حكم الغلول والأخذ من الغنيمة قبل قسمتها

الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > حكم الغلول والأخذ من الغنيمة قبل قسمتها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

حكم الغلول والأخذ من الغنيمة قبل قسمتها - الأقوال والأدلة

حُكمُ الغُلولِ والأخذِ من الغَنيمةِ قبلَ قِسمَتِها:

أجمَع أهلُ العِلمِ على حُرمةِ الغُلولِ (١) وهو الأخذُ من الغَنيمةِ خُفيةً قبلَ قِسمَتِها بدونِ إذنِ الإمامِ.

ومِن الأدِلةِ على تَحريمِ الغُلولِ: ما رَواه سَالِمٌ مَولى ابنِ مُطِيعٍ أَنَّهُ سمِعَ أَبَا هُريرةَ رضي الله عنه يَقولُ: «افتتَحْنا خَيبَرَ ولمْ نَغنمْ ذَهبًا ولا فِضةً إنَّما غَنِمنا البَقرَ والإِبلَ والمَتاعَ والحَوائطَ، ثم انصَرَفنا مع رَسولِ اللهِ إلى وَادِي القُرَى ومعه عبدٌ له يُقالُ له مِدعَمٌ، أهداه له أحَدُ بَني الضِّبابِ، فبَينَما هو يَحُطُّ رَحلَ رَسولِ اللهِ إذ جاءَه سَهمٌ عائِرٌ حتى أصابَ ذلك العبدَ، فقالَ الناسُ: هَنيئًا له الشَّهادةُ، فقالَ رَسولُ اللهِ بل والَّذي نَفسي بيَدِه إنَّ الشَّملةَ التي أصابَها يَومَ خَيبَرَ من المَغانمِ لم تُصبْها المَقاسِمُ لتَشتعِلُ عليه نارًا، فجاء رَجلٌ حينَ سمِعَ ذلك من النَّبيِّ بِشِراكٍ أو بِشِراكَين، فقالَ: هذا شَيءٌ كنتُ أصَبتُه، فقالَ رَسولُ اللهِ شِراكٌ أو شِراكانَ من نارٍ» (٢).

وبما رَواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قامَ فِينَا النَّبيُّ فذكَرَ الغُلولَ فعظَّمَه وعظَّمَ أمرَه، قالَ: «لا أُلفيَنَّ أحَدَكم يَومَ القيامةِ على رَقَبتِه شاةٌ لها ثُغاءٌ، على رَقَبتِه فَرسٌ لها حَمحَمةٌ يَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني،

(١) «مراتب الإجماع» ص (١١٦)، و «القوانين الفقهية» ص (١٩٩).
(٢) رواه البخاري (٣٩٩٣).

فأقولُ: لا أملِكُ لكَ من اللهِ شَيئًا، قد أبلَغتُك، وعلى رَقَبتِه بَعيرٌ له رُغاءٌ، يَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني، فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شَيئًا، قد أبلَغتُك، وعلى رَقَبتِه صامِتٌ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ، أغِثْني، فَأقولُ: لا أملِكُ لك شَيئًا قد أبلَغتُك، أو على رَقَبتِه رِقاعٌ تَخفِقُ، فيَقولُ: يا رَسولَ اللهِ أغِثْني، فَأقولُ: لا أملِكُ لكَ شَيئًا، قد أبلَغتُك» (١).

قالَ ابنُ بَطالٍ رحمة الله عليه: قالَ المُهلَّبُ: هذا الحَديثُ على سَبيلِ الوَعيدِ من اللهِ لمَن أنفَذَه عليه من أهلِ الغُلولِ، وقد تَكونُ العُقوبةُ حَملَ البَعيرِ وسائرِ ما غَلَّه على رَقَبتِه على رُؤوسِ الأشهادِ وفَضيحَتَه به، ثم اللهُ مُخيَّرٌ بعدَ ذلك في تَعذيبِه بالنارِ أو العَفوِ عنه؛ فإنْ عذَّبَه بنارِه أدرَكَتْه الشَّفاعةُ، إنْ شاء اللهُ، وإنْ لم يُعذِّبْه بنارِه فهو واسِعُ المَغفِرةِ.

وقَولُه: «لا أملِكُ لكَ من اللهِ شَيئًا»، أي: من المَغفِرةِ والشَّفاعةِ حتى يَأذَنَ اللهُ في الشَّفاعةِ لمَن أرادَ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وفيه: أنَّ العُقوباتِ قد تَكونُ من جِنسِ الذُّنوبِ.

وهذا الحَديثُ يُفسِّرُ قَولَه: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] أنَّه يأتي يَحمِلُه على رَقبتِه ليَكونَ أبلَغَ في فَضيحَتِه وليَتبيَّنَ للأشهادِ جِنايَتُه، وحَسبُكَ بهذا تَعظيمًا لإثمِ الغُلولِ ولتَحذيرِ أُمَّتِه. وقَولُه: «صَامِتٌ» هو الذَّهبَ والفِضةُ.

(١) رواه البخاري (٢٩٠٨)، ومسلم (١٨٣١).

وقالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ على الغالِّ أنْ يَردَّ ما غَلَّ إلى صاحِبِ المُقسَمِ ما لم يفتَرِقِ الناسُ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَع المُسلِمونَ على تَغليظِ تَحريمِ الغُلولِ وأنَّه من الكَبائِرِ وأجمَعوا على أنَّ عليه رَدَّ ما غَلَّه؛ فإنْ تَفرَّقَ الجَيشُ وتَعذَرَ إيصالُ حَقِّ كلِّ واحِدٍ إليه ففيه خِلافٌ للعُلماءِ.

قالَ الشافِعيُّ وطائِفةٌ: يَجبُ تَسليمُه إلى الإمامِ أو الحاكِمِ كسائرِ الأموالِ الضائِعةِ.

وقالَ ابنُ مَسعودٍ وابنُ عَباسٍ ومُعاويةُ والحَسنُ والزُّهريُّ والأَوزاعيُّ ومالِكٌ والثَّوريُّ واللَّيثُ وأحمدُ والجُمهورُ: يَدفَعُ خُمسَه إلى الإمامِ ويَتصدَّقَ بالباقي.

واختَلفُوا في صِفةِ عُقوبةِ الغالِّ؛ فقالَ جُمهورُ العُلماءِ وأئِمةُ الأمصارِ: يُعزَّرُ على حسَبِ ما يَراه الإمامُ، ولا يُحرَقُ مَتاعُه، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ ومَن لا يُحصَى من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم.

وقالَ مَكحولٌ والحَسنُ والأَوزاعيُّ: يُحرَقُ رَحلُه ومَتاعُه كلُّه، قالَ الأَوزاعيُّ: إلا سِلاحَه وثيابَه التي عليه، وقالَ الحَسنُ: إلا الحَيَوانَ والمُصحَفَ، واحتَجُّوا بحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ في تَحريقِ رَحلِه، قالَ

(١) «شرح ابن بطال لصحيح البخاري» (٥/ ٥٣٣)، و «الاستذكار» (٥/ ٩٣).

الجُمهورُ: وهذا حَديثٌ ضَعيفٌ؛ لأنَّه ممَّا انفرَدَ به صالِحُ بنُ مُحمدٍ عن سالِمٍ وهو ضَعيفٌ، قالَ الطَّحاويُّ: ولو صَحَّ يُحمَلُ على أنَّه كانَ إذا كانَتِ العُقوبةُ بالأموالِ كأخذِ شَطرِ المالِ من مانِعِ الزَّكاةِ وضالةِ الإبِلِ وسارِقِ التَّمرِ، وكلُّ ذلك مَنسوخٌ، واللهُ أعلَمُ (١).

وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: قالَ العُلماءُ: الغُلولُ عَظيمٌ؛ لأنَّ الغَنيمةَ للهِ تَصدَّقَ بها علينا من عِندِه في قَولِه تَعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] فمَن غلَّ فقد عانَدَ اللهَ ، وإنَّ المُجاهِدينَ تَقوَى نُفوسُهم على الجِهادِ والثَّباتِ في مَواقِفِهم عِلمًا منهم بأنَّ الغَنيمةَ تُقسَمُ عليهم، فإذا غَلَّ منها خافُوا ألَّا يَبقى منها نَصيبُهم فيَفرُّوا إليها، فيَكونَ ذلك تَخذيلًا للمُسلِمينَ وسَببًا لانهِزامِهم كما جَرى لمَّا ظَنُّوا يَومَ أُحدٍ؛ فلذلك عُظِّمَ قَدرُ الغُلولِ وليسَ كغيرِه من الخِيانةِ والسَّرقةِ، وسُمِّي غُلولًا؛ لأنَّ الأيدي فيه مَغلولةٌ، ولأنَّه يُؤخَذُ في خُفيةٍ، وأصلُه الغَلَلُ: وهو الماءُ الذي يَجري تحتَ الشَّجرِ لخَفائِه، ومنه غِلُّ الصَّدرِ (٢).

لكنَّ هذا إذا كانَ الإمامُ يَقسِمُ الغَنيمةَ على وَجهِها الشَّرعيِّ؛ فإنْ كانَ لا يَقسِمُها على وَجهِها الشَّرعيِّ وإلا جازَ لمَن ظفِرَ بقَدرِ حَقِّه أنْ يَأخذَه.

(١) «شرح مسلم» (١٢/ ٢١٧، ٢١٨).
(٢) «فتاوى السبكي» (٢/ ٣٤٥).

قالَ الإمامُ الرَّمليُّ رحمة الله عليه: وفي كَلامِ التاجِ بنِ الفِرْكاحِ أنَّ الغُلولَ في الغَنيمةِ يَحرمُ، ما كانَتِ الغَنيمةُ تُقسَمُ على الوَجهِ المَشروعِ، فإذا تَغيَّرَ الحالُ جازَ لمَن ظفِرَ بقَدرِ حَقِّه وبما دونَه أنْ يَختَزِله ويَكتُمَه. اه ومُقتَضاه جَوازُ الأخذِ ظَفرًا في الغَنيمةِ فَضلًا على بَيتِ المالِ، لكنَّ المُصنِّفَ نقَلَ في المَجموعِ عن الغَزاليِّ وأقَرَّه أنَّه لو لم يَدفعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المُستحِقِّينَ حُقوقَهم من بَيتِ المالِ فهل يَجوزُ لأحَدِهم أخذُ شَيءٍ من بَيتِ المالِ؟ قالَ: فيه أربَعةُ مَذاهبَ:

أحَدُها: لا يَجوزُ؛ لأنَّه مُشترِكٌ ولا يَدرى حِصَّتَه منه، أهي حَبةٌ أو دانَقٌ أو غيرُهما، قالَ الغَزاليُّ وهذا غُلوٌّ لا يَجوزُ.

والثانِي: يَأخذُ كلَّ يَومٍ ما يَكفيه.

والثالِثُ: يَأخذُ كِفايةَ سَنةٍ.

والرابِعُ: ما يُعطى وهو حَقُّه، والباقونَ مَظلومونَ، قالَ: وهذا هو القياسُ؛ لأنَّه ليسَ مشتَرِكًا كالغَنيمةِ والمِيراثِ؛ لأنَّ ذلك مِلكٌ لهم، حتى لو ماتوا قسَّمَ بينَ ورَثتِهم، وهنا لا يَستحِقُّ وارِثُه شَيئًا، وهذا إذا صرَفَ إليه ما يَليقُ صَرفُه إليه. اه.

وبالأولِ جزَمَ ابنُ عبدِ السَّلامِ في قَواعِدِه، ومُقتَضاه إلحاقُ ذلك بالأموالِ المُشترَكةِ، وأنَّ الأخذَ ظَفرًا مما يَستحِقُّه في بَيتِ المالِ لا يَجوزُ وإنْ مُنِعَ المُتكلَّمُ في أمرِه المُستحَقَّ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
كتاب السرقة

أَبُو يُوسُفَ: أَقْطَعُهُمَا جَمِيعًا.

(أَمَّا) عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الدَّاخِلِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمة الله عليه ؛ فَلِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ يَدَهُ، وَنَاوَلَ صَاحِبًا لَهُ لَمْ يُقْطَعْ، فَعِنْدَ عَدَمِ الْإِخْرَاجِ أَوْلَى، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ رحمة الله عليه لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي الْخَارِجِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّارِقَ إذَا نَقَبَ مَنْزِلًا، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ هَلْ يُقْطَعُ؟ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ: " أَقْطَعُ وَلَا أُبَالِي دَخَلَ الْحِرْزَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ " ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَقَبَ وَدَخَلَ، وَجَمَعَ الْمَتَاعَ عِنْدَ النَّقْبِ، ثُمَّ خَرَجَ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَرَفَعَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 321 - 325

ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله