الرجوع عن الإقرار بالزنا

الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت الزنا > الرجوع عن الإقرار بالزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

الرجوع عن الإقرار بالزنا - الأقوال والأدلة

فما نِلتُما مِنْ عِرضِ أخِيكُما آنِفًا أشَدُّ مِنْ أكلٍ منه، والذي نفسِي بيَدِه إنهُ الآنَ لَفِي أنهارِ الجَنةِ يَنقمِسُ فيها» (١).

الرُّجوعُ عن الإقرارِ بالزِّنا:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُقِرَّ بالزنا إذا أقَرَّ ثم رجَعَ عن إقرارِه قبْلَ الحَدِّ أو في وَسطِه خُلِّيَ سَبيلُه ولا يُقامُ عليه الحَدُّ، إلا أنَّ المالِكيةَ عندَهم تَفصيلٌ.

قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنه إذا أقَرَّ بالزنا ثمَّ رجَعَ عنهُ فإنه يَسقطُ الحدُّ عنه ويُقبَلُ رجوعُه، إلا مالكًا فإنه قالَ: إنْ رجَعَ عنِ الإقرارِ بشُبهةٍ يُعذَرُ بها مِثلَ أنْ يَقولَ: «إني وَطئْتُ في نكاحٍ فاسِدٍ، أو ظنَنْتُ أنها جارِيةٌ مُشتَركةٌ» أو في ذلكَ قُبلَ رُجوعُه كمَذهبِ الجَماعةِ.

فإما إنْ رجَعَ عن الإقرارِ بالزِّنا بغيرِ شُبهةٍ ففيهِ رِوايتانِ:

أحَدُهما: أنه يُقبَلُ رجوعُه، والأخرى: لا يُقبَلُ رُجوعُه بوَجهٍ (٢).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إذا رجَعَ المُقِرُّ بالزنا عن إقرارِه قُبِلَ رُجوعُه وسقَطَ الحدُّ عنه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأكثَرُ الفُقهاءِ، سَواءٌ وقَعَ به بعضُ الحدِّ أو لم يَقعْ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٤٢٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٣٩٩).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٥٥)، ويُنظَر: «الاختيار» (٤/ ٩٨)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣١٨)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٢٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣١٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٣٩)، و «المهذب» (٢/ ٢٧٢)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٢٣)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٤٦).

وقالَ الحسَنُ البَصريُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ ومالكٌ في إحدَى الرِّوايتينِ عنهُ وداودُ بنُ عليٍّ: لا يُقبَلُ رُجوعُه ولا يَسقطُ عنه الحدُّ، سواءٌ وقَعَ به الحَدُّ أو لم يَقعْ.

وقالَ بعضُ العِراقيِّينَ: يُقبَلُ رُجوعُه قبْلَ الشُّروعِ في حدِّه، ولا يُقبَلُ بعدَ الشُّروعِ فيه؛ استِدلالًا بقولِ النبيِّ : «مَنْ أتَى مِنْ هذهِ القاذُوراتِ شَيئًا فلْيَستتِرْ بستْرِ اللهِ، فإنه مَنْ يُبْدِ لنا صَفحتَه نُقِمْ حدَّ اللهِ عليهِ»، فدَلَّ على أنْ لا تأثيرَ للرُّجوعِ بعدَ إبداءِ الصَّفحةِ.

قالُوا: ولأنه حَقٌّ ثبَتَ بإقرارِه، فوجَبَ أنْ لا يَسقطَ برُجوعِه؛ قياسًا على حُقوقِ الآدميِّينَ.

ودَليلُنا: قولُ رَسولِ اللهِ : «ادرَؤُوا الحُدودُ بالشُّبهاتِ»، ورُجوعُه شُبهةٌ؛ لاحتِمالِ صِدقِه، ولأنَّ ماعِزًا لمَّا هرَبَ مِنْ حَرِّ الأحجارِ وتَبِعُوه حتَّى قتَلُوهُ قالَ رسولُ اللهِ : «هلَّا تَركْتُموهُ لعلَّه أنْ يَتوبَ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، فلو لم يَكنْ لرُجوعِه تأثيرٌ لم يندبْ إلى تَركِه بعدَ الأمرِ برَجمِه.

ورُويَ أنَّ رَجلًا أقَرَّ عندَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه بالزِّنا ثمَّ رجَعَ عنه فتَركَه وقالَ: «لَأنْ أترُكَ حَدًّا بالشُّبهةِ أَولى مِنْ أنْ أُقِيمَ حدًّا بالشبهةِ»، ووافَقَ أبا بَكرٍ رضي الله عنه على مِثلِ هذا، وليسَ لهُمَا في الصَّحابةِ مُخالِفٌ فكانَ إجماعًا، ولأنه حدٌّ للهِ تعالَى ثبَتَ بقولِه، فَجازَ أنْ يَسقطَ برُجوعِه كالرِّدةِ، ولأنَّ ما ثبَتَ مِنْ حُدودِ اللهِ تعالَى بالقولِ يَجبُ أنْ يَسقطَ بالقولِ؛ قياسًا على رُجوعِ الشُّهودِ.

فأمَّا الجَوابُ عن الخبَرِ في إبداءِ الصَّفحةِ فالراجِعُ غيرُ مُبْدٍ لصَفحتِه، وإنَّما يكونُ مُبدِئًا إذا قامَ على إقرارِه.

وأمَّا الجَوابُ عن قِياسِهم على حُقوقِ الآدميِّينَ فمِن وَجهينِ هُمَا فرقٌ يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الجَمعِ:

أحَدُهما: أنَّ حُقوقَ اللهِ تعالَى تُدرَأُ بالشُّبهاتِ وحُقوقَ الآدميِّينَ لا تُدرَأُ بها.

والثَّاني: هو أنَّ عليهِ في حُقوقِ الآدميِّينَ أنْ يُقِرَّ بها، وكذلكَ لم يُقبَلْ رُجوعُه فيها، ولا يَجبُ عليهِ في حُقوقِ اللهِ تعالَى إلا التَّوبةُ مِنها، وهو مَندوبٌ إلى أنْ لا يُقِرَّ بها، فلِذلكَ قُبلَ رُجوعُه فيها.

وروَى مُحمدُ بنُ المُنكدِرِ عن ابنِ هزَّالٍ عن أبيهِ أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ له: «وَيحَكَ يا هزَّالُ لو ستَرْتَه بثَوبِكَ كانَ خيرًا لكَ» (١) (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مِنْ شَرطِ إقامةِ الحدِّ بالإقرارِ البَقاءُ عليهِ إلى تَمامِ الحَدِّ، فإنْ رجَعَ عن إقرارِه أو هرَبَ كُفَّ عنهُ، وبهذا قالَ عَطاءٌ ويحيَى بنُ يَعمُرَ والزُّهريُّ وحمَّادٌ ومالكٌ والثَّوريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ.

وقالَ الحسَنُ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وابنُ أبي ليلَى: يُقامُ عليهِ الحدُّ ولا يُتركُ؛ لأنَّ ماعِزًا هرَبَ فقتَلُوه ولم يَتركُوهُ، ورُويَ أنه قالَ: «ردُّونِي إلى رسولِ اللهِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٣٧٧)، وأحمد (٢١٩٤٢).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢١٠، ٢١١).

فإنَّ قَومِي هم غَرُّونِي مِنْ نَفسِي وأخبَرُونِي أنَّ رسولَ اللهِ غيرُ قاتِلي، فلمْ يَنزِعُوا عنه حتَّى قتَلُوه» (١) أخرَجَه أبو داودَ، ولو قُبِلَ رُجوعُه للَزمَتْهم ديَتُه، ولأنه حقٌّ وجَبَ بإقرارِهِ، فلمْ يُقبَلْ رجوعُه كسائرِ الحُقوقِ.

وحُكيَ عن الأوزاعيِّ أنه إنْ رجَعَ حُدَّ للفِرْيةِ على نفسِه، وإنْ رجَعَ عنِ السَّرقةِ والشُربِ ضُربَ دونَ الحدِّ.

ولنَا: أنَّ ماعِزًا هرَبَ فذُكرَ للنبيِّ فقالَ: «هلَّا تَركتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليه»، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: ثبَتَ مِنْ حَديثِ أبي هريرةَ وجابرٍ ونُعيمِ بنِ هزَّالٍ ونَصرِ بنِ داهِرٍ وغيرِهم أنَّ ماعِزًا لمَّا هرَبَ فقالَ لهُم: «رُدُّوني إلى رسولِ اللهِ ، فقالَ: هلَّا تَركتُموهُ يَتوبُ فيَتوبَ اللهُ عليهِ»، ففِي هذا أوضَحُ الدَّلائلِ على أنه يُقبَلُ رجوعُه، وعن بُريدةَ قالَ: «كنَّا أصحابَ رسولِ اللهِ نَتحدَّثُ أنَّ الغامِديةَ وماعزَ بنَ مالكٍ لو رجَعَا بعد اعتِرافِهما، أو قالَ: لو لم يَرجِعَا بعدَ اعتِرافهِما لم يَطلُبْهما، وإنما رجَمَهما عندَ الرابِعةِ» رواه أبو داود.

ولأنَّ رُجوعَه شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ، ولأنَّ الإقرارَ إحدَى بيِّنتَي الحَدِّ، فيَسقطُ بالرجوعُ عنهُ كالبيِّنةِ إذا رجَعَتْ قبْلَ إقامةِ الحدِّ، وفارَقَ سائرَ الحُقوقِ؛ فإنها لا تُدرَأُ بالشبهاتِ، وإنما لم يَجبْ ضَمانُ ماعِزٍ على الذينَ قتَلُوه بعدَ هَربِه لأنه ليسَ بصَريحٍ في الرجوعِ.

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٤٤٢٠).

إذا ثبَتَ هذا فإنه إذا هرَبَ لم يُتبَعْ؛ لقولِ النبيِّ : «هلَّا تَركتُموهُ»، وإنْ لم يُتركْ وقُتلَ لم يُضمَنْ؛ لأنَّ النبيَّ لم يُضمِّنْ ماعِزًا مَنْ قتَلَه، ولأنَّ هرَبَه ليسَ بصَريحٍ في رُجوعِه، وإنْ قالَ: «رُدُّوني إلى الحاكمِ» وجَبَ رَدُّه ولم يَجُزْ إتمامُ الحدِّ، فإنْ أُتِمَّ فلا ضَمانَ على مَنْ أتَمَّه؛ لِمَا ذكَرْنا في هَربِه.

وإنْ رجَعَ عن إقرارِه وقالَ: «كذَبْتُ في إقرارِي، أو رَجعْتُ عنه، أو لم أفعَلْ ما أقرَرْتُ بهِ» وجَبَ تَركُه، فإنْ قتَلَه قاتلٌ بعدَ ذلكَ وجَبَ ضَمانُه؛ لأنه قد زالَ إقرارُه بالرُّجوعِ عنهُ، فصارَ كمَنْ لم يُقِرَّ، ولا قِصاصَ على قاتلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اختَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكانَ اختِلافُهم شبهةً دارِئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحةَ الإقرارِ ممَّا يَخفى، فيكونُ ذلكَ عُذرًا مانِعًا مِنْ وُجوبِ القِصاصِ (١).

وقالَ الإمامُ الطَّحَاويُّ رحمة الله عليه: قد رَأيْناهُم جَميعًا لمَّا رَوَوا عن رسولِ اللهِ في المُقِرِّ بالزِّنا لمَّا هرَبَ فقالَ النبيُّ : «لولا خلَّيتُم سَبيلَه» فكانَ ذلكَ عندَهم على أنَّ رُجوعَه مَقبولٌ، واستَعملُوا ذلكَ في سائرِ حُدودِ اللهِ ﷿، فجعَلُوا مَنْ أقَرَّ بها ثمَّ رجَعَ قُبِلَ رُجوعُه، ولم يَخصُّوا الزِّنا بذلكَ دونَ سائرِ حُدودِ اللهِ (٢).

(١) «المغني» (٩/ ٦٣، ٦٤).
(٢) «شرح معاني الآثار» (٣/ ١٦٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف

فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 231 - 235

ارجع إلى ثبوت الزنا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده