الشرط السادس: أن يصفوا الزنا

الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت الزنا > الشرط السادس: أن يصفوا الزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 20 دقيقة قراءة

الشرط السادس: أن يصفوا الزنا - الأقوال والأدلة

الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يَصِفُوا الزِّنا:

نَصَّ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ أنْ يَصفَ شُهودُ الزِّنا الزِّنا بأنهُم رَأَوا ذكَرَه دخَلَ في فَرجِها حتَّى غابَتِ الحَشفةُ؛ لِمَا رواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: «جاءَ الأسلَميُّ نَبيَّ اللهِ فشَهدَ على نَفسِه أنه أصابَ امرَأةً حَرامًا أربَعَ مرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ يُعرِضُ عنه النبيُّ ، فأقبَلَ في الخامِسةِ فقالَ: أَنِكْتَها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: حتى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: كما يَغِيبُ المِروَدُ في المُكْحُلةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: فهلْ تَدرِي ما الزِّنى؟ قالَ: نعمْ أتَيتُ منها حَرامًا ما يَأتي الرَّجلُ مِنْ امرَأتِه حَلالًا، قالَ: فما تُريدُ بهذا القولِ؟ قالَ: أُريدُ أنْ تُطهِّرَني، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فسَمعَ النبيُّ رَجلَينِ مِنْ أصحابِه يقولُ أحَدُهما لصاحِبِه: انظُرْ إلى هذا الذي ستَرَ اللهُ عليه فلمْ تَدَعْه نَفسُه حتى رُجِمَ رَجْمَ الكَلبِ، فسكَتَ عنهُما ثمَّ سارَ ساعةً حتى مَرَّ بجِيفةِ حِمارٍ شائِلٍ برِجلِه فقالَ: أينَ فُلانٌ وفُلانٌ؟ فقالا: نَحنُ ذانِ يا رسولَ اللهِ، قالَ: انزِلَا فكُلا مِنْ جِيفةِ هذا الحِمارِ، فقَالا: يا نبيَّ اللهِ مَنْ يأكُلُ مِنْ هذا؟ قالَ: فما نِلتُما مِنْ عِرضِ أخِيكُما آنِفًا أشَدُّ مِنْ أكلٍ منه، والذي نفسِي بيَدِه إنهُ الآنَ لَفِي أنهارِ الجَنةِ يَنقمِسُ فيها» (١).

وجهُ الدَّلالةِ: أنَّ النبيَّ استَفسرَ مِنْ ماعِزٍ عن حَقيقةِ الزِّنا وأنه قد غابَ منهُ في فَرجِها كما يَغِيبُ المِرودُ في المكحلةِ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٤٢٨)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٣٩٩).

ولأنه يَحتملُ أنْ يكونَ المَشهودُ بهِ لا يُوجِبُ حَدَّ الزنا، فوجَبَ على الحاكِمِ أنْ يَستفسرَ عن حَقيقةِ الزنا.

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: لا يَختلفُ اثنانِ مِنْ الأمَّةِ في أنَّ شَهادتَهم التي يُكلَّفونَها هي أنْ يَشهدُوا بأنهم رَأَوا فرْجَه في فَرجِها والِجًا خارِجًا، والإجماعُ قد صَحَّ بأنَّ ما عَدا هذهِ الشَّهادةَ ليسَتْ شهادةَ بزِنًا ولا يَبرأُ بها القاذِفُ مِنْ الحَدِّ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ أنْ تكونَ بمُعايَنةِ فَرجِه في فَرجِها، وأنها تكونُ بالتَّصريحِ لا بالكِنايةِ، وجُمهورُهم على أنَّ مِنْ شَرطِ هذه الشَّهادةِ أنْ لا تَختلفَ لا في زَمانٍ ولا في مَكانٍ، إلا ما حُكيَ عن أبي حَنيفةَ مِنْ مَسألةِ الزَّوايا المَشهورةِ، وهو أنْ يَشهدَ كلُّ واحِدٍ مِنْ الأربَعةِ أنه رَآها في رُكنٍ مِنْ البيتِ يَطؤُها غيرَ الرُّكنِ الذي رآهُ فيه الآخَرُ.

وسَببُ الخِلافِ: هل تُلفَّقُ الشهادةُ المُختلِفةُ بالمَكانِ؟ أم لا تُلفَّقُ كالشَّهادةِ المُختلِفةِ بالزَّمانِ؟ فإنهُم أجمَعُوا على أنها لا تُلفَّقُ، والمَكانُ أشبَهُ بالزمانِ.

والظاهِرُ مِنْ الشرعِ قَصدُه إلى التوثُّقِ في ثُبوتِ هذا الحَدِّ أكثَرَ منه في سائرِ الحُدودِ (٢).

(١) «المحلى» (١١/ ٢٧٠).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٢٩).

قالَ الحَنفيةُ: يَسألُهم الإمامُ عن الزنا، ما هو؟ وكيفَ هو؟ لأنه يَختلِفُ، وفيهِ الحَقيقةُ والمَجازُ؛ لحَدِيثِ: «العَينانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ تَزنِيانِ وزِناهُما البَطشُ، والرِّجلانِ تَزنِيانِ وزِناهُما المَشيُ، ويُصدِّقُ ذلكَ الفَرجُ أو يُكذِّبُه» (١).

وإنما يَسألُهم كيفَ زنَى؛ لاحتِمالِ كَونِه مُكرَهًا، فلا يَجبُ عليه الحَدُّ، أو لاحتِمالِ تَماسِّ الفَرجَينِ بلا إيلاجٍ.

ويَسألُهم أينَ زَنَى؟ لاحتِمالِ أنْ يكونَ زَنَى في دارِ الحَربِ أو في عَساكرِ البُغاةِ، وذلك لا يُوجِبُ الحَدَّ؛ لأنه لمْ يَكنْ للإمامِ عليه يَدٌ، فصارَ ذلك شُبهةً فيه.

ويَسألُهم متى زَنَى؟ لجَوازِ أنْ يَكونوا شَهدُوا عليهِ بزِنًا مُتَقادِمٍ، فلا تُقبَلُ شَهادَتُهم، ولجَوازِ أنْ يَكونَ زَنَى وهو صَبيٌّ أو مَجنونٌ.

وحَدُّ التَّقادُمِ الذي يُسقِطُ الحَدَّ لا يُقدَّرُ بوَقتٍ مُعيَّنٍ، وهو مُفوَّضٌ إلى رأيِ القاضي.

ويَسألُهم بمَنْ زَنى؟ لجَوازِ أنْ تَكونَ امرَأتَه أو أمَتَه، وربَّما إذا سُئلُوا قالوا: «لا نَعرِفُها»، فيَصيرُ ذلكَ شُبهةً، وقدْ تَكونُ جارِيةَ ابنِه.

فإنْ سَألَهم فقالُوا: «لا نَزِيدُ على هذا» لا يُحَدُّونَ؛ لأنهُم شَهدُوا بالزنا وهُم أربَعةٌ وما قَذَفوا.

(١) رواه البخاري (٦٢٤٣)، ومسلم (٢٦٥٧).

فإذا بَيَّنوا ذلكَ وقالوا: «رَأَيناهُ وَطئَها في فَرجِها كالمِيلِ في المُكحُلةِ، أو كالقَلمِ في المِحبَرةِ، أو كالرِّشاءِ في البِئرِ» صَحَّ ذلكَ.

ويَسألُ القاضي عنهُم، فإنْ عُدِّلوا في السرِّ والعَلانيةِ حكَمَ بشَهادتِهم، ولمْ يَكتَفِ بظاهرِ العَدالةِ احتِياطًا للدَّرءِ؛ لحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها مَرفوعًا: «ادرَؤُوا الحُدودَ عن المُسلمِينَ ما استَطعتُم، فإنْ كانَ له مَخرَجٌ فخَلُّوا سَبيلَه، فإنَّ الإمامَ لَأنْ يُخطِئَ في العَفوِ خَيرٌ مِنْ أنْ يُخطئَ في العُقوبةِ» (١).

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «ادفَعُوا الحُدودَ ما وَجَدتُم لها مَدفَعًا» (٢) (٣).

وقالَ المالِكيةُ: يُشترطُ أنْ يَشهدُوا بزنًا واحدٍ في وَقتٍ واحدٍ في مَوضعٍ واحَدٍ، بأنْ يُؤدُّوا في وَقتٍ واحدٍ ويَذكرُوا اتِّحادَ وَقتِ الرُّؤيةِ للقاضي، وإنْ أدَّوا في أوقاتٍ أو اختَلفُوا في وَقتِ الرُّؤيةِ بَطلَتْ شهادتُهم، وكذلكَ إذا اختَلفُوا في أماكِنِ الرُّؤيةِ أو في الطَّوعِ والإكراهِ أو في الزِّنا والشُّبهةِ أو في الزِّنا بها قائِمةً أو نائِمةً أو وهيَ على الجانِبِ الأيمَنِ أو الأيسَرِ أو هو أعلاها أو أسفَلَها أو كانت في جانِبِ البيتِ الغَربيِّ أو الشَّرقيِّ أو نَحوِ ذلكَ، ووَقتُ الرُّؤيةِ هو وقتُ التحمُّلِ.

ويُفرَّقُ شهودُ الزِّنا في شَهادةِ الزنا وُجوبًا، سَواءٌ حصَلَتْ رِيبةٌ أم لا، بخِلافِ غيرِ الزِّنا لا يُفرَّقونَ.

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (١٤٢٤).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن ماجه (٢٥٤٥).
(٣) «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣١٤، ٣١٥)، و «الاختيار» (٤/ ٩٥)، و «اللباب» (٢/ ٢٩٥).

ولا بُدَّ أنْ يَشهدُوا في وَقتٍ واحدٍ بزنًا واحدٍ برُؤيةٍ واحدةٍ، وأنه أدخَلَ فرْجَه في فَرجِ المَرأةِ كالمِرودِ في المكحلةِ في البِكرِ والثَّيبِ، وهذا لا خِلافَ فيه، ولا يَكفي أنْ يقولُوا: «نَشهدُ أنَّ فُلانًا زنَى بفُلانةَ»، وإنما اشتُرطَ ذلكَ لأنَّ مدارَ الشرعِ على الستْرِ، فضُيِّقَ الأمرُ فيه حتَّى لا يُوجَد على هذا النَّمطِ إلا القَليلُ جِدًّا.

ويَجوزُ لكلِّ واحِدٍ مِنْ شُهودِ الزنا أنْ يَنظُرَ للعَورةِ قَصدًا؛ ليَعلمَ كيفَ يُؤدِّي الشهادةَ.

ويُستحَبُّ للحاكِمِ أنْ يَسألَ شُهودَ الزِّنا: كيفَ رَأيتمُوهُ يَفعلُ بها؟ وهل كانَتْ على ظَهرِها أو على بَطنِها أو غيرَ ذلكَ؟ وهل كانَ ذكَرَه في فَرجِها كالمِرودِ في المكحلةِ أم لا؟ إلى غيرِ ذلكَ، فإنِ اختَلفُوا فيما ذُكرَ بطَلَتْ شَهادتُهم، قالَ ابنُ عُرفةَ رحمة الله عليه: وحُدُّوا، وإنْ كانَ السُّؤالُ مَندوبًا (١).

وقالَ الشافِعيةُ: فأمَّا صِفةُ الشهادةِ فلا يُجزِئُ أنْ يقولَ الشُّهودُ: «رَأيْناهُ يَزنِي» حتَّى يَصِفُوا ما شاهَدُوه مِنْ الزنا، وهو أنْ يَقولُوا: «رَأيْنا ذكَرَه يَدخلُ في فَرجِها كدُخولِ المِرودِ في المكحلةِ»؛ لثلاثةِ أمورٍ:

أحَدُها: أنَّ النبيَّ تَثبَّتَ ماعِزًا في إقرارِه فقالَ: «أدخَلْتَ ذلكَ منكَ في ذلكَ منها كدُخولِ المِرودِ في المكحلةِ والرِّشا في البئرِ؟ فقالَ: نعَمْ، فأمَرَ برَجمِه»، فلمَّا استَثبتَه في الإقرارِ كانَ أَولى أنْ يُستثبَتَ في الشهادةِ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٩٨، ٢٠٠)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٢٠٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٤١، ١٤٢).

والثَّاني: أنَّ الشهودَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزنا لمَّا شَهدُوا به عندَ عُمرَ رضي الله عنه وهُمْ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلُ بنُ مَعبدٍ وزِيادٌ، فصرَّحَ بذلكَ أبو بَكرةَ ونافعٌ وشِبلٌ، فأمَّا زيادُ فقالَ له عمرُ: قلْ ما عِندكَ، وأرجُو أنْ لا يَهتكَ اللهُ صَحابيًّا على لِسانِكَ، فقالَ زِيادٌ: رأيْتُ نفَسًا تَعلُو أو اسْتًا تَنبُو ورأيْتُ رِجلاها على عُنقِه كأنَّهما أُذنَا حِمارٍ، ولا أدرِي يا أميرَ المُؤمنينَ ما وراءَ ذلكَ، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ»، فأسقَطَ الشهادةَ ولم يَرَها تامَّةً.

والثالِثُ: أنَّ الزنا لفظٌ مُشتركٌ، ورُويَ عن النبيِّ أنه قالَ: «العَيْنانِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظرُ، واليَدانِ تَزنيانِ وزِناهُما اللَّمسُ، ويُصدِّقُ ذلكَ ويُكذِّبُه الفَرجُ»، فلذلكَ لَزمَ في الشَّهادةِ نفيُ هذا الاحتمالِ بذِكرِ ما شاهَدُه مِنْ وُلوجِ الفَرجِ في الفرجِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنْ يَصِفُوا الزِّنا فيَقولُوا: «رَأيْنا ذكَرَه في فَرجِها كالمِرودِ في المكحلَةِ والرِّشاءِ في البئرِ»، وهذا قَولُ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ والزُّهريِّ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذِرِ وأصحابِ الرأيِ؛ لِمَا رُويَ في قصَّةِ ماعِزٍ أنه لمَّا أقَرَّ عندَ النبيِّ بالزِّنا فقالَ: «أنِكْتَها؟ فقالَ: نعَمْ، فقال: حتَّى غابَ ذلكَ منكَ في ذلكَ مِنها كما يَغيبُ المِرودُ في المكحلةِ والرِّشاء في البئرِ؟ قالَ: نعم»، وإذا اعتُبِرَ التَّصريحُ في الإقرارِ كانَ اعتبارُه في الشَّهادةِ أَولى.

(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٢٧).

ورَوى أبو داوُدَ بإسنادِه عن جابرٍ قالَ: جاءَتِ اليَهودُ برَجلٍ منهُم وامرأةٍ زنَيَا، فقالَ النبيُّ : «ائتُوني بأعلَمِ رَجلَينِ مِنكُم، فأَتوهُ بابنَي صُوريَّا، فنشَدَهما: كيفَ تَجِدانِ أمْرَ هذَينِ في التَّوراةِ؟ قالا: نَجدُ في التوراةِ إذا شَهدَ أربعةٌ أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلةِ رُجِمَا، قالَ: فما يَمنعُكم أنْ تَرجُموهُما؟ قالا: ذهَبَ سُلطانُنا وكَرهْنا القتلَ، فدعا رَسولُ اللهِ بالشُّهودِ، فجاءَ أربعةٌ فشَهدُوا أنهم رَأَوا ذكَرَه في فَرجِها مثلَ المِيلِ في المكحلةِ، فأمَرَ النبيُّ برَجمِهِما» (١).

ولأنهم إذا لم يَصِفُوا الزنا احتُملَ أنْ يكونَ المَشهودُ به لا يُوجِبُ الحَدَّ، فاعتُبِرَ كشفُه.

قالَ بعضُ أهلِ العِلمِ: يَجوزُ للشُّهودِ أنْ يَنظُروا إلى ذلكَ منهُما لإقامةِ الشهادةِ عليهِما؛ ليَحصلَ الرَّدعُ بالحَدِّ، فإنْ شَهدُوا أنهُم رَأَوا ذكَرَه قد غيَّبَه في فَرجِها كفى، والتَّشبيهُ تأكيدٌ.

وأمَّا تَعيينُهم المَزنِيَّ بها أو الزانِيَ إنْ كانَتِ الشَّهادةُ على امرأةٍ ومكانَ الزنا فذكَرَ القاضي أنه يُشترطُ؛ لئلَّا تكونَ المَرأةُ ممَّن اختُلفَ في إباحتِها، ويُعتبَرُ ذِكرُ المَكانِ؛ لئلَّا تكونَ شَهادةُ أحَدِهم على غيرِ الفعلِ الذي شَهدَ به الآخَرُ، ولهذا سأَلَ النبيُّ ماعِزًا فقالَ: «إنكَ أقرَرْتَ أربعًا، فبِمَن؟».

وقالَ ابنُ حامِدٍ: لا يُحتاجُ إلى ذِكرِ هذَينِ؛ لأنه لا يُعتبَرُ ذِكرُهما في الإقرارِ ولم يَأتِ ذِكرُهما في الحَديثِ الصَّحيحِ، وليسَ في حديثِ الشهادةِ

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٤٤٥٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)

اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.

١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 258 - 264

ارجع إلى ثبوت الزنا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد