الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > ما يعتبر من أموال الغنيمة وما لا يعتبر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةوقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الغَنيمةَ تُخمَّسُ خَمسةَ أقسامٍ، أربَعةٌ منها للمُجاهِدينَ وقِسمٌ يُقسَّمُ خَمسةَ أَخماسٍ (١).
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: فالغَنيمةُ والفَيءُ يَجتمِعانِ في أنَّ فيهما معًا الخُمسَ من جَميعِهما لمَن سمَّاه اللهُ تَعالى له، ومَن سمَّاه اللهُ ﷿ له في الآيتَيْن معًا سَواءً، مُجتمِعَيْن غيرَ مُفترِقَيْن، قالَ: ثم يُتعرَّفَ الحُكمُ في الأربَعةِ الأخْمُسِ بما بيَّنَ اللهُ ﷿ على لسانِ نَبيِّه ﷺ وفي فِعلِه؛ فإنَّه قسَّمَ أربَعةَ أَخماسِ الغَنيمةِ (٢).
ما يُعتبَرُ من أموالِ الغَنيمةِ وما لا يُعتبَرُ:
والمُستَولى عليه صِنفانِ: رِقابُ الكُفارِ، وأموالُهم.
فأمَّا صِنفُ الرِّقابِ فنَوعانِ: أسرى -وهُم الرِّجالُ-، وسَبيٌ -وهُم النِّساءُ والذُّرِّيةُ- فأمَّا الأسرَى فقد تَقدَّمَ القَولُ فيهم.
وأمَّا السَّبيُ من النِّساءِ والصِّبيانِ؛ فإنَّهم بنَفسِ الاستِيلاءِ عليهم يُرَقُّون بما أحكَمَتْه السُّنةُ من ذلك، فيَصيرُ حُكمُهم إلى حُكمِ سائرِ أموالِ الغَنائمِ في وُجوبِ القَسْمِ والتَّخميسِ من غيرِ اختيارٍ يَكونُ في ذلك للإمامِ؛ لأنَّ التَّخييرَ الذي ثبَتَ للإمامِ بالأدِلةِ المُنتزَعةِ على ذلك من القُرآنِ والسُّنةِ إنَّما هو خاصٌّ بأسرى الرِّجالِ، لكنْ يَكونُ لمَن صارَ إليه شَيءٌ من السَّبيِ إمَّا بالقَسمِ أو بالشِّراءِ أو غيرِ ذلك من وُجوهِ التَّملُّكِ أنْ يَفديَ بهم أو يُفاديَ
(١) «المغني» (٦/ ٣٢٢)، و «الإفصاح» (٢/ ٣٠٦).
(٢) «الأم» (٤/ ١٣٩)، و «الحاوي الكبير» (٨/ ٣٨٥).
ويَمُنَّ بالعِتقِ، ويَتصرَّفَ في ذلك بما أباحَ له الشَّرعُ منه، وكذلك لو استَطابَ الإمامُ عنهم نُفوسَ الغانِمينَ.
وكلُّ من يَتوَجَّه له فيهم حقٌّ كانَ له أنْ يَفعَلَ فيهم مِنْ ذلك ما شاءَ على وَجهِ النَّظرِ والمَصلَحةِ.
وممَّا جاءَ في المَنِّ على السَّبيِ -النِّساءِ والذُّرِّيةِ- ما رَواه أبو عُبيدٍ في كِتابِ «الأموالِ» قالَ: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ صالِحٍ، عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ، قالَ: حَدَّثني عَقيلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قالَ: أخبَرَني سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ، وعُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَدَّ سِتةَ آلافٍ من سَبي هَوازِنَ -من النِّساءِ والصِّبيانِ والرِّجالِ- إلى هَوازِنَ حينَ أسلَموا … الحَديثَ؛ وفيه قالَ: وزعَم عُروةُ أنَّ مَروانَ بنَ الحَكمِ والمِسوَرَ بنَ مَخرَمةَ أخبَراه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قامَ حينَ جاءَه وَفدُ هَوازِنَ مُسلِمينَ، فسأَلوه أنْ يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبيَهم، فقالَ لهم رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَعي مَنْ تَرَونَ، وأحَبُّ الحَديثِ إلَيَّ أصدَقُه، فاختَاروا إحدى الطَّائفَتينِ: إمَّا السَّبيَ وإمَّا المالَ، وقد كُنْتُ استأنَيتُ بهم». قالَ: وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قد انتَظَرهم بِضعَ عَشرةَ ليلةً حينَ قفَلَ من الطائِفِ، فلمَّا تَبيَّنَ لهم أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ غيرُ رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائِفَتينِ، قالُوا: نَختارُ سَبْيَنا.
فإذا تَقرَّرَ ذلك يَجيءُ على مَذهبِ من رأى تَخييرَ الإمامِ في الأسرَى، منهم: مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وغيرُهم، أنَّه متى حكَمَ الإمامُ باستِرقاقِهم تَوجَّهت عليهم أحكامُ الغَنائمِ في القَسمِ والتَّخميسِ، هذا لا إشكالَ فيه،
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.