الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت الزنا > إذا رجعوا عن الشهادة أو أحدهم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةسيِّدُنا عمرُ رضي الله عنه: الحمَدُ للهِ الذي لم يَفضحْ رَجلًا منْ أصحابِ مُحمدٍ ﷺ، وحَدَّ الثلاثةَ»، وكانَ ذلكَ بمَحضرٍ مِنْ الصحابةِ الكِرامِ رضي الله عنهم ولم يُنقَلْ أنه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ فيكونُ إجماعًا، ولأنَّ المَوجودَ مِنْ الشُّهودِ كلامُ قذفٍ حَقيقةً؛ إذِ القَذفُ هو النِّسبةُ إلى الزنا، وقد وُجِدَ مِنْ الشهودِ حَقيقةً، فيَدخلونَ تحتَ آيةِ القَذفِ، إلا أنَّا اعتبَرْنا تمامَ عدَدِ الأربعِ إذا جاؤُوا مَجيءَ الشُّهودِ، فقدْ قصَدُوا إقامةَ الحِسبةِ واجبًا حقًّا للهِ تعالَى، فخرَجَ كَلامُهم عن كَونِه قَذفًا وصارَ شهادةً شرعًا، فعِندَ النُّقصانِ بقيَ قَذفًا حَقيقةً، فيُوجِبُ الحَدَّ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه إذا لم يَكملْ شُهودُ الزِّنا أربعةً فإنهمْ قذَفةٌ يُحَدُّونَ، إلا ما رُويَ عن الشافِعيِّ في أحَدِ قولَيه: أنهم لا يُحدُّونَ (٢).
إذا رَجعُوا عن الشَّهادةِ أو أحَدُهم:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الشُّهودَ الأربَعةَ إذا شَهدُوا بالزنا ثمَّ رجَعَ واحِدٌ منهُم أنه لا يُقامُ الحدُّ؛ لأنه يحتملُ أنْ يكونُوا صادِقينَ في الشَّهادةِ كاذِبينَ في الرُّجوعِ، ويَجوزُ أنْ يكونُوا صادِقينَ في الرُّجوعِ كاذِبينَ في الشهادةِ، ولم يُحكَمْ مع الشَّكِّ، كما لو جُهلَ عَدالةُ الشُّهودِ.
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٧، ٤٨).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٦٠).
وأيضًا فإنَّ كَذِبَهم ثابتٌ لا مَحالةَ؛ إمَّا في الشهادةِ أو الرُّجوعِ، ولا يَجوزُ الحُكمُ بشَهادةِ الكذابِ، ولا يَفسُقونَ برُجوعِهم إلَّا إنْ قالُوا: «تَعمَّدْنا شَهادةَ الزُّورِ» فيَفسقونَ.
قالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: قالَ الشيخُ أبو حامِدٍ: وهو إجماعٌ، إلا ما حُكيَ عن أبي ثَورٍ أنه قالَ: (يُحكَمُ بشَهادتِهما؛ لأنَّ الشهادةَ قد حَصلَتْ، فلمْ تَبطلْ بالرُّجوعِ كما لو رَجعُوا بعدَ الحُكمِ).
وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ الحاكِمَ إنما يَحكمُ بشَهادتِهم، فإنْ رَجعُوا .. لم تَبْقَ هناكَ شَهادةٌ يَحكمُ بها، ولأنَّ الحاكِمَ إنما يَجوزُ له أنْ يَحكمَ بشَهادةٍ يَغلبُ على ظنِّه صِدقُ شُهودِها، فإذا رَجعُوا عن الشهادةِ .. احتُملَ أنْ يكونُوا صادقِينَ في الشهادةِ كاذِبينَ في الرجوعِ، واحتُملَ أنْ يكونُوا كاذبِينَ في الشهادةِ وصادقِينَ في الرُّجوعِ، وذلكَ يُوقِعُ شَكًّا في شهادَتِهم، فلم يَجُزِ الحُكمُ بشَهادتِهم كما لو فَسقُوا بعدَ الشهادةِ وقبْلَ الحُكمِ بها (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يُقامُ على جَميعِهم حَدُّ القذفِ؟ أم على الرَّاجعِ وحْدَه؟ أم الثَّلاثةِ دونَ الراجعِ؟ وهل هُناكَ فَرقٌ بينَ الرُّجوعِ قبلَ الحُكمِ بالشَّهادةِ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يُحَدُّ مِنْ الشُّهودِ الراجِعُ عن شَهادتِه؛ لاعتِرافِه بالقَذفِ؛ لأنه مُقِرٌّ على نَفسِه بالكذبِ في قذفِه، ولم يُحَدَّ مَنْ لم يَرجعْ عنها؛ لأنَّ مَنْ وجَبَ الحَدُّ بشَهادتِه لم يُحَدَّ إذا أقامَ على
(١) «البيان» (١٣/ ٣٩٢)، و «المهذب» (٢/ ٣٤٠)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٤١٨).
شَهادتِه، كما لو لم يَرجعْ واحدٌ منهُم، ولأنَّ نُقصانَ العَددِ بعدَ كَمالِه لا يُوجِبُ حَدَّ مَنْ بقيَ، كما لو ماتَ بَعضُهم أو فسَقَ قبْلَ إقامةِ الحَدِّ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في أصَحِّ الرِّوايتَينِ إلى أنَّ الشهودَ إذا رَجعُوا عن الشهادةِ أو واحدٌ منهُم فعَلى جَميعِهم الحَدُّ؛ لأنه نقَصَ العددُ بالرُّجوعِ قبْلَ إقامةِ الحَدِّ، فلَزمَهم الحدُّ كما لو شَهدَ ثلاثةٌ وامتَنعَ الرابعُ مِنْ الشهادةِ.
قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: إذا رجَعَ واحِدٌ منهم فإنْ كانَ قبْلَ القَضاءِ يُحَدونَ جَميعًا عندَ أصحابِنا الثلاثةِ، وعندَ زُفرَ يُحَدُّ الراجعُ خاصةً.
وجهُ قولِه أنَّ كَلامَهم وقَعَ شَهادةً قذفًا لكَمالِ نِصابِ الشَّهادةِ، وهو عَددُ الأربَعةِ، وإنما يَنقلبُ قَذفًا بالرُّجوعِ، ولم يُوجَدْ إلا مِنْ أحَدِهم، فيَنقلبُ كَلامُه قذفًا خاصةً، بخِلافِ ما إذا شَهدَ ثلاثةٌ بالزنا أنهم يُحَدونَ؛ لأنَّ هناكَ نِصابُ الشَّهادةِ لم يَكملْ، فوقَعَ كَلامُهم مِنْ الابتِداءِ قذفًا.
ولنَا: أنَّ كَلامَهم لا يَصيرُ شَهادةً إلا بقَرينةِ القَضاءِ، ألَا ترَى أنها لا تَصيرُ حُجَّةً إلا بهِ، فقبْلَه يكونُ قذفًا لا شهادةً، فكانَ يَنبغِي أنْ يُقامَ الحدُّ عليهِم بالنصِّ؛ لوُجودِ الرَّميِ منهُم، إلا أنه لا يُقامُ؛ لاحتِمالِ أنْ يَصيرَ شَهادةً بقَرينةِ القَضاءِ، ولئلَّا يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ الشهادةِ، فإذا رجَعَ أحَدُهم زالَ هذا المعنَى، فبَقيَ كَلامُهم قذفًا فيُحَدونَ، وصارَ كما لو كانَ الشُّهودُ مِنْ الابتداءِ ثلاثةً، فإنهم يُحدُّونَ؛ لوُقوعِ كَلامِهم قذفًا، كذا هذا.
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٣٥)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٢٩٤).
وإنْ كانَ بعدَ القَضاءِ قبلَ الإمضاءِ فإنهم يُحَدونَ جَميعًا عندَهما، وعندَ مُحمدٍ الراجِعُ خاصَّةً.
وجهُ قولِه: أنَّ كَلامَهم وقَعَ شَهادةً؛ لاتِّصالِ القَضاءِ به، فلا يَنقلبُ قَذفًا إلَّا بالرُّجوعِ، ولم يَرجعْ إلَّا واحدٌ منهُم، فيَنقلبُ كَلامُه خاصَّةً قذفًا، فلمْ يَصحَّ رُجوعُه في حقِّ الباقينَ، فبَقيَ كلامُهم شَهادةً فلا يُحدُّونَ.
ولهُمَا: أنَّ الإمضاءَ في بابِ الحُدودِ مِنْ القَضاءِ؛ بدَليلِ أنَّ عَمَى الشهودِ أو رِدَّتُهم قبْلَ القضاءِ كما يَمنعُ مِنْ القضاءِ فبعْدَه يَمنعُ مِنْ الإمضاءِ، فكانَ رُجوعُه قبلَ الإمضاءِ بمَنزلةِ رُجوعِه قبلَ القَضاءِ.
ولو رجَعَ قبْلَ القضاءِ يُحَدونَ جميعًا بلا خِلافٍ بينَ أصحابِنا الثلاثةِ، كذا إذا رجَعَ بعدَ القضاءِ قبلَ الإمضاءِ، وإنْ كانَ بعدَ الإمضاءِ فإنْ كانَ الحَدُّ جَلدًا يُحَدُّ الراجِعُ خاصةً بالإجماعِ؛ لأنَّ رُجوعَه صَحيحٌ في حقِّه خاصةً لا في حَقِّ الباقينَ، فانقلَبَتْ شَهادتُه خاصةً قذفًا، فيُحَدُّ خاصةً، وإنْ كانَ الحدُّ رَجمًا وماتَ المَقذوفُ يُحَدُّ الراجعُ عندَ أصحابِنا خِلافًا لزُفرَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنه يُحَدُّ الثلاثةُ دونَ الراجعِ، وهذا اختيارُ أبي بَكرٍ وابنِ حامِدٍ؛ لأنه إذا رجَعَ قبْلَ الحدِّ فهوَ كالتائبِ قبلَ تَنفيذِ الحُكمِ بقولِه، فيَسقطُ عنه الحَدُّ، ولأنَّ في دَرءِ الحُكمِ عنهُ تَمكينًا له مِنْ الرُّجوعِ الذي يحصلُ به مَصلحةُ المَشهودِ عَليهِ، وفي إيجابِ الحَدِّ عليهِ زَجرٌ له عن
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٨٩)، ويُنظَر: «تحفة الفقهاء» (٣/ ٣٦٨)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٢٩٤)، و «المغني» (٩/ ٦٨).
الرجوعِ خوفًا مِنْ الحَدِّ، فتَفوتُ تلكَ المَصلحةُ وتَتحقَّقُ المَفسدةُ، فناسَبَ ذلكَ نفْيَ الحدِّ عنه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إذا رجَعَ أحَدُهم بعدَ إقامةِ الشهادةِ وقبْلَ الحُكمِ بها لم يُحَدَّ المَشهودُ عليهِ وحُدَّ الشهودُ كلُّهم، وإنْ كانَ ذلكَ بعدَ إقامةِ الحدِّ حُدَّ الراجعُ وحْدَه.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبْرى»: قلتُ: أرَأيتَ لو أنَّ أربَعةً شَهدُوا على رَجلٍ بالزنا فرجَعَ واحدٌ مِنهم قبلَ أنْ يُقيمَ الإمامُ عليه الحدَّ، أيَجلِدُه الحَدَّ ويَجلدُ الثلاثةَ معه في قولَ مالِكٍ أم لا يَجلِدُ إلا الراجعَ وحْدَه؟
قالَ: نَعمْ، يُجلَدُ الراجعُ ويُجلَدونَ الثلاثةُ كلُّهم حَدَّ الفِريةِ.
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ رجَعَ أحَدُهم بعدَ إقامةِ الحَدِّ؟ قالَ: قدْ أخبَرتُكَ أني لمْ أسمَعْه مِنْ مالِكٍ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: وأنا أرَى أنْ يُجلدَ الراجِعُ وحْدَه ولا يُجلَدَ الذينَ بَقوا الثلاثةُ (٢).
(١) «المغني» (٩/ ٦٨).
(٢) «المدونة الكبرى» (٥/ ٥٠٦)، ويُنظَر: «التلقين» (٢/ ٤٩٩)، و «التبصرة» للخمي (١٣/ ٦١٨٨).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)
اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)
ارجع إلى ثبوت الزنا للاطلاع على جميع المسائل.