ثانيا: أهل الذمة

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات المالية لأهل الذمة > ثانيا: أهل الذمة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 7 دقيقة قراءة

ثانيا: أهل الذمة - الأقوال والأدلة

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: فأيُّ إِجماعٍ يَكونُ أَقوى من هذا؟

ولا يُؤخذُ العُشرُ من أقَلَّ من عَشرةِ دَنانيرَ، وذكَرَ المُوفَّقُ أنَّ للإمامِ تَركَ العُشرِ إذا رَأى المَصلحةَ في ذلك (١).

ثانيًا: أهلُ الذِّمةِ:

أهلُ الذِّمةِ: هُمْ غيرُ المُسلِمينَ من النَّصارى واليَهودِ والمَجوسِ الذين يُقيمونَ في دارِ الإسلامِ بمُوجِبِ عَقدِ الذِّمةِ كما تَقدَّم.

وقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا انتَقلَ الذِّميُّ بتَجارتِه إلى غيرِ البَلدِ الذي أُقِرَّ على المُقامِ فيه: كالشاميِّ يَنتقِلُ إلى مِصرَ أو العِراقِ أو الحِجازِ.

فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ على الذِّميِّ إنِ اتَّجَر نِصفَ العُشرِ في تِجارتِه يُؤدِّيه في العامِ مَرةً، كما يُؤدِّي المُسلِمُ زَكاةَ تِجارتِه، وهي رُبعُ العُشرِ في كلِّ عامٍ، فالمُسلمُ والذِّميُّ سيّانِ إلا في مِقدارِ العُشرِ، وقالُوا: إنَّ ما يَدفعُه الذِّميُّ هو جِزيةٌ في مالِه، كما يُسمَّى خَراجُ أَرضِه جِزيةً، فالجِزيةُ عندَهم أَنواعٌ: جِزيةُ مالٍ وجِزيةُ أَرضٍ وجِزيةُ رأسٍ، ولا يَلزمُ من أخذِ بَعضِها سُقوطُ باقيها إلا في بَني تَغلِبَ (٢).

قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وإنْ كانَ ذِميًّا يُؤخَذُ منه نِصفُ العُشرِ ويُؤخَذُ على شَرائِطِ الزَّكاةِ، لكنْ يُوضَعُ مَوضعَ الجِزيةِ والخَراجِ ولا تَسقطُ عنه جِزيةُ رأسِه في تلك السَّنةِ غيرَ نَصارى بَني تَغلِبَ؛ لأنَّ عُمرَ رضي الله عنه

(١) «المغني» (١٢/ ٦٨٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٣٨)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٣١).
(٢) «ابن عابدين» (٢/ ٣١٣)، و «البحر الرائق» (٢/ ٢٥٠)، و «البدائع» (٢/ ٣٨).

صالَحهم من الجِزيةِ على الصَّدقةِ المُضاعَفةِ، فإذا أخَذَ العاشِرُ منهم ذلك سقَطَت الجِزيةُ عنهم (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العُشرَ يُؤخذُ من الذِّميِّينَ لهذا الانتِقالَ؛ لأنَّهم عُوهِدوا على التِّجارةِ وتَنميةِ أَموالِهم بآفاقِهم التي استَوطَنوها، فإذا طلَبوا تَنميةَ أَموالِهم بالتِّجارةِ إلى غيرِ ذلك من آفاقِ المُسلِمينَ، كانَ عليهم في ذلك حقٌّ غيرُ الجِزيةِ التي صُولِحوا عليها، وأنَّه يُؤخذُ منهم نِصفُ العُشرِ في الطَّعامِ الذي يَجلِبونَه إلى مَكةَ أو المَدينةِ؛ لحاجةِ أهلِ الحَرمَينِ وما أُلحِقَ بهما إليه (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ عليهم شَيءٌ سِوى الجِزيةِ إنِ اتَّجَروا فيما سِوى الحِجازِ من بِلادِ الإِسلامِ، إلا إذا شرَطَ الإمامُ عليهم مع الجِزيةِ شَيئًا من تِجارَتِهم؛ فإنْ دخَلوا بِلادَ الحِجازِ يُنظَرُ إنْ كانَ لنَقلِ طَعامٍ أو نَحوِه يَحتاجُ إليه أهلُ الحِجازِ أذِنَ لهم بغيرِ شَيءٍ.

وإنْ كانَ لتِجارةٍ لا حاجةَ بأهلِ الحِجازِ إليها كالعِطرِ لمْ يأذَنْ لهم، إلا أنْ يشتَرِطَ عليهم عِوضًا بحسَبِ ما يراه، وكانَ عُمرُ رضي الله عنه يشتَرِطُ العُشرَ في بعضِ الأمتِعةِ كالقَطيفةِ، ونِصفَ العُشرِ في القَمحِ والشَّعيرِ على مَنْ دخَلَ دارَ الحِجازِ من أهلِ الذِّمةِ (٣).

(١) «البدائع» (٢/ ٣٨).
(٢) «المدونة الكبرى» (١/ ٣٣٢)، و «الكافي» (١/ ٤٨٠)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٣)، «بلغة المسالك لأقرب المسالك» (٢/ ٢٠٧).
(٣) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٢٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٧)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٢٩)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٣).

وقالَ الحَنابِلةُ: من يَجزْ من أهلِ الذِّمةِ إلى غيرِ بَلدِه أُخذَ منه نِصفُ العُشرِ في السَّنةِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: اشتَهرَ هذا عن عُمرَ رضي الله عنه وصحَّت الرِّوايةُ عنه به، ثم قالَ: ولنا قَولُ النَّبيِّ : «إنَّما العُشورُ على اليَهودِ والنَّصارى، وليسَ على المُسلِمينَ عُشورٌ» (١).

عن أنسِ بنِ سِيرينَ، قالَ: «بعَثَني أنسُ بنُ مالِكٍ إلى العُشورِ، فقُلتُ: تبعَثُني إلى العُشورِ من بينِ عُمَّالِك؟ قالَ: أما تَرضى أنْ أجعلَك على ما جعَلني عليه عُمرُ بنُ الخَطابِ رضي الله عنه؟ أمَرَني أنْ آخُذَ من المُسلِمينَ رُبعَ العُشرِ، ومن أهلِ الذِّمةِ نِصفَ العُشرِ» (٢).

وهذا كانَ بالعِراقِ.

ورَوى أبو عُبيدٍ في كِتابِ الأموالِ بإسنادِه عن لاحِقِ بنِ حُمَيدٍ، أنَّ عُمرَ بعَثَ عُثمانَ بنَ حُنَيفٍ إلى الكُوفةِ (فجعَلَ على أهلِ الذِّمةِ فِي أموالِهم التي يَختلِفونَ فيها، في كلِّ عِشرينَ دِرهمًا دِرهمًا).

وقد ذكَرْنا حَديثَ زيادِ بنِ حُدَيرٍ، أنَّ عُمرَ (أمَرَه أنْ يَأخذَ من نَصارى بَني تَغلِبَ العُشرَ، ومن نَصارى أهلِ الكِتابِ نِصفَ العُشرِ).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٠٤٦)، والترمذي (٦٣٤)، والإمام أحمد في «مسنده» (٣/ ٤٧٤).
(٢) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٩/ ٢٠٩)، وأبو عبيد في «الأموال» (١/ ٦٤٠)، والإمامُ أحمدُ كما قالُ ابنُ القَيمِ في «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٢٨) بإِسنادٍ صَحيحٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 652 - 654

ارجع إلى المعاملات المالية لأهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله