الإسلام > الجنايات والحدود > حقوق أهل الذمة > ثانيا: حق الإقامة والتنقل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةباقيةٌ، ولم يُوجَدَ منهم ما يُوجِبُ نقضَها، وحُكمُ أَموالِهم حُكمُ أموالِ المُسلِمينَ في حُرمتِها؛ لأنَّ ذِمتَهم باقيةٌ، ولمْ يُوجَدَ منهم ما يَنقضُها، وحُكمُ أَموالِهم حُكمُ أَموالِ المُسلِمينَ في حُرمتِها (١).
وقد تَقدَّمَ شَيئًا من ذلك في أولِ كِتابِ أَحكامِ أهلِ الذِّمةِ.
ثانيًا: حقُّ الإقامةِ والتَّنقُّلِ:
لأهلِ الذِّمةِ أنْ يُقيموا في دارِ الإسلامِ آمِنينَ مُطمئنِّينَ على أنفُسِهم وأَموالِهم، ما لم يَظهرْ منهم ما يَنتقِضُ به عَهدُهم؛ لأنَّهم إنَّما بذَلوا الجِزيةَ لتَكونَ أَموالُهم كأَموالِنا، ودِماؤُهم كدِمائِنا، والمُسلِمونَ على شُروطِهم.
لكنَّ الفُقهاءَ اتَّفقوا على عَدمِ جَوازِ إقامةِ الذِّميِّ واستيطانِه في مَكةَ والمَدينةِ، على خِلافٍ وتَفصيلٍ فيما سِواهما؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
ولقَولِه ﷺ: «لا يَجتمِعُ في أرضِ العَربِ دِينانِ» (٢)، ولقَولِه عليه الصلاة والسلام: «لأُخرِجنَّ اليَهودَ والنَّصارى من جَزيرةِ العَربِ حتى لا أدَعَ إلا مُسلمًا» (٣) (٤).
(١) «المغني» (١٢/ ٥٦٩).
(٢) أخرَجَه أبو عبيد في «الأموال» ص (١٢٨)، نشر دار الفكر، سنة ١٣٩٥ هـ.
(٣) رواه مسلم (١٧٦٧).
(٤) «ابن عابدين» (٣/ ٢٧٥)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٢٦٧)، و «الماوردي» ص (١٦٧)، و «المغني» (١٢/ ٧٠٣)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٤١)، وما بعدَها.
أمَّا في غيرِها من المُدنِ والقُرى في دارِ الإسلامِ، فيَجوزُ لأهلِ الذِّمةِ أنْ يَسكنوا فيها مع المُسلِمينَ أو مُنفرِدين، لكنْ ليسَ لهم رَفعُ بِنائِهم على المُسلِمينَ بقَصدِ التَّعالي، وإذا لزِمَ من سُكناهم في المِصرِ بينَ المُسلِمينَ تَقليلُ الجَماعةِ أُمِروا بالسُّكنى في ناحيةٍ -في خارجِ المِصرِ- ليسَ فيها جَماعةُ المُسلِمينَ، إذا ظهَرَت المَصلحةُ في ذلك (١).
وأمَّا حقُّ التَّنقُّلِ: فيَتمتَّعُ أهلُ الذِّمةِ به في دارِ الإسلامِ أينما يَشاؤونَ للتِّجارةِ وغيرِها، إلا أنَّ في دُخولِهم مَكةَ والمَدينةَ وأرضَ الحِجازِ؛ فإنَّ العُلماءَ قد اختلَفوا في ذلك.
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ، وهو قَولٌ عندَ المالِكيةِ إلى مَنعِ دُخولِ الكُفارِ إلى الحَرمِ مُطلَقًا؛ لعُمومِ الآيةِ السابِقةِ.
فإنْ أرادَ كافِرٌ الدُّخولَ إلى الحَرمِ مُنِع منه؛ فإنْ كانَت معه مِيَرةٌ أو تِجارةٌ خرَجَ إليه مَنْ يَشتَري منه، ولمْ يُترَكْ هو يَدخلُ، وإنْ كانَ رَسولًا إلى إمامٍ بالحَرمِ خرَجَ إليه من يَسمَعُ رِسالتَه ويُبلِّغُها إياه؛ فإنْ قالَ: لا بدَّ لي من لقاءِ الإمامِ، وكانَت المَصلحةُ في ذلك خرَجَ إليه الإمامُ، ولمْ يأذَنْ له بالدُّخولِ.
وإذا أراد مُشرِكٌ دُخولَ الحَرمِ ليسَلِمَ فيه مُنِع منه حتى يُسلِمَ قَبلُ (٢).
(١) «ابن عابدين» (٣/ ٢٧٥، ٢٧٦)، و «الأحكام السلطانية» للماوردي (١٤٥، ١٦٨)، وأبي يعلى ص (١٤٣)، و «المغني» (١٢/ ٧٠١)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٢٦٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٣٦).
(٢) «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٤٦٩)، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١٠٤)، و «شرح ابن بطال» (٢/ ١٨)، و «الأحكام السلطانية» للماوردي ص (١٨٨)، ولأبي يعلى ص (١٩٥)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٤١) وما بعدها، و «المغني» (١٢/ ٧٠٣)، و «الكافي» (٤/ ٣٦٣).
قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: وإذا دخَلَ المُشرِكُ الحَرمَ بغيرِ إذنٍ عُزِّرَ ولمْ يُستبَحْ به قَتلُه، وإنْ دخَلَه بإذنٍ لمْ يُعزَّرْ، ويُنكَرُ على مَنْ أذِنَ له (١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: ليسَ لجَميعِ من خالَفَ دينَ الإسلامِ من ذِميٍّ أو مُعاهَدٍ أنْ يَدخُلَ الحَرمَ، لا مُقيمًا ولا مارًّا به، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ رحمة الله عليه وأكثَرُ الفُقهاءِ، وجوَّزَ أبو حَنيفةَ دُخولَهم إليه إذا لمْ يَستوطِنوه، وفي قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] نَصٌّ يَمنعُ ما عَداه؛ فإنْ دخَله مُشرِكٌ عُزِّر إنْ دخَلَه بغيرِ إذنٍ ولمْ يُستبَحْ قَتلُه، وإنْ دخَلَه بإذنٍ لم يُعزَّرْ وأُنكِرَ على الآذِنِ له.
وعُزِّرَ إنِ اقتَضَت حالُه التَّعزيرَ، وأُخرِج منه المُشرِكُ آمِنًا، وإذا أَرادَ مُشرِكٌ دُخولَ الحَرمِ ليسَلِمَ فيه مُنِع منه حتى يُسلِمَ قَبلَ دُخولِه، وإذا ماتَ مُشرِكٌ في الحَرمِ حرُمَ دَفنُه فيه، ودُفنَ في الحِلِّ؛ فإنْ دُفنَ في الحَرمِ نُقلَ إلى الحِلِّ، إلا أنْ يَكونَ قد بَلِيَ فُيتركَ فيه كما تُرِكت أَمواتُ الجاهِليةِ، وأمَّا سائِرُ المَساجدِ فيَجوزُ أنْ يُؤذَنَ لهم في دُخولِها ما لمْ يُقصَدْ بالدُّخولِ استِبذالُها بأكلٍ أو نَومٍ فيُمنَعوا.
(١) و «الأحكام السلطانية» للماوردي ص (١٨٨)، ولأبي يعلى ص (١٩٥)، و «أحكام أهل الذمة» (١/ ١٤١) وما بعدها، و «تفسير القرطبي» (٨/ ١٠٤)، و «الزرقاني» (٣/ ١٤٢)، و «الحطاب» (٣/ ٣٨١)، و «الجمل» (٥/ ٢١٥)، و «المهذب» (٢/ ٢٥٨)، و «شرح مسلم» للنووي (١١/ ٩٤)، (١٢/ ٨٧).
ارجع إلى حقوق أهل الذمة للاطلاع على جميع المسائل.