الإسلام > الجنايات والحدود > القصاص في الأطراف والجراحات > الشرط السادس: أن لا يكون بأحد الطرفين شلل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةوقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: ولا يُؤخذُ الصَّحيحُ مِنْ الأطرافِ إلا بالصَّحيحِ منها، فلا تُقطعُ اليَدُّ الصَّحيحةُ ولا كامِلةُ الأصابعِ بناقِصةِ الأصابعِ أو مَفصلٍ مِنْ الأصابعِ، وكذلكَ الرِّجلُ والأصبعُ وغيرُها؛ لعَدمِ المُماثلةِ بينَ الصَّحيحِ والمَعيبِ (١).
وقالَ الإمامُ العينيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعُوا أيضًا أنَّ اليُمنَى لا تُؤخذُ باليُسرَى، ولا اليُسرَى باليُمنَى، ولا يُؤخذُ شَيءٌ مِنْ الأعضاءِ إلا بمِثلِه مِنْ القاطعِ، الإبهامُ بالإبهامِ، والسَّبابةُ بالسبَّابةِ، والوُسطَى بالوُسطَى، والخِنصرُ بالخِنصرِ، والبُنصرُ بالبُنصرِ، وكذلكَ الأسنانُ الثنيَّةُ بالثنيةِ، والنابُ بالنابِ، والضِّرسُ بالضِّرسِ، ولا يُؤخذُ الأعلَى بالأسفلِ، ولا الأسفلُ بالأعلَى، وكذلكَ الشِّجاجُ والجِراحاتُ لا تقتضي فيما يَجبُ القِصاصُ منه إلا في مَوضعِ الشَّجةِ والجِراحةِ في المَشجوجِ والمَجروحِ (٢).
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ لا يَكونَ بأحدِ الطَّرفينِ شَللٌ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه لا تُقطعُ اليَدُ الصَّحيحةُ باليَدِ الشلَّاءِ، فمَن قطَعَ يَدَ غيرِه وكانَت يَدُه التي قطَعَها شلَّاءَ فلا تُقطعُ يَدُ الجاني الصَّحيحةُ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه لا تُقطعُ اليدُ الصَّحيحةُ باليدِ الشلَّاءِ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٢٩٨).
(٢) «البناية شرح الهداية» (١٣/ ١٠٩).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٢٢٩).
وقالَ الإمامُ العينيُّ رحمة الله عليه: أجمَعُوا أنَّ الصَّحيحةَ لا تُؤخذُ بالشلَّاءِ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا تُقطعُ يَدٌ أو رِجلٌ صَحيحةٌ بشلَّاءَ وإنْ رَضيَ به الجاني، وإنما الواجِبُ في الطرَفِ الأشَلِّ الحُكومةُ، كما لا يُقتلُ الحُرُّ بالعَبدِ والمُسلمُ بالذِّميِّ وإنْ رَضيَ الجاني، فلو خالَفَ المَجنيُّ عليهِ وقطَعَ الصَّحيحةَ لم تَقعْ قِصاصًا، بل عليهِ نِصفُ الديَةِ، ولو سَرَى فعَليهِ القصاصُ في النفسِ، فإنْ كانَ قطَعَ بإذنِ الجاني فلا قِصاصَ عندَ السِّرايةِ؛ لأنه بإذنٍ، ثم يُنظَرُ إنْ قالَ الجاني: «اقطَعْ يَدِي» وأطلَقَ جُعلَ المَجنيُّ عليهِ مُستوفِيًا لحَقِّه ولم يَلزمْه شيءٌ، وإنْ قالَ: «اقطَعْها عِوضًا عن يَدِكَ، أو قِصاصًا» فوَجهانِ:
أحَدُهما وبه قطَعَ البَغويُّ: أنَّ على المَجنيِّ عليهِ نِصفُ الديةِ وعلى الجاني الحُكومةُ؛ لأنه لم يَبذلْها مجَّانًا.
والثاني: لا شيءَ على المَجنيِّ عليهِ وكأنَّ الجاني أدَّى الجَيدَ عن الرَّديءِ وقبَضَه المُستحقُّ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا كانَ القاطعُ سالِمَ الطَّرفِ والمَقطوعةُ شلَّاءَ فلا قوَدَ).
لا نَعلمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ قالَ بوُجوبِ قَطعِ يَدٍ أو رِجلٍ أو لِسانٍ صَحيحٍ بأشَلٍّ، إلا ما حُكيَ عن داودَ أنه أوجَبَ ذلكَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٌ منهُما مُسمًّى باسمِ صاحبِه فيُؤخذُ به كالأذُنينِ.
(١) «البناية شرح الهداية» (١٣/ ١٠٩).
(٢) «روضة الطالبين» (٦/ ٢٠٧، ٢٠٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)
اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)
ارجع إلى القصاص في الأطراف والجراحات للاطلاع على جميع المسائل.