الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت الزنا > الشرط الخامس: الذكورية
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 6 دقيقة قراءةالشَّرطُ الخامِسُ: الذُّكورِيةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُشترطُ في شُهودِ الزنا الذُّكورِيةُ، فلا تَصحُّ شَهادةُ النِّساءِ ولا شَهادةُ الرجالِ معَ النِّساءِ؛ لِمَا رويَ عن الزُّهريِّ رحمة الله عليه أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ مِنْ لَدُنْ رسولِ اللهِ ﷺ والخَليفتَينِ مِنْ بعدِه رِضوانُ اللهِ تعالَى عَليهما أنه لا تُقبَلُ شَهادةُ النِّساءِ في الحُدودِ والقصاصِ»، ولأنَّ الحُدودَ والقِصاصَ مَبناهُما على الدرءِ والإسقاطِ بالشُّبهاتِ، وشَهادةُ النساءِ لا تَخلو عن شُبهةٍ؛ لأنهُنَّ جُبِلْنَ على السهوِ والغَفلةِ ونُقصانِ العَقلِ والدِّينِ، فيُورِثُ ذلكَ شُبهةً، وإلى ذلكَ أشارَ اللهُ تعالَى في قولِه ﷿: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ووصَفَ رسولُ اللهِ ﷺ النِّساءَ بنُقصانِ العَقلِ والدِّينِ، والحُدودُ تَندرِئُ بالشبُهاتِ، وما يَندرئُ بالشُّبهاتِ لا يَثبتُ بحُجَّةٍ فيها شُبهةٌ؛ تَيسيرًا للتحرُّزِ عنها (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ عندَ الجَميعِ في ذلكَ شَهادةُ النِّساءِ (٢).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: واتَّفقُوا على أنَّ شَهادةَ النِّساءِ في الحُدودِ غيرُ مَقبولةٍ، إلا ما حُكيَ عن عَطاءٍ وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ أنَّ شَهادةِ النساءِ
(١) «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٤٥)، و «المبسوط» (١٦/ ١١٤)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٧٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٨).
(٢) «الاستذكار» (٧/ ٤٨٥).
في الحُدودِ مَقبولةٌ كالأموالِ، وهذا فاسِدٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولأنَّ حُدودَ اللهِ تعالَى تُدرَأُ بالشبهاتِ، فكانَتِ الشهادةُ فيها أغلَظَ مِنْ الشَّهادةِ في غيرِها ممَّا لا يُدرأُ بالشُّبهاتِ، كما أنَّ الزِّنا لمَّا كانَ أغلَظَ مِنْ السَّرقةِ لتَعدِّيه إلى اثنَينِ واختِصاصِه بإسقاطِ نَسبِ الولدِ كانَتِ الشهادةُ فيه أغلَظَ منها فيما عَداهُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وقالَ المَهدَويُّ: شَهادةُ النساءِ في الحُدودِ غيرُ جائزةٍ في قولِ عامَّةٍ الفُقهاءِ، وكذلكَ في النكاحِ والطَّلاقِ في قولِ أكثَرِ العُلماءِ، وهو مَذهبُ مالكٍ والشافِعيِّ وغيرِهما (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنْ يَكونُوا رِجالًا كلُّهُم، ولا تُقبَلُ فيه شَهادةُ النساءِ بحالٍ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا، إلا شَيئًا يُروَى عن عطاءٍ وحمَّادٍ أنه يُقبَلُ فيه ثَلاثةُ رِجالٍ وامرأتانِ، وهو شُذوذٌ لا يُعوَّلُ عليهِ؛ لأنَّ لفْظَ الأربعةِ اسمٌ لعَددِ المَذكورِينَ، ويَقتضِي أنْ يُكتفَى فيه بأربَعةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ الأربَعةَ إذا كانَ بَعضُهم نِساءً لا يُكتفَى بهم وإنَّ أقَلَّ ما يُجزِئُ خَمسةٌ، وهذا خِلافُ النصِّ، ولأنَّ في شَهادتَهنَّ شُبهةٌ؛ لتَطرُّقِ الضَّلالِ إليهنَّ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والحُدودُ تُدرَأُ بالشبهاتِ (٣).
(١) «الحاوي الكبير» (١٧/ ٧).
(٢) «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٩٥).
(٣) «المغني» (٩/ ٦٤، ٦٥).
ارجع إلى ثبوت الزنا للاطلاع على جميع المسائل.