يستحب تلقين المقر ليرجع عن إقراره

الإسلام > الجنايات والحدود > ثبوت الزنا > يستحب تلقين المقر ليرجع عن إقراره

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

يستحب تلقين المقر ليرجع عن إقراره - الأقوال والأدلة

يُستحَبُّ تَلقينُ المقِرِّ ليَرجعَ عن إقرارِه:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يُستحَبُّ تَلقينُ المُقِرِّ بالرُّجوعِ عن إقرارِه في حُدودِ اللهِ تعالَى؛ لحديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنه قالَ: «أتَى رَجلٌ مِنْ المُسلِمينَ رسولَ اللهِ وهو في المَسجدِ فنادَاهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ إني زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه، فتَنحَّى تلقاءَ وَجهِه فقالَ له: يا رسولَ اللهِ إني زَنَيتُ، فأعرَضَ عنه حتى ثنَى ذلكَ عليه أربَعَ مرَّاتٍ، فلمَّا شَهدَ على نَفسِه أربَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رسولُ اللهِ فقالَ: أبِكَ جُنونٌ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ أحصَنْتَ؟ قالَ: نعمْ، فقالَ رسولُ اللهِ : اذهَبُوا بهِ فارجُموهُ» (١).

وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «لمَّا أتَى ماعزُ بن مَالكٍ النبيَّ قالَ له: لعَلَّكَ قبَّلْتَ أو غمَزْتَ أو نظَرْتَ؟ قالَ: لا يا رسولَ اللهِ، قالَ: أنِكتَها -لا يَكنِي-؟ قالَ: فعِندَ ذلكَ أمَرَ برَجمِه» (٢).

وعن سُليمانَ بنِ بُريدةَ عن أبيه قالَ: «جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ إلى النبيِّ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ: وَيحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ رسولُ اللهِ : ويحَكَ ارجِعْ فاستَغفِرِ اللهَ وتُبْ إليه، قالَ: فرجَعَ غيرَ بَعيدٍ ثمَّ جاءَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ طَهِّرني، فقالَ النبيُّ مثلَ ذلكَ حتى إذا كانَتِ الرابِعةُ قالَ له رسولُ اللهِ : فيمَ أُطهِّرُكَ؟

(١) رواه البخاري (٦٤٣٩)، ومسلم (١٦٩١).
(٢) رواه البخاري (٦٤٣٨).

فقالَ: مِنْ الزِّنى، فسَألَ رسولُ اللهِ : أبِهِ جُنونٌ؟ فأُخبِرَ أنه ليسَ بمَجنونٍ، فقالَ: أشَرِبَ خَمرًا؟ فقامَ رَجلٌ فاستَنكَهَه فلمْ يَجدْ منه رِيحَ خَمرٍ، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ : أزَنَيتَ؟ فقالَ: نعمْ، فأمَرَ بهِ فرُجِمَ، فكانَ الناسُ فيه فِرقَتَينِ: قائِلٌ يقولُ: لقدْ هلَكَ، لقدْ أحاطَتْ به خَطيئتُه، وقائلٌ يقولُ: ما تَوبةٌ أفضَلَ مِنْ تَوبةِ ماعزٍ أنه جاءَ إلى النبيِّ فوضَعَ يَدَه في يَدِه ثمَّ قالَ: اقتُلنِي بالحِجارةِ، قالَ: فلَبِثوا بذلك يَومينِ أو ثلاثةً، ثمَّ جاءَ رسولُ اللهِ وهُم جُلوسٌ فسَلَّمَ ثمَّ جلَسَ فقالَ: استَغفِروا لماعِزِ بنِ مالكٍ، قالَ: فقالوا: غفَرَ اللهُ لِماعزِ بنِ مالكٍ، قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ : لقدْ تابَ تَوبةً لو قُسِمتْ بينَ أمَّةٍ لَوَسِعتْهم.

قالَ: ثمَّ جاءَتْه امرَأةٌ مِنْ غامِدٍ مِنْ الأَزدِ فقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ طهِّرْني، فقالَ: ويحَكِ ارجِعِي فاستَغفرِي اللهَ وتُوبي إليه، فقالَتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُرَدِّدَني كما رَدَّدتَ ماعزَ بنَ مالكٍ، قالَ: وما ذاكِ؟ قالت: إنها حُبلَى مِنْ الزِّنى، فقالَ: آنْتِ؟ قالَتْ: نعمْ، فقالَ لها: حتى تَضَعي ما في بَطنِكِ، قالَ: فكفَلَها رَجلٌ مِنْ الأنصارِ حتى وضَعَتْ، قالَ: فأتَى النبيَّ فقالَ: قد وضَعَتِ الغامِديةُ، فقالَ: إذًا لا نَرجُمُها ونَدَعُ ولَدَها صَغيرًا ليسَ له مَنْ يُرضِعُه، فقامَ رَجلٌ مِنْ الأنصارِ فقالَ: إليَّ رَضاعُه يا نبيَّ اللهِ، قالَ: فرَجَمَها» (١).

(١) رواه مسلم (١٦٩٥).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: جاءَ تَلقينُ الرُّجوعِ عنِ الإقرارِ بالحُدودِ عن النبيِّ وعنِ الخُلفاءِ الراشدِينَ ومَن بعدَهم، واتَّفقَ العُلماءُ عليهِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ المُهلَّبُ وغيرُه: في هذا الحَديثِ دليلٌ على جَوازِ تلقينِ المُقِرِّ في الحُدودِ ما يدرأُ بها عنه، ألَا ترَى أنَّ النبيَّ قالَ لماعِزٍ: «لعلَّكَ غَمزْتَ أو قبَّلْتَ» ليَدرأَ عنه الحَدَّ؛ إذْ لفظُ الزِّنا يقَعُ على نَظرِ العَينِ وجَميعِ الجَوارحِ، فلمَّا أتَى ماعزٌ بلَفظٍ مُشتركٍ لم يَحدَّه النبيُّ حتَّى وقَفَ على صَحيحِ ما أتاهُ بغيرِ إشكالٍ؛ لأنَّ مِنْ سُننِه درءُ الحُدودِ بالشُّبهاتِ، فلمَّا أفصَحَ وبيَّنَ أمَرَ برَجمِه.

قالَ غيرُه: وهذا يَدلُّ أنَّ الحُدودَ لا تُقامُ إلا بالإفصاحِ دونَ الكِناياتِ، ألَا ترَى لو أنَّ الشُّهودَ شَهدُوا على رَجلٍ بالزِّنا ولم يَقولُوا: «رَأيْناهُ أولَجَ فيها» كانَ حُكمُهم حُكمَ مَنْ قذَفَ لا حُكمَ مَنْ شَهدَ؛ رِفقًا مِنْ اللهِ بعبادِه وستْرًا عليهم ليَتوبُوا.

قالَ المهلَّبُ: وقد استَعملَ التَّلقينَ بعدَ النبيِّ أصحابُه الراشِدونَ، روَى مالكٌ عن يحيَى بنِ سعيدٍ «أنَّ عُمرَ أتاهُ رَجلٌ وهو بالشَّامِ فذكَرَ أنه وجَدَ مع امرأتِه رَجلًا، فبعَثَ عُمرُ أبا واقِدٍ إلى امرأتِه يَسألُها عمَّا قالَ زوجُها لعُمرَ، وأخبَرَها أنها لا تُؤخَذُ بقولِه، وجعَلَ يُلقِّنُها أشباهَ ذلكَ لتَنزِعَ، فأبَتْ أنْ تَنزعَ فرجَمَها عمرُ».

(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٩٥).

وروَى مَعمرٌ بإسنادِه «أنَّ عُمرَ أُتِيَ برَجلٍ فقيلَ: إنهُ سارِقٌ، فقالَ عمرُ: إني لَأرَى يَدَ رَجلٍ ما هي بيَدِ سارقٍ، فقالَ الرَّجلُ: واللهِ ما أنا بسارِقٍ، فخَلَّى سبيلَه».

وعن الشَّعبيِّ قالَ: أُتيَ عليٌّ بامرأةٍ يُقالُ لها شُراحةُ وهي حُبلَى مِنْ الزِّنا، فقالَ: وَيحكِ لَعلَّ رَجلًا استَكرهَكِ، قالَتْ: لا، قالَ: لعلَّ وقَعَ عليكِ وأنتِ نائمةٌ، قالَتْ: لا، قالَ: فلَعلَّ زوْجَكِ مِنْ عدِّوِنا، يعني أهلَ الشَّامِ، فأنتِ تَكرهِينَ أنْ تَدلِّي عليهِ، قالَتْ: لا، فجعَلَ يُلقِّنُها هذا وأشباهَهُ وتَقولُ: لا، فرجَمَها».

وعن أبي مَسعودٍ أُتِيَ بِسارقٍ سرَقَ بَعيرًا فقالَ: هل وجَدْتَه؟ قالَ: نعَمْ، فخَلَّى سَبيلَه.

قالَ المُهلَّبُ: فهذا وَجهُ التلقينِ بالتَّعريضِ لمَن يَعرفُ الحَدَّ وما يَلزمُه فيهِ، وأمَّا تَلقينُ الجاهِلِ ومَن لا يَعرفُ الكَلامُ فهو تَصريحٌ، وروَى ابنُ جُريجٍ عن عطاءٍ قالَ: كانَ بعضُهم يُؤتَى بالسارقِ فيَقولُ: أسرَقْتَ؟ قلْ: لا، أسرَقْتَ؟ قلْ: لا، وعِلمِي أنه سمَّى أبا بكرٍ وعمرَ.

وروَى شُعبةُ عن أبي الدَّرداءِ أنه أُتِيَ بجاريةٍ سَوداءَ سَرقَتْ، فقالَ لها: أسرَقْتِ يا سلامةُ؟ قولِي: لا، قالَتْ: لا، فخلَّى سبيلَها، فقُلتُ: أنتَ تُلقِّنُها؟ قالَ أبو الدَّرداءِ: إنها اعتَرفَتْ وهي لا تَدرِي ما يُرادُ بها.

وقالَ الأعمَشُ: كانَ إبراهِيمُ يَأمرُ بطَرحِ المُعتَرِفينَ، وكانَ أحمدُ وإسحاقُ يَرَيانِ تلقينَ السارقِ إذا أُتي به، وكذلكَ قالَ أبو ثَورٍ إذا كانَ السارقُ امرَأةً أو لا يَدرِي ما يُصنَعُ به أو ما يَقولُ.

قالَ المُهلَّبُ: هذا التَّلقينُ على اختِلافِ مَنازلِه ليسَ بسُنةٍ لازِمةٍ إلا عندَ اختيارِ الإمامِ ذلكَ، وله ألَّا يُلقِّنَ ولا يُعرِّضَ؛ لقَولِه: «بيَّنةٌ وإلا حَدٌّ في ظَهرِكَ»، وأمَّا التلقينُ الَّذي لا يَحلُّ فتَلقينُ الخَصمينِ في الحقوقِ وتَداعِي الناسِ، وكذلكَ لا يَجبُ تَلقينُ المُنتهِكِ المَعروفِ بذلكَ إذا تبيَّنَ ما أقَرَّ به أو شُهدَ عليهِ، ويَلزمُ الإمامَ إقامةُ الحدِّ فيه (١).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: يُستحَبُّ للإمامِ تَلقينُ المُقِرِّ الرجوعَ بقَولِه: «لعلَّكَ لمَسْتَها أو قبَّلْتَها» كما لقَّنَ عليه الصلاة والسلام ماعِزًا، وكما لقَّنَ عليه الصلاة والسلام السارِقَ والسارِقةَ بقولِه عليه الصلاة والسلام: «ما إِخالُه سرَقَ، أو أسرَقْتِ؟ قولِي: لا» (٢) لو لم يَكنْ مُحتمِلًا للرُّجوعِ لم يَكنْ للتلقينِ معنًى وفائدةٌ، فكانَ التلقينُ منهُ عليهِ أفضَلُ التَّحيةِ والتسليمِ احتِيالًا للدَّرءِ؛ لأنه أمَرَنا بهِ بقولِه عليهِ أفضَلُ التحيَّةِ: «ادرَؤُوا الحُدودَ بالشُّبهاتِ»، وقولِه عليه الصلاة والسلام: «ادرَؤُوا الحُدودَ ما استَطعْتُم»، وكذلكَ الرُّجوعُ عنِ الإقرارِ بالسَّرقةِ والشُّربِ؛ لأنَّ الحدَّ الواجِبَ بهِما حقُّ اللهِ خالِصًا، فيَصحُّ الرُّجوعُ عن الإقرارِ بهِما، إلَّا أنَّ في السَّرقةِ يَصحُّ الرجوعُ في حَقِّ القطعِ لا في حَقِّ المالِ؛ لأنَّ القَطعَ حقُّ اللهِ تعالى عَزَّ شأنُه على الخُلوصِ، فيَصحُّ الرُّجوعُ عنه، فأمَّا المالُ فحَقُّ العبدِ، فلا يَصحُّ الرُّجوعُ فيه.

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٤٤٤، ٤٤٦).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٤٣٨٠)، والنسائي (٤٨٧٧)، وأحمد (٢٢٥٦١).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 236 - 240

ارجع إلى ثبوت الزنا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر