الإسلام > الجنايات والحدود > الغنائم وأحكامها > هل الأخذ من الغنيمة ينقص أجر الغازي أو لا؟
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 21 دقيقة قراءةونقَلَ الزَّركشيُّ عن ابنِ عبدِ السَّلامِ مَنْعَ ذلك، وهو مُوافِقٌ لما سبَقَ عنه من مَنعِ الأخذِ حيثُ لم يَدفعِ السُّلطانُ إلى كلِّ المستحِقِّينَ حُقوقَهم.
وفي فَتاوى المُصنِّفِ: أنَّ السُّلطانَ إذا أعطَى رَجُلًا من الجُندِ من المَغنَمِ شَيئًا؛ فإنْ لم يَكنِ السُّلطانُ خمَّسَه ولم يَقسِمِ الباقيَ قِسمةً شَرعيةً وجَبَ الخُمسُ في الذي صارَ إلى هذا، ولا يَحِلُّ له الانتِفاعُ بالباقي حتى يَعلَمَ أنَّه حصَلَ لكلٍّ من الغانِمينَ قَدرُ حِصَّتِه من هذا، فإنْ تَعذَرَ عليه صَرفُ ما صار إليه إلى مُستحِقِّه لزِمَه دَفعُه إلى القاضي كسائرِ الأموالِ الضائِعةِ، هذا إذا لم يُعطِه ذلك على سَبيلِ النَّفلِ بشَرطِه. اه. ويُؤخَذُ ممَّا سبَقَ عن المَجموعِ نَقلًا عن الغَزاليِّ الفَرقُ بينَ مالِ الغَنيمةِ وبينَ مالِ بَيتِ المالِ، قالَ بَعضُهم: وهو ظاهِرٌ (١).
هل الأخذُ من الغَنيمةِ يَنقُصُ أجرَ الغازي أو لا؟
اختَلفَ العُلماءُ في الغازي في سَبيلِ اللهِ إذا أصابَ من الغَنيمةِ هل يَكونُ له الأجرُ كامِلًا أو أنَّ ذلك يَنقُصُ من أجرِه؟ اختَلفُوا في ذلك على قَولَينِ؛ وذلك لاختِلافِ ألفاظِ الأحاديثِ الوارِدةِ في ذلك.
فذهَبَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ والقُرطبيُّ وغيرُهما إلى أنَّ ذلك لا يَنقُصُ من أجرِه شَيئًا.
وذهَبَ الإمامُ النَّوويُّ والقاضي عِياضٌ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ إلى أنَّ ذلك يَنقُصُ من أجرِه.
(١) «نهاية المحتاج» (٨/ ٥٢٤، ٥٢٥).
وسأذكُر الأحاديثَ التي استَدلَّ بها كلٌّ من الفَريقَينِ، ثم أذكُرُ كَلامَ الحافِظِ ابنِ حَجرٍ؛ لأنَّه جمَع في كَلامِه هذه الأقوالَ ومُناقشَتَها.
عَنْ عبدِ الله بنِ عَمرٍو، أنَّ رَسولَ الله ﷺ قالَ: «ما مِنْ غازيَةٍ تَغزو في سَبيلِ الله فيُصيبونَ الغَنيمةَ، إلا تَعجَّلوا ثُلثَيْ أجرِهِم مِنْ الآخِرةِ، ويَبقَى لهمُ الثُّلثُ، وإن لم يُصيبوا غَنيمَةً تمَّ لهُم أجرُهم».
وفي لفظٍ: «ما مِنْ غازيَةٍ، أو سَريةٍ، تَغزو فتَغنمُ وتَسلمُ إلا كانُوا قد تَعجَّلوا ثُلثَيْ أُجورِهم، وما مِنْ غازيَةٍ، أو سَريةٍ، تُخفِقُ وتُصابُ إلا تمَّ أُجورُهم» (١).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ الله ﷺ: «تَضمَّنَ اللهُ لمَن خرَجَ في سَبيلِه لا يُخرِجُه إلا جِهادٌ في سَبيلي وإيمانٌ بي وتَصديقٌ برُسُلي فهو علَيَّ ضامِنٌ أن أُدخِلَه الجَنةَ أو أرجِعَه إلى مَسكَنِه الذي خرَجَ منه نائِلًا ما نالَ من أجرٍ أو غَنيمةٍ» (٢).
وعن سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ أنَّ أبا هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: سمِعتُ رَسولَ الله ﷺ يَقولُ: «مَثلُ المُجاهدِ في سَبيلِ الله -واللهُ أعلَمُ بمَن يُجاهِدُ في سَبيلِهِ- كمَثلِ الصائِمِ القائِمِ، وتَوكَّلَ اللهُ للمُجاهِدِ في سَبيلِه بأنْ يَتوَفاه أنْ يُدخِلَه الجَنةَ، أو يَرجِعَه سالِمًا مع أجرٍ أو غَنيمَةٍ» (٣).
(١) رواه مسلم (١٩٠٦).
(٢) رواه مسلم (١٨٧٦).
(٣) رواه البخاري (٢٧٨٧).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: قَولُه: «أو يَرجِعَه» بفَتحِ أوَّلِه، وهو مَنصوبٌ بالعَطفِ على يَتوفَّاه، قَولُه: «مع أجرٍ أو غَنِيمَةٍ» أي: مع أجرٍ خالِصٍ إنْ لم يَغنَمْ شَيئًا، أو مع غَنيمةٍ خالِصةٍ معها أجرٌ، وكأنَّه سكَتَ عن الأجرِ الثانِي الذي مع الغَنيمةِ لنَقصِه بالنِّسبةِ إلى الأجرِ الذي بلا غَنيمةٍ، والحامِلُ على هذا التَّأويلِ أنَّ ظاهِرَ الحَديثِ أنَّه إذا غنِمَ لا يَحصُلُ له أجرٌ، وليسَ ذلك مُرادًا، بل المُرادُ: أو غَنيمةٍ معها أجرٌ أنقَصُ من أجْرِ مَنْ لم يَغنَمْ؛ لأنَّ القَواعِدَ تَقتَضي أنَّه عندَ عَدمِ الغَنيمةِ أفضَلُ منه وأتَمُّ أجرًا عندَ وُجودِها، فالحَديثُ صَريحٌ في نَفيِ الحِرمانِ، وليسَ صَريحًا في نَفيِ الجَمعِ.
وقالَ الكرمانِيُّ رحمة الله عليه: مَعنى الحَديثِ أنَّ المُجاهِدَ إمَّا أنْ يُستشهَدَ أو لا، والثانِي لا يَنفَكُّ من أجرٍ أو غَنيمةٍ مع إمكانِ اجتِماعِهما، فهي قَضيةٌ مانِعةُ الخُلوِّ لا الجَمعِ، وقد قيلَ في الجَوابِ عن هذا الإشكالِ: إنَّ «أو» بمَعنى الواوِ، وبه جزَمَ ابنُ عبدِ البَرِّ والقُرطبيُّ ورجَّحَه التُّوربَشتيُّ، والتَّقديرُ: (بأجرٍ وغَنيمةٍ).
وقد وقَعَ كذلك في رِوايةٍ لمُسلمٍ من طَريقِ الأعرجِ عن أبي هُريرةَ، رَواه كذلك عن يَحيى بنِ يَحيى عن مُغيرةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أبي الزِّنادِ، وقد رَواه جَعفَرٌ الفِريابيُّ وجَماعةٌ عن يَحيَى بنِ يَحيى فقالُوا: (أجرٍ أو غَنيمةٍ) بصِيغةِ «أو».
وقد رَواه مالِكٌ في المُوطَّأِ بلَفظِ: (أو غَنيمةٍ) ولم يُختلَفْ عليه إلا في رِوايةِ يَحيى بنِ بُكَيرٍ عنه، فوقَع فيه بلَفظِ: (وغَنيمةٍ) ورِوايةُ يَحيى بنِ بُكَيرٍ عن مالِكٍ فيها مَقالَ، ووقَعَ عندَ النِّسائيِّ من طَريقِ الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ عن أبي هُريرةَ بالواوِ أيضًا، وكذا من طَريقِ عَطاءِ بنِ ميناءَ عن أبي هُريرةَ، وكذلك أخرَجَه أبو داودَ بإسنادٍ صَحيحٍ عن أبي أُمامةَ بلَفظِ: (بما نال مِنْ أجرٍ وغَنيمةٍ).
فإنْ كانَت هذه الرِّواياتُ مَحفوظةً تَعيَّنَ القَولُ بأنَّ «أو» في هذا الحَديثِ بمَعنى الواوِ، كما هو مَذهبُ نُحاةِ الكُوفيِّينَ، لكنَّ فيه إشكالًا صَعبًا؛ لأنَّه يَقتَضي من حيثُ المَعنى أنْ يَكونَ الضَّمانُ وقَعَ بمَجموعِ الأمرَينِ لكلِّ مَنْ رجَعَ، وقد لا يَتَّفِقُ ذلك؛ فإنَّ كَثيرًا من الغُزاةِ يَرجِعُ بغيرِ غَنيمةٍ.
فما فَرَّ منه الذي ادَّعى أنَّ «أو» بمَعنى الواوِ وقَعَ في نَظيرِه؛ لأنَّه يَلزمُ على ظاهِرِها أنَّ مَنْ رجَعَ بغَنيمةٍ رجَعَ بغيرِ أجرٍ، كما يَلزمُ على أنَّها بمَعنى الواوِ أنَّ كلَّ غازٍ يُجمَعُ له بينَ الأجرِ والغَنيمةِ معًا.
وقد رَوى مُسلِمٌ من حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ مَرفوعًا: «ما مِنْ غازيَةٍ تَغزو في سَبيلِ الله فيُصيبونَ الغَنيمةَ، إلا تَعجَّلوا ثُلثَيْ أجرِهِم مِنْ الآخِرةِ، ويَبقَى لهمُ الثُّلثُ، وإن لم يُصيبوا غَنيمَةً تمَّ لهُم أجرُهم» (١).
(١) رواه مسلم (١٩٠٦).
وهذا يُؤيِّدُ التَّأويلَ الأولَ، وهو: أنَّ الذي يَغنَمُ يَرجعُ بأجرٍ، لكنَّه أنقَصُ من أجرِ مَنْ لم يَغنمْ، فتَكونُ الغَنيمةُ في مُقابلةِ جُزءٍ من أجرِ الغَزوِ، فإذا قُوبلَ أجرُ الغانِمِ بما حصَلَ له من الدُّنيا وتَمتُّعِه بأجرِ مَنْ لم يَغنمْ مع اشتِراكِهما في التَّعبِ والمَشقةِ كانَ أجرُ مَنْ غنِمَ دونَ أجرِ مَنْ لم يَغنمْ، وهذا مُوافِقٌ لقَولِ خَبابٍ في الحَديثِ الصَّحيحِ الآتي: «فمِنَّا مَنْ ماتَ ولم يَأكلْ من أجرِه شَيئًا … » الحَديثَ.
واستَشكَلَ بعضُهم نَقصَ ثَوابِ المُجاهدِ بأخذِه الغَنيمةَ، وهو مُخالِفٌ لما يَدلُّ عليه أكثَرُ الأحاديثِ، وقد اشتُهِرَ تَمدُّحُ النَّبيِّ ﷺ بِحِلِّ الغَنيمةِ وجعَلَها من فَضائِلِ أُمَّتِه، فلو كانَت تَنْقُصُ الأجرَ ما وقَعَ التَّمدحُ بها.
وأيضًا: فإنَّ ذلك يَستلزِمَ أنْ يَكونَ أجرُ أهلِ بَدرٍ أنقَصَ من أجرِ أهلِ أُحدٍ مَثلًا مع أنَّ أهلَ بَدرٍ أفضَلُ بالاتِّفاقِ، وسبَقَ إلى هذا الإشكالِ ابنُ عبدِ البَرِّ وحَكاه عِياضٌ، وذكَرَ أنَّ بعضَهم أجابَ عنه بأنَّه ضعَّفَ حَديثَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو؛ لأنَّه مِنْ رِوايةِ حُمَيدِ بنِ هانِئٍ وليسَ بمَشهورٍ، وهذا مَردودٌ؛ لأنَّه ثِقةٌ يُحتَجُّ به عندَ مُسلمٍ وقد وثَّقَه النَّسائيُّ وابنُ يُونسَ وغيرُهما، ولا يُعرَفُ فيه تَجريحٌ لأحدٍ.
ومنهم مَنْ حمَل نَقصَ الأجرِ على غَنيمةٍ أُخذَت على غيرِ وَجهِها، وظُهورُ فَسادِ هذا الوَجهِ يُغني عن الإطنابِ في رَدِّه؛ إذْ لو كانَ الأمرُ كذلك لم يَبقَ لهم ثُلثُ الأجرِ ولا أَقلُّ منه.
ومنهم مَنْ حمَلَ نَقصَ الأجرِ على مَنْ قصَدَ الغَنيمةَ في ابتِداءِ جِهادِه، وحمَلَ تَمامَه على مَنْ قصَدَ الجِهادَ مَحضًا، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّ صَدرَ الحَديثِ مُصرِّحٌ بأنَّ المُقسَمَ راجعٌ إلى مَنْ أخلَصَ؛ لقَولِه في أوَّلِه: «لا يُخرِجُه إلَّا إيمانٌ بي وتَصديقٌ برُسُلي».
وقالَ عِياضٌ رحمة الله عليه: الوَجهُ عِندي إجراءُ الحَديثَينِ على ظاهرِهما واستِعمالُهما على وَجهِهما، ولم يُجبْ عن الإشكالِ المُتعلِّقِ بأهلِ بَدرٍ.
وقالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ رحمة الله عليه: لا تَعارُضَ بينَ الحَديثَينِ، بل الحُكمُ فيهما جارٍ على القياسِ؛ لأنَّ الأُجورَ تَتفاوَتُ بحسَبِ زِيادةِ المَشقةِ فيما كانَ أجرُه بحسَبِ مَشقَّتِه؛ إذْ للمَشقةِ دُخولٌ في الأجرِ، وإنَّما المُشكِلُ العَملُ المُتَّصلُ بأخذِ الغَنائمِ، يَعني: فلو كانَت تَنقصُ الأجرَ لما كانَ السَّلفُ الصالِحُ يُثابِرونَ عليها، فيُمكِنُ أنْ يُجابَ بأنَّ أخَذَها من جِهةِ تَقديمِ بعضِ المَصالحِ الجُزئيةِ على بَعضٍ؛ لأنَّ أخَذَ الغَنائمِ أوَّلَ ما شُرعَ كانَ عَونًا على الدِّينِ وقُوةً لضُعفاءِ المُسلِمينَ، وهي مَصلَحةٌ عُظمى يُغتفَرُ لها بعضُ النَّقصِ في الأجرِ من حيثُ هو.
وأمَّا الجَوابُ عمَّن استشكَلَ ذلك بحالِ أهلِ بَدرٍ؛ فالذي يَنبَغي هو أنْ يَكونَ التَّقابلُ بينَ كَمالِ الأجرِ ونُقصانِه لمَن يَغزو بنَفسِه إذا لم يَغنَمْ، أو لمَن يَغزُو فيَغنَمُ، فغايَتُه أنَّ حالَ أهلِ بَدرٍ مَثلًا عندَ عَدمِ الغَنيمةِ أفضَلُ منه عندَ وُجودِها، ولا يَنفي ذلك أنْ يَكونَ حالُهم أفضَلَ من حالِ غيرِهم من جِهةٍ أُخرى، ولم يَردْ فيهم نَصٌّ أنَّهم لو لم يَغنَموا كانَ أجرُهم بحالِه من غيرِ
زِيادةٍ، ولا يَلزمُ من كَونِه مَغفورًا لهم، وأنَّهم أفضَلُ المُجاهِدينَ ألَّا يَكونَ وَراءَهم مَرتَبةٌ أُخرى.
وأمَّا الاعتِراضُ بحِلِّ الغَنائمِ فغيرُ وارِدٍ؛ إذْ لا يَلزمُ من الحِلِّ ثُبوتُ وَفاءِ الأجرِ لكلِّ غازٍ، والمُباحُ في الأصلِ لا يَستلزِمَ الثَّوابَ بنَفسِه، لكنْ ثبَتَ أنَّ أخْذَ الغَنيمةِ واستِيلاءَها من الكُفارِ يُحصِّلُ الثَّوابَ، ومع ذلك مَع صِحةِ ثُبوتِ الفَضلِ في أخذِ الغَنيمةِ وصِحةِ التَّمدُّحِ بأخْذِها لا يَلزمُ من ذلك أنَّ كلَّ غازٍ يَحصُلُ له من أجرِ غَزاتِه نَظيرُ مَنْ لم يَغنَمْ شَيئًا ألبَتةَ.
قُلتُ: والذي مثَّل بأهلِ بَدرٍ أرادَ التَّهويلَ، وإلا فالأمرُ على ما تَقرَّرَ آخِرًا؛ بأنَّه لا يَلزمُ من كَونِهم مع أَخذِ الغَنيمةِ أنقَصُ أجرًا ممَّا لو لمْ يَحصُلْ لهم أجرُ الغَنيمةِ أنْ يَكونوا في حالِ أَخذِهم الغَنيمةَ مَفضولِينَ بالنِّسبةِ إلى مَنْ بعدَهم كمَن شهِد أُحدًا لكَونِهم لم يَغنَموا شَيئًا، بل أجرُ البَدريِّ في الأصلِ أضعافُ أجرِ مَنْ بعدَه، مِثالُ ذلك أنْ يَكونَ لو فُرضَ أنَّ أجرَ البَدريِّ بغيرِ غَنيمةٍ سِتُّمئةٍ، وأنَّ أجرَ الأُحديِّ مَثلًا بغيرِ غَنيمةٍ مِئةٌ، فإذا نَسَبنا ذلك باعتبارِ حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو كانَ للبَدريِّ لكَونِه أخَذَ الغَنيمةَ مِئتان -وهي ثُلثُ السِّتِّمئةِ- فيَكونُ أكثَرَ أجرًا من الأُحديِّ، وإنَّما امتازَ أهلُ بَدرٍ بذلك لكَونِها أوَّلَ غَزوةٍ شَهِدها النَّبيُّ ﷺ في قِتالِ الكُفارِ، وكانَت مَبدَأَ اشتِهارِ الإسلامِ وقُوةِ أهلِه، فكانَ لمَن شَهِدها مِثلُ أجرِ مَنْ شهِدَ المَغازيَ التي بعدَها جَميعًا، فصارَت لا يُوازيها شَيءٌ في الفَضلِ، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
واختار ابنُ عبدِ البَرِّ أنَّ المُرادَ بنَقصِ أجرِ مَنْ غنِمَ أنَّ الذي لا يَغنَمُ يَزدادُ أجرُه لحُزنِه على ما فاتَه مِنْ الغَنيمةِ كما يُؤجَرُ مَنْ أُصيبَ بمالِه فكانَ الأجرُ لِما نقَصَ عن المُضاعَفةِ بسَبَبِ الغَنيمةِ عندَ ذلك كالنَّقصِ من أصلِ الأجرِ، ولا يَخفى مُبايَنةُ هذا التأويلِ لسياقِ حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو الذي تَقدَّمَ ذِكرُه.
وذكَرَ بعضُ المُتأخِّرينَ للتَّعبيرِ بثُلثَيِ الأجرِ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو حِكمةً لطيفةً بالِغةً، وذلك أنَّ اللهَ ﷾ أعَدَّ للمُجاهِدينَ ثَلاثَ كَراماتٍ، منها كَرامَتان دُنيويِّتانِ وكَرامةٌ أُخرَويةٌ، فالدُّنيويَّتانِ السَّلامةُ والغَنيمةُ، والأُخرويةُ دُخولُ الجَنةِ، فإذا رجَعَ سالِمًا غانِمًا فقد حصَلَ له ثُلثا ما أعدَّ اللهُ ﷾ له وبَقيَ له عندَ اللهِ ﷾ الثُّلثُ، وإنْ رجَعَ بغيرِ غَنيمةٍ عوَّضَه اللهُ ﷾ عن ذلك ثَوابًا في مُقابَلةِ ما فاتَه.
وكانَ مَعنى الحَديثِ أنَّه يُقالُ للمُجاهِدِ إذا فات عليكَ شَيءٌ من أمرِ الدُّنيا عوَّضتُك عنه ثَوابًا، وأمَّا الثَّوابُ المُختصُّ بالجِهادِ فهو حاصِلٌ للفَريقَينِ معًا. قالَ: وغايةُ ما فيه عَدُّ ما يَتعلَّقُ بالنِّعمتَينِ الدُّنيويَّتينِ أجرًا بطَريقِ المَجازِ، واللهُ ﷾ أعلَمُ.
وفي الحَديثِ: أنَّ الفَضائِلَ لا تُدرَكُ دائِمًا بالقياسِ، بل هي بفَضلِ اللهِ، وفيه استِعمالُ التَّمثيلِ في الأحكامِ، وأنَّ الأعمالَ الصالِحةَ لا تَستلزمُ الثَّوابَ لأعيانِها، وإنَّما تَحصُلُ بالنِّيةِ الخالِصةِ إجمالًا وتَفصيلًا، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
(١) «فتح الباري» (٦/ ٧، ١٠)، وينظر: «التمهيد» (١٨/ ٣٤١، ٣٤٣)، و «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٧٨)، و «شرح مسلم» (١٣/ ٥١، ٥٣)، و «طرح التثريب» (٧/ ١٨٥)، و «الآداب الشرعية» (٣/ ١٩٤)، و «عمدة القاري» (١٤/ ٨٥)، و «الديباج على مسلم» (٤/ ٥٠١).
المجموع شرح المهذب · النووي · كتاب الحدود
باب حد السرقة
والصحيح عندي أن حقيقة توبة المرء لا يعلمها إلا الله، ومن تاب عندنا فإن غاية ما لنا أن نجامله به هو أن لا نسميه الفاسق ولا نذكره بالفسق، وليس من الصحيح أن نبالغ في مجاملته حتى نعود إلى الثقة بقوله لمجرد أنه قد تاب عندنا في ظاهر الامر.
١١ - أن يكون حد القذف في الضرب أخف من ضرب الزانى.
١٢ - اتفق الفقهاء على أن من لقى حده مرة في القذف لا يؤاخذ إلا إذا جاء بتهمة جديدة أخرى.
١٣ - والفقهاء بينهم خلاف حول قذف الجماعة، فالحنفية يرون أن من قذف عدة أفراد بلفظ أو بألفاظ لا يلقى إلا حدا واحد، لانه ما من تهمة بالزنا إلا وهى تتناول عرض شخصين، وعلى العكس من ذلك يقول الشافعي إن من قذف جماعة بلفظ أو بألفاظ متكررة يقام عليه الحد لكل فرد منهم على حدة، وبهذا يقول عثمان البتى وابن أبى ليلى ويوافق عليه الشعبى والاوزاعي هذه الخلاصة التى أوردتها لك هي ما كنت أحب أن أتبع كل باب من أبواب الفقه الواردة بمثلها لولا ضيق المقام.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب حد السرقة
اللغة: السارق الذى يأخذ الشئ على وجه الاستخفاء بحيث لا يعلم به المسروق منه، مأخود من مسارقة النظر، ومن قوله تعالى (إلا من استرق السمع) والمنتهب الذى يأخذ بالقهر والغلبة مع العلم به، وأصل النهب الغنيمة، والانتهاب الافتعال من ذلك، والمختلس الذى يأخذ الشئ عيانا ثم يهرب، مثل أن يمد يده إلى منديل إنسان فيأخذه، هكذا ذكره في البيان.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
ومن سرق وهو بالغ عاقل مختار التزم حكم الاسلام نصابا من المال الذى يقصد إلى سرقته من حرز مثله لا شبهة له فيه وجب عليه القطع، والدليل عليه
ارجع إلى الغنائم وأحكامها للاطلاع على جميع المسائل.