلِّ دارٍ ومَكانٍ كانَ ذلك منه، لا يَبطُلُ حُكمُ اللهِ إلا بكِتابٍ أو سُنةٍ أو إجماعٍ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُقامُ عليه الحَدُّ ولو بعدَ رُجوعِه إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدِرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ، ولا يُقامُ عليه بعدَ الرُّجوعِ إلى دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ الفِعلَ لمْ يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، وكذلك إذا قتَلَ مُسلمًا فيها لا يُؤخَذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ القَتلُ عَمدًا، لتَعذُّرِ الاستيفاءِ، ولأنَّ كَونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، والقِصاصُ لا يَجبُ مع الشُّبهةِ، ويَضمَنُ الدِّيةَ وتَكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجبُ على القاتِلِ ابتِداءً، ثم العاقِلةُ تُتحمَّلُ عنه لما بينَهم من التَّناصُرِ، ولا تَناصُرَ عندَ اختِلافِ الدارِ (٢).
(١) «الأوسط» (١١/ ٢٧٨، ٢٨٠)، و «الأم» (٤/ ٢٨٧).
(٢) «المبسوط» (١٠/ ٧٥)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٣١، ١٣٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٣/ ٤٧٣)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٢٦٦)، و «تبيين الحقائق» (٣/ ١٨٢).
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إنَّ المُسلمَ إذا زَنى في دارِ الحَربِ، أو سرَقَ، أو شرِبَ الخَمرَ، أو قذَفَ مُسلمًا؛ لا يُؤخَذُ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الإمامَ لا يَقدِرُ على إقامةِ الحُدودِ في دارِ الحَربِ لعَدمِ الوِلايةِ.
ولو فعَلَ شَيئًا من ذلك ثم رجَعَ إلى دارِ الإسلامِ لا يُقامُ عليه الحَدُّ أيضًا؛ لأنَّ الفِعلَ لمْ يَقعْ مُوجِبًا أصلًا، ولو فعَلَ في دارِ الإسلامِ ثم هرَبَ إلى دارِ الحَربِ يُؤخذُ به؛ لأنَّ الفِعلَ وقَعَ مُوجِبًا للإقامةِ، فلا يَسقُطُ بالهَربِ إلى دارِ الحَربِ، وكذلك إذا قتَلَ مُسلمًا لا يُؤخذُ بالقِصاصِ وإنْ كانَ عَمدًا، لتَعذُّرِ الاستيفاءِ إلا بالمَنَعةِ؛ إذِ الواحِدُ يُقاوِمُ الواحِدَ والمَنَعةُ مُنعدِمةٌ، ولأنَّ كَونَه في دارِ الحَربِ أورَثَ شُبهةً في الوُجوبِ، ولا يَجبُ القِصاصُ مع الشُّبهةِ، ويَضمَنُ الدِّيةَ خَطَأً كانَ أو عَمدًا، وتَكونُ في مالِه لا على العاقِلةِ؛ لأنَّ الدِّيةَ تَجِبُ على القاتِلِ ابتِداءً، أو لأنَّ القَتلَ وُجدَ منه، ولِهذا وجَبَ القِصاصُ والكَفارةُ على القاتِلِ لا على غيرِه، فكذا الدِّيةُ تَجِبُ عليه ابتِداءً -وهو الصَّحيحُ- ثم العاقِلةُ تَتحمَّلُ عنه بطَريقِ التَّعاوُنِ لما يَصِلُ إليه بحَياتِه من المَنافِعِ من النُّصرةِ والعِزِّ والشَّرفِ بكَثرةِ العَشائِرِ والبِرِّ والإحسانِ لهم ونَحوِ ذلك، وهذه المَعاني لا تَحصُلُ عندَ اختِلافِ الدارَينِ، فلا تَتحمَّلُ عنه العاقِلةُ، وكذلك لو كانَ أميرًا على سَريةٍ، أو أميرَ جَيشٍ وزَنى رَجلٌ منهم، أو سرَقَ، أو شرِبَ الخَمرَ، أو قتَلَ مُسلمًا خَطأً أو عَمدًا، لمْ يَأخذْه الأميرُ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّ الإمامَ ما فُوِّض إليه إقامةُ الحُدودِ والقِصاصِ؛ لعِلمِه بأنَّه لا يَقدِرُ على إقامَتِها في دارِ الحَربِ، إلا أنَّه يُضمِّنُه السَّرقةَ إنْ كانَ استهلَكها ويُضمِّنُه الدِّيةَ في بابِ القَتلِ؛ لأنَّه يَقدِرُ على استيفاءِ ضَمانِ المالِ.
ولو غَزا الخَليفةُ أو أميرُ الشامِ، ففعَلَ رَجلٌ من العَسكرِ شَيئًا من ذلك أقامَ عليه الحَدَّ واقتَصَّ منه في العَمدِ وضمَّنَه الدِّيةَ في مالِه في الخَطأِ؛ لأنَّ إقامةَ الحُدودِ إلى الإمامِ، وتُمكِنُه الإقامةُ بما له من القُوةِ والشَّوكةِ باجتِماعِ الجُيوشِ وانقيادِها له، فكانَ لعَسكرِهَ حُكمُ دارِ الإسلامِ.
ولو شذَّ رَجلٌ من العَسكَرِ ففعَلَ شَيئًا من ذلك دُرِئ عنه الحَدُّ والقِصاصُ؛ لاقتِصارِ وِلايةِ الإمامِ على المُعَسكَرِ، وعلى هذا يَخرجُ الحَربيُّ إذا أسلَمَ في دارِ الحَربِ، ولمْ يُهاجِرْ إلينا فقتَلَه مُسلِمٌ عَمدًا أو خَطأً؛ لأنَّه لا قِصاصَ عليه عندَنا على ما ذكَرْنا، وهذا مَبنيٌّ على أنَّ التَّقوُّمَ عندَنا يَثبُتُ بدارِ الإسلامِ؛ لأنَّ التَّقوُّمَ بالعِزةِ، ولا عِزةَ إلا بمَنَعةِ المُسلِمينَ (١).
وقالَ الحَنابِلة أيضًا: تَجِبُ الحُدودُ والقِصاصُ، ولكنَّها لا تُقامُ في دارِ الحَربِ، وتُقامُ عليه بعدَ رُجوعِه من دارِ الحَربِ. واستدَلُّوا بما رَواه سَعيدٌ في «سُنَنِه» (٢)، أنَّ عُمرَ رضي الله عنه كتَبَ إلى الناسِ أنْ: لا يَجلِدنَّ أميرُ جَيشٍ ولَا سَريةٍ رَجُلًا من المُسلِمينَ حَدًّا وهو غازٍ حتى يَقطَعَ الدَّربَ قافِلًا لئلَّا تَحمِلَه حَميَّةُ الشَّيطانِ فيَلحَقَ بالكُفارِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأمَّا إذا رجَعَ؛ فإنَّه يُقامُ الحَدُّ عليه لعُمومِ الآياتِ والأخبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ كما يُؤخَّرُ لمَرضٍ أو شُغلٍ، فإذا زالَ العارِضُ أُقيمَ الحَدُّ لوُجودِ مُقتَضيه وانتِفاءِ مُعارِضِه؛ ولهذا قالَ عُمرُ رضي الله عنه: حتى يَقطعَ الدَّربَ قافِلًا.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٣١، ١٣٢).
(٢) «سنن سعيد بن منصور» (٢٥٠٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود
وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب السرقة)
(باب ما يجب فيه القطع من كتاب الحدود وغيره)
(كِتَابُ السَّرِقَةِ)
(بَابُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ من كتاب الحدود وغيره)
(مسألة)
قَالَ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّهُ " الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِثُبُوتِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بذلك) .
قال الماوردي: والأصل فِي وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} المائدة: ٣٨ وفي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) ، فَجَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ الْيَدِ لِتَنَاوُلِ الْمَالِ بِهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنَا قَطْعَ الذَّكَرِ لِمُوَاقَعَةِ الزِّنَا بِهِ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ لِلسَّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ إِذَا قُطِعَتْ، وَلَيْسَ لِلزَّانِي مِثْلَ ذَكَرِهِ إِذَا قُطِعَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُدُودَ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ، وَالْيَدُ تُرَى وَالذَّكَرِ لَا يُرَى.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ إِبْطَالُ النَّسْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ الْيَدِ، وَقَدْ قُطِعَ السَّارِقُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ فأمر الله تعالى به في الإسلام فكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الْخِيَارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَمِنَ النِّسَاءِ مُرَّةَ بِنْتَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٥٤ - مسألة؛ قال: (وإذا زنى العبد والأمة، جلد كل واحد منهما خمسين جلدة، ولم يغربا)
ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} . وهذا أوْلَى من تَرْكِ حَدِّهِ بالكُلِّيَّةِ، أو قَتْلِه بما لا يُوجِبُ القَتْلَ.
١٥٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا زَنَى الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، جُلِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ جَلْدَةً، ولَمْ يُغَرَّبَا)
وجملتُه أنَّ حَدَّ العَبْدِ والأَمَةِ خمسون جَلْدَةً بِكْرَيْن كانا أو ثَيِّبَيْنِ. في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ؛ منهم عمرُ، وعَلىٌّ، وابنُ مسعود، والحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ، والْبَتِّيُّ، والعَنْبَرِيُّ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ، وطاوُسٌ، وأبو عُبَيْدٍ: إن كانا مُزَوَّجَيْنِ فعليْهِما نصفُ الحَدِّ، ولا حَدَّ على غيرِهما؛ لقولِ اللَّه تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} . فدليلُ خِطَابِه أنَّه لا حَدَّ على غيرِ المُحْصَناتِ. وقال داودُ: على الأَمَةِ نِصْفُ الحَدِّ إذا زَنَتْ بعدَ ما زُوِّجَتْ، وعلى العبدِ جَلْدُ مِائَةٍ بكُلِّ حالٍ، وفي الأَمَةِ إذا لم تُزَوَّجْ روايتَانِ؛ إحداهما، لا حَدَّ عليها. والأخرى، تُجْلَدُ مِائَةً؛ لأنَّ قولَ اللَّه تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} . عامٌّ، خَرَجَتْ منه الأَمَةُ المُحْصَنَةُ بقولِه: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} . فَيبَقَى العَبْدُ والأَمَةُ التي لم تُحْصَنْ على مُقْتَضَى العُمومِ. ويَحْتَمِلُ دَلِيلُ الخِطابِ في الأَمَةِ أن لا حَدَّ عليها، كَقولِ ابنِ عَبَّاسٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذَا لم يُحْصَنَا بالتَّزْوِيجِ، فعليهما نصفُ الحَدِّ، وإن أُحْصِنَا فعليْهِما الرَّجْمُ؛ لعُمومِ الأخْبارِ فيه،
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.