الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > شروط استحقاق الغنيمة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةشُروطُ استِحقاقِ الغَنيمةِ:
يَستحِقُّ الغَنيمةَ مَنْ اجتمَعَت فيه الشُّروطُ التاليةُ:
أولًا: أنْ يَكونَ المُستحِقُّ صَحيحًا، أي: مِنْ أهلِ القِتالِ، وإنْ كانَ يُسهَمُ للمَريضِ الذي شهِدَ ابتِداءَ القِتالِ صَحيحًا ثم مرِضَ واستمَرَّ يُقاتِلُ، ولم يَمنعْه مَرَضُه من القِتالِ؛ فإنْ لم يَشهَدْه فلا يُسهَمْ له، إلا أنْ يَكونَ ذا رأيٍ، كمُقعَدٍ أو أعرَجَ أو أشَلَّ أو أعمى له رأيٌ.
وكذلك مَنْ منَعَه الشَّرعُ من الجِهادِ لدَينٍ عليه، أو منَعَه أبواه منه فحضَرَ، فيُسهَمُ له لتَعيُّنِ الجِهادِ بحُضورِه، أي: لصَيرورةِ الجِهادِ فَرضَ عَينٍ بحُضورِه، فلا يَتوقَفَ على الإذنِ (١).
ثانيًا: أنْ يَدخُلَ دارَ الحَربِ على قَصدِ القِتالِ، سَواءٌ قاتَلَ أو لم يُقاتِلْ؛ لأنَّ الجِهادَ والقِتالَ إرهابٌ للعَدُوِّ، وهذا كما يَحصُلُ بمُباشَرةِ القَتلِ يَحصُلُ بثَباتِ القَدمِ في صَفِّ القِتالِ رَدًّا للمُقاتِلةِ خَشيةَ كَرِّ العَدوِّ عليهم.
وكذلك إذا حضَرَ بنِيةٍ أُخرى وقاتَلَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ؛ لقَولِ عُمرَ رضي الله عنه: «إنَّما الغَنيمةُ لمَن شهِدَ الوَقعةَ» (٢). ولا مُخالِفَ له من الصَّحابةِ؛ لأنَّ في شُهودِ القِتالِ تَكثيرَ سَوادِ المُسلِمينَ؛ فعلِمَ أنَّه لو هرَبَ أَسيرٌ من كُفارٍ فحضَرَ بنِيَّةِ خَلاصِ نَفسِه دونَ القِتالِ لم يَستحِقَّ إلا إنْ قاتَلَ.
(١) «كشاف القناع» (٣/ ٨٢)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤١٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٦٨٩)، وسعيد بن منصور في «سننه» (٢٧٩١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٣٢٢٥، ٣٣٢٢٦) عن عمر، وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٦/ ٢٢٤): إسنادُه صَحيحٌ.
وقالَ الحَنفيةُ: لا حَقَّ لأهلِ سُوقِ العَسكرِ في الغَنيمةِ إلا أنْ يُقاتِلوا، وكذا لا يُسهَمُ لِلتاجرِ ولا لِلأجيرِ؛ لأنَّ سَببَ استِحقاقِ الغَنيمةِ المُجاوَزةُ على قَصدِ القِتالِ ولم يُوجَدْ؛ لأنَّهم قصَدوا التِّجارةَ لا إِعزازَ الدِّينِ وإِرهابَ العَدوِّ؛ فإنْ قاتَلَ التاجِرُ مع العَسكرِ أُسهِم له إنْ كانَ فارِسًا ففارِسٌ، أو راجِلًا فراِجلٌ، وكذا الأَجيرُ إنْ ترَكَ خِدمةَ صاحِبِه وقاتَلَ مع العَسكرِ استحَقَّ السَّهمَ، وإنْ لمْ يَترُكِ الخِدمةَ فلا شَيءَ له.
والأصلُ أنَّ مَنْ دخَلَ على نيةِ القِتالِ استحَقَّ السَّهمَ سَواءٌ قاتَلَ أو لا، ومَن دخَلَ لغيرِ القِتالِ لا يُسهَمُ له إلا أنْ يُقاتِلَ وهو من أهلِ القِتالِ ومَن دخَلَ ليُقاتِلَ فلم يُقاتلْ لمَرضٍ أو غيرِه فله سَهمُه إنْ كانَ فارِسًا ففارِسٌ أو راجِلًا فراجِلٌ، وكذا إذا دخَلَ مُقاتِلًا فأُسرَ ثم تخلَّصَ قبلَ إخراجِ الغَنيمةِ فله سَهمُه (١).
ولا شَيءَ لمَن حضَرَ بعدَ انقِضاءِ القِتالِ وحيازةِ المالِ، أمَّا مَنْ حضَرَ قبلَ حيازةِ المالِ وبعدَ انقِضاءِ القِتالِ فيُعطَى عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في قَولٍ، للُحوقِه قبلَ تَمامِ الاستِيلاءِ.
والأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ المَنعُ؛ لأنَّه لم يَشهَدْ شَيئًا من الوَقعةِ.
أمَّا الأجيرُ لسياسةِ الدَّوابِّ وحِفظِ الأمتِعةِ، والتاجرُ والمُحتَرِفُ فيُسهَمُ لهم إذا قاتَلُوا؛ لشُهودِ الوَقعةِ وقِتالِهم في الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ والمالِكيةِ.
(١) «شرح فتح القدير» (٥/ ٤٨٣)، و «شرح كتاب السير الكبير» (٣/ ٩١٥)، و «الجوهرة النيرة» (٢/ ٣٦٤)، و «العناية شرح الهداية» (٧/ ٤٨٨)، و «الأوسط» (١١/ ١٦٤، ١٦٨).
وقالَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ: إنَّه لا يُسهَمُ لهم؛ لأنَّهم لم يَقصِدوا الجِهادَ.
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ: «ويُسهَمُ للتاجِرِ إذا قاتَلَ».
قالَ الماوَرديُّ: ولِلتاجِرِ إذا خرَجَ مع المُجاهِدينَ ثَلاثةُ أحوالٍ:
أحَدُها: أنْ يَقصِدَ الجِهادَ بخُروجِه، وتَكونَ التِّجارةُ تَبعًا لجِهادِه، فهذا يُسهَمُ له إذا حضَرَ الوَقعةَ، وسَواءٌ قاتَلَ أو لمْ يُقاتلْ كانَ كغيرِه من المُجاهِدينَ الذين لم يَتَّجِروا، كما لو قصَدَ الحَجَّ فاتَّجَر كانَ ذلك له حَجةً، ولا تُؤثِّرُ فيه تِجارَتِه.
والحالُ الثانِيةُ: أنْ يَقصِدَ التِّجارةَ، ويَتخلَّفَ في المُعسكَرِ تَشاغُلًا بها، فهذا لا يُسهَمُ اعتِبارًا بقَصدِه وعَدمِ أثَرِه في الوَقعةِ.
والحالُ الثالِثةُ: أنْ يَقصِدَ التِّجارةَ ويَشهَدَ الوَقعةَ، فهذا على ضَربَينِ:
أحدُهما: أنْ يُقاتِلَ فيُسهَمَ له، نَصَّ عليه الشافِعيُّ لبَلائِه في الحَربِ.
والضَّربُ الثانِي: ألَّا يُقاتِلَ ففيه قَولانِ:
أحدُهما: يُسهَمُ له لقَولِه: «الغَنيمةُ لمَن شهِدَ الوَقعةَ».
ولأنَّه قد كثَّرَ وهِيبَ وتِجارَتُه مَنفَعةٌ تَعودُ على المُجاهِدينَ، فلم يُحرَمْ بها سَهمَه معهم.
والقَولُ الثانِي: لا يُسهَمُ له ولا يُعطَى رَضخًا كالأتباعِ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ في مُهاجِرِ أمِّ قَيسٍ: «مَنْ كانَت هِجرَتُه لدُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتزَوَّجُها فهِجرَتُه إلى ما هاجَرَ إليه».
ولأنَّ ما قصَدَه بالخُروجِ من فَضلِ التِّجارةِ قد وصَلَ إليه، فلَم يَزدْ عليه فيَصيرُ به مُفضَّلًا على ذَوي النِّيَّاتِ في الجِهادِ، وهذا لا يَجوزُ (١).
ثالِثًا: أنْ يَكونَ ذَكرًا، فلا يُسهَمُ للأُنثى ولو قاتَلَت.
رابِعًا: أنْ يَكونَ مُسلمًا، فلا يُسهَمُ لكافرٍ ولو قاتَلَ.
خامِسًا: أنْ يَكونَ حُرًّا، فلا يُسهَمُ لعَبدٍ ولو قاتَلَ.
سادِسًا: أنْ يَكونَ عاقِلًا بالِغًا، فلا يُسهَمُ لمَجنونٍ أو لصَبيٍّ.
قالَ الإمامُ الأزديُّ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ كانَ حُرًّا، ذكَرَا، بالِغًا، عاقِلًا، مُسلمًا، صَحيحًا؛ فإنَّه يَستحِقُّ أنْ يُسهَمَ له في المَغنَمِ إذا شهِدَ مع الناسِ، ولم يَكنْ تاجِرًا ولا أجيرًا (٢).
وجُمهورُ العُلماءِ يَقولونَ: يُرضَخُ لمَن سبَقَ ذِكرُهم -الذِّميِّ والمَرأةِ والصَّبيِّ والمَجنونِ- بحسَبِ رأيِ الإمامِ على ألَّا يَبلُغَ ما يُعطيه الإمامُ سَهمَ المُجاهِدِ الذي استَوفَى الشُّروطَ (٣).
(١) «الحاوي الكبير» (١٤/ ١٦٤).
(٢) «الإنجاد» ص (٣٦٥) وما بعدها.
(٣) «البدائع» (٧/ ١٢٦)، و «الهداية شرح البداية» (٢/ ١٤٧)، و «منح الجليل» (١/ ٧٤٣)، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٩٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٦)، و «الأم» (٧/ ٣٣٥، ٣٤٤)، و «الأوسط» (١١/ ١٦٤، ١٦٨)، و «المهذب» (٢/ ٢٤٦)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٣٧٠، ٣٧١)، و «نهاية المحتاج» (٦/ ١٤٦، ١٤٨)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٠٢، ١٠٥)، و «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» (٢/ ٢٥٨)، و «المغني» (٨/ ٣٣٢، ٩/ ٢٠٤، ٢٠٦)، و «الكافي» (٤/ ٣٠٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٨٢)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٣٠٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٣١٨)، و «السياسة الشرعية» (٣١)، و «الأحكام السلطانية» (١٥٩).
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.