الإسلام > الجنايات والحدود > المعاملات المالية لأهل الذمة > حكم من نقض العهد منهم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةحُكمُ مَنْ نقَضَ العَهدَ منهم:
إذا نقَضَ الذِّميُّ العَهدَ فهو بمَنزِلةِ المُرتدِّ في جَميعِ أَحكامِه، ويُحكَمَ بمَوتِه باللَّحاقِ بدارِ الحَربِ؛ لأنَّه التحَق بالأَمواتِ، وتَبِينُ منه زَوجتُه الذِّميةُ التي خلَّفَها في دارِ الإسلامِ، وتُقسَّمُ تَرِكتُه، وإذا تابَ ورجَعَ تُقبَلُ تَوبتُه وتَعودُ ذِمَّتُه، إلا أنَّه لو غلَبَ عليه المُسلِمونَ وأُسِر يُستَرقُّ، بخِلافِ المُرتَدِّ، وهذا كلُّه عندَ الحَنفيةِ (١).
وفصَّل المالِكيةُ والشافِعيةُ في حُكمِ ناقِضِ العَهدِ، حسَبَ اختِلافِ أسبابِ النَّقضِ:
فقالَ المالِكيةُ: قُتلَ بسَبِّ نَبيٍّ بما لمْ يَكفُرْ به وُجوبًا، وبغَصبِ مُسلمةٍ على الزِّنا، أو غَرِّها بإِسلامِه فتَزوجَتْه وهو غيرُ مُسلمٍ وأبى الإِسلامَ بعدَ ذلك، أمَّا المُطَّلِعُ على عَوراتِ المُسلِمينَ فيَرى الإمامُ فيه رَأيَه بقَتلٍ أو استِرقاقٍ.
ومَنِ التحَق بدارِ الحَربِ ثم أسَره المُسلِمونَ جازَ استِرقاقُه، وإنْ خرَجَ لظُلمٍ لحِقه لا يُستَرقُّ ويُردُّ لجِزيتِه.
وأمَّا قَطعُ الطَّريقِ والسَّرقةُ ونَحوُهما، فحُكمُه فيها حُكمُ المُسلِمينَ، يُقامُ عليه فيها الحَدُّ كما يُقامُ على المُسلِمينَ، وليسَ ذلك من بابِ نَقضِ العَهدِ.
(١) «ابن عابدين» (٣/ ٢٧٧)، و «البناية على الهداية» (٥/ ٨٤٢).
قالُوا: وأمَّا رَفعُ أَصواتِهم بكِتابِهم ورُكوبِ السُّروجِ وتَركُ الغيارِ وإِظهارُ مُعتقَدِهم في عيسى ونَحوُ ذلك ممَّا لا ضَررَ فيه على المُسلِمينَ؛ فإنَّما يُوجِبُ التأديبَ لا القَتلَ.
قالُوا: وإذا ظهَرَ نَقضُ العَهدِ من بَعضِهم؛ فإنْ أنكَرَ عليه الباقونَ وظهَرَ منهم كَراهيةُ ذلك اختَصَّ النَّقضُ به.
وإنْ ظهَرَ رِضاهُم بذلك كانَ نَقضًا من جَميعِهم، فعَلامةُ بَقائِهم على العَهدِ إِنكارُهم على مَنْ نقَضَ عَهدَه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ انتَقضَ عَهدُه بقِتالٍ يُقتَل، وإنِ انتَقضَ عَهدُه بغيرِه (كما لو زَنى ذِمِّيٌّ بمُسلِمةٍ أو أَصابَها بنِكاحٍ أو دلَّ أهلَ الحَربِ على عَورةِ المُسلِمينَ أو فتَنَ مُسلمًا عن دِينِه أو طعَنَ في الإِسلامِ أو القُرآنِ أو ذكَرَ الرَّسولَ ﷺ بسُوءٍ) لم يَجبْ إِبلاغُه مأمَنَه في الأظهَرِ؛ بل يَختارُ الإمامُ فيه قَتلًا أو رِقًّا أو مَنًّا أو فِداءً (٢).
أمَّا الحَنابِلةُ، فلم يُفرِّقوا بينَ أَسبابِ النَّقضِ في الرِّوايةِ المَشهورةِ، وقالُوا: خُيِّرَ الإمامُ فيه بينَ أربَعةِ أشياءَ، هي: القَتلُ والاستِرقاقُ والفِداءُ والمَنُّ، كالأَسيرِ الحَربيِّ؛ لأنَّه كافِرٌ، قدِرَنا عليه في دارِنا بغيرِ عَهدٍ ولا
(١) «جواهر الإكليل» (١/ ٢٦٩)، و «الشرح الكبير» (٢/ ٢٠٥)، و «منح الجليل» (٣/ ٢٢٥)، و «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٢١٤).
(٢) «الأم» (٤/ ١٨٨)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٣٩)، و «منهاج الطالبين» (١/ ١٤٠)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٨، ٢٥٩)
عَقد، فأشبَه اللِّصَّ الحَربيَّ، ويَحرُمُ قَتلُه بسَببِ نَقضِ العَهدِ إذا أسلَمَ (١).
هذا، ولا يَبطُلُ أمانُ ذُرِّيَّتِهم ونِسائِهم بنَقضِ عَهدِهم عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ)؛ لأنَّ النقضَ إنَّما وُجدَ من الرِّجالِ البالِغينَ دونَ الذُّرِّيةِ، فيَجبُ أنْ يَختَصَّ حُكمُه بهم، ويُفهَمُ من كَلامِ المالِكيةِ أنَّه تُسترَقُّ ذُرِّيتُهم (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ولو أسلَمَ من انتَقضَ عَهدُه قبلَ أنْ يَختارَ الإمامُ شَيئًا، قالَ الأَصحابُ: لا يَجوزُ استِرقاقُه، بخِلافِ الأَسيرِ؛ لأنَّه لمْ يَحصُلْ في يَدِ الإِمامِ بالقَهرِ، فخَفَّ أمرُه، وهل يَبطُلُ أمانُ النِّساءِ والصِّبيانِ تَبعًا كما يَثبُتُ تَبعًا؟
وَجهان، أصَحُّهما: لا، إذا لمْ تُوجَدَ منهم خِيانةٌ ناقِضةٌ، فعلى هذا لا يَجوزُ سَبيُهم، ويَجوزُ تَقريرُهم في دارِنا؛ فإنْ طلَبوا الرُّجوعَ إلى دارِ الحَربِ أُجيبَ النِّساءُ دونَ الصِّبيانِ؛ إذْ لا حُكمَ لقَولِهم قَبلَ البُلوغِ؛ فإنْ كانَ الطالِبُ ممَّن يَستحِقُّ الحَضانةَ أُجيبَ إليه وإلا فلا، ولو نبَذَ ذِميٌّ إلينا العَهدَ واختارَ اللَّحاقَ بدارِ الحَربِ بلَّغناه المَأمَنَ على المَذهبِ، وأجرى القاضي حُسَينٌ فيه القَولَينِ؛ لأنَّه كافِرٌ لا أمانَ له (٣).
(١) «كشاف القناع» (٣/ ١٤٤)، و «المغني» (٨/ ٤٥٩، ٥٢٩).
(٢) «ابن عابدين» (٣/ ٢٧٧)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٢٦٩)، و «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٣٩)، و «مغني المحتاج» (٤/ ٢٥٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٤٤).
(٣) «روضة الطالبين» (١٠/ ٣٣٩).
وقالَ المِرداويُّ رحمة الله عليه: ولا يُنتقَضُ عَهدُ نِسائِه وأولادِه بنَقضِ عَهدِه، هذا المَذهبُ، وسَواءٌ لحِقوا بدارِ الحَربِ أو لا (١).
(١) «الإنصاف» (٤/ ٢٥٦).
كتاب البغاة
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه
مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.
وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه
أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.
ارجع إلى المعاملات المالية لأهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.