ثانيا: المقدار الواجب في تجارة الحربي

الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات المالية لأهل الذمة > ثانيا: المقدار الواجب في تجارة الحربي

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 8 دقيقة قراءة

ثانيا: المقدار الواجب في تجارة الحربي - الأقوال والأدلة

ولمْ يُخالِفْه أحدٌ منهم، قالَ الكاسانِيُّ: فيَكونُ إِجماعًا (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجبُ في مالِ الذِّميِّ العُشرُ كامِلًا، ويُستَثنى من ذلك ما يَجلِبُه من طَعامٍ إلى المَدينةِ المُنورةِ ومَكةَ المُكرمةِ، فيؤَخذُ منه نِصفُ العُشرِ، واستدَلُّوا لذلك بما رَوى مالِكٌ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّه قالَ: كُنْتُ غُلامًا عامِلًا مع عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ على سُوقِ المَدينةِ في زَمانِ عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه، فكُنا نَأخذُ من النَّبطِ العُشرَ.

واختَلفَ المالِكيةُ في المُرادِ بالطَّعامِ الذي يَخضعُ لهذا التَّخفيفِ، فقيل: الحِنطةُ والزَّيتُ، ولكنَّ المُقرَّرَ في المَذهبِ، أنَّه جَميعُ المُقتاتِ أو ما يَجري مَجراه كالحُبوبِ والأَدهانِ.

وذهَبَ الشافِعيةُ -وهو قَولُ ابنِ نافِعٍ وابنِ القاسِمِ من المالِكيةِ- إلى أنَّ قَدرَ المَشروطِ على أهلِ الذِّمةِ من العُشورِ مَنوطٌ برأيِ الإمامِ (٢).

ثانيًا: المِقدارُ الواجِبُ في تِجارةِ الحَربيِّ:

ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُؤخذُ من الحَربيِّ مِثلُ ما يَأخذُه الحَربيُّونَ من تُجارِ المُسلِمينَ؛ فإنْ علِمنا أنَّهم يَأخُذونَ منا العُشرَ أخَذْنا من تُجارِهم العُشرَ، وإنْ أخَذوا نِصفَ العُشرِ أخَذْنا من تُجارِهم مِثلَ ذلك، واستدَلُّوا لذلك بقَولِ

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٩)، وانظر: «الهداية» (١/ ١٠٦)، و «الاختيار» (١/ ١٢٣).
(٢) «الموطأ شرح الزرقاني» (٢/ ١٤٣)، و «بلغة السالك» (٢/ ٢٠٦)، و «بداية المجتهد» (١/ ٥٤٣)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٦٧)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٧)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٣٨).

عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه لأبي موسى الأشعَريِّ رضي الله عنه: «كَيفَ يَأخُذونَ منكم إذا دخَلْتم إليهم؟ قالُوا: العُشرَ، قالَ: فكذلك خُذوا منهم».

ولأنَّ ذلك أدْعَى لهم إلى المُخالَطةِ بدارِ الإسلامِ فيَرَونَ مَحاسنَ الإِسلامِ فيَدعوهم ذلك إلى الإِسلامِ، وفي حالةِ عَدمِ العِلمِ بمِقدارِ ما يَأخُذونَه من تُجارِ المُسلِمينَ يُؤخذُ من تُجارِهم العُشرُ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ تُجارِ أهلِ الحَربِ وأهلِ الذِّمةِ في المِقدارِ الواجِبِ عليهم إذا مَرُّوا بتِجارةٍ على العاشرِ، فيُؤخذُ منهم العُشرُ من غيرِ الطَّعامِ، ونِصفُ العُشرِ إذا جلَبوا الطَّعامَ، وما في معناهُ إلى مَكةَ والمَدينةِ، لكنَّهم أَجازوا بالنِّسبةِ لتُجارِ أهلِ الحَربِ أنْ يُؤخذَ منهم أكثَرُ من العُشرِ إنِ اشتُرطَ ذلك عليهم (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ -وهو قَولُ ابنِ نافعٍ وابنِ القاسِمِ من المالِكيةِ- إلى أنَّ تَقديرَ العُشورِ التي تُؤخذُ من التاجِرِ الحَربيِّ مَتروكٌ إلى اجتِهادِ الإمامِ حسَبَ ما تَقضيه المَصلحةُ العامةُ، فيَجوزُ له أنْ يَشتَرطَ أخْذَ العُشرِ أو أكثَرَ منه أو دُونَه، ويَجوزُ له عَدمُ أخذِ شَيءٍ إذا جلَبَ الحَربيُّ بِضاعةً يَحتاجُ إليها المُسلِمونَ (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٣٨)، «حاشية ابن عابدين» (٢/ ٣١٤)، و «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٤٦٦)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٣٨).
(٢) «بلغة السالك» (٢/ ٢٠٦)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٦٧)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٣٨).
(٣) «المدونة» (١/ ٢٤١)، و «روضة الطالبين» للنووي (١٠/ ٣١٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٤٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود

وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 663 - 664

ارجع إلى المعاملات المالية لأهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله