الإسلام > الجنايات والحدود > حكم الردء > ثبوت حد الحرابة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةهذا الوجهِ كانَ دَمُه هَدرًا، وكذلكَ إذا طَلَبوا دَمَه كانَ له أنْ يَدفعَهم ولو بالقَتلِ إجماعًا، لكنَّ الدفعَ عن المالِ لا يَجبُ، بل يَجوزُ له أنْ يُعطيَهم المالَ ولا يُقاتلَهم، وأما الدفعُ عن النَّفسِ ففِي وُجوبِه قَولانِ هُما رِوايتانِ عن أحمَدَ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ رحمة الله عليه: الإجماعُ بأنَّ مَنْ شهَرَ على آخَرَ سِلاحًا ليَقتلَه فدفَعَ عن نَفسِه فقتَلَ الشاهِرَ أنه لا شيءَ عليهِ (٢).
ثُبوتُ حَدِّ الحِرابةِ:
يَثبتُ حَدُّ الحِرابةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ بشَهادةِ عَدلينِ، وزادَ المالِكيةُ أنَّ المُحارِبَ إذا كانَ مَشهورًا وكانَ حالُه في الحِرابةِ مُستفيضًا فشَهدَ عليه رَجلانِ يَعرفانِه بعَينِه وقالَا: «إنَّ هذا هو فُلانٌ المَشهورُ بالحِرابةِ» تَثبتُ الحِرابةُ بشَهادتِهما، أو أقامَ الإمامُ عليه الحَدَّ بهذه الشهادةِ وقتَلَه وإنْ لم يَشهدَا عليه بمُعايَنةِ القتلِ والسلبِ وقَطعِ الطَّريقِ (٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو شَهدَ شاهِدانِ مِنْ الرِّفقةِ أنَّ هَؤلاءِ عَرَضوا لنا فنَالُونا وأخَذُوا مَتاعَنا، هل تَجوزُ شَهادتُهما أم لا؟
(١) «مجموع الفتاوى» (٣٤/ ٢٤٢).
(٢) «فتح الباري» (١٢/ ٢٢٢).
(٣) «التاج والإكليل» (٥/ ٣٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ١٠٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٣٦٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (١٠/ ٣٥٢).
فقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: لا تجوزُ شَهادتُهما؛ لأنهُما خَصمانِ ويَسعَهما أنْ يَشهدَا «أنَّ هؤلاءِ عَرَضوا لهَؤلاءِ ففَعَلوا بهِم كذا وكذا وأخَذوا منهُم كذا وكذا ونَحنُ نَنظرُ»، وليسَ للإمامِ أنْ يكشفَهُما عن غيرِ ذلكَ.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: إذا أخبَرَ جَماعةٌ ادَّعَوا على قَومٍ أحضَروهُم أنهُم قَطَعوا عليهِم الطريقَ وأخَذُوا منهُم أموالًا وقَتَلوا منهِم رِجالًا؛ فإنِ اعتَرَفوا لهم طَوعًا بما ادَّعَوا أُخِذوا بإقرارِهم في النُّفوسِ والأموالِ، وإنْ أنكَروهُم أحلَفُوهم إنْ عَدِموا البيِّنةَ عليهِم، وإنِ اعتَرفَ بعضُهم وأنكَرَ بعضُهم حُدَّ المُعتَرِفُ منهم بإقرارِه وأُحلِفَ المُنكِرُ، ولم تُسمعْ شَهادةُ المعتَرِفِ على المُنكِرِ؛ لفِسقِه بقَطعِ الطريقِ، فإنْ شَهدَ للمُدَّعينَ شاهِدانِ فقالوا: «نَشهدُ أنَّ هؤلاءِ قَطَعوا علينا الطريقَ وأخَذوا أموالَنا وقَتَلوا منَّا نُفوسًا» لم تُقبلْ شَهادتُهم؛ لأمرَينِ:
أحَدُهما: لأنهما قد صارَا خصمَينِ مِنْ جُملةِ المُدَّعينَ لم يَتميَّزوا عنهُم في الشهادةِ لهُم ولأنفسِهِم، وشَهادةُ الإنسانِ لنَفسِه دَعوى تُرَدُّ ولا تُقبلُ منهُما في حَقِّهما ولا في حَقِّ غيرِهما.
والثاني: أنهُما قد صارَا بهذا القَولِ عَدوَّينِ للمَشهودِ عليهِم، وشَهادةُ العدوِّ على عدوِّه مَردودةٌ.
ولو ابتَدأَ الشاهِدانِ على قطَّاعِ الطَّريقِ فقالَا: «نَشهدُ أنَّ هؤلاءِ قَطَعوا على هؤلاءِ الطريقَ وأخَذوا مِنْ الأموالِ كذا وقَتلُوا مِنْ النفوسِ كَذا» قُبِلتْ شَهادتُهما؛ لأنهُما قد يكونانِ بمَعزلٍ على المُدَّعينَ فيُشاهِدوا قطْعَ الطريقِ،
ولا يَسألُهم الحاكِمُ هل كانَا معُهم أم لا؟ وقالَ بعضُ العِراقيينَ: (لا يَحكمُ بشاهَدتِهما حتى يَسألَهما هل كانا مع القَومِ أم لا؟ فإنْ قالا: «لا» حكَمَ لها، وإنْ قالا: «نعمْ» لم يَحكمْ؛ لأنَّ ما احتَملَ القَبولَ والرَّدَ لم يُحكمْ به مع الاحتمالِ)، وهذا ليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ ظاهرَ العَدالةِ تَصرِفُ الشهادةَ إلى الصِّحةِ دونَ الفَسادِ، كما أنَّ الظاهرَ صِدقُهما وإنْ جازَ كَذبُهما، فلمْ يَجُزْ أنْ يُجعلَ الاحتمالُ طريقًا إلى رَدِّها إذا أوجَبَ الظاهرُ قَبولَهما (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إذا شَهدَ عَدلانِ على رَجلٍ أنه قطَعَ عليهِما الطريقَ وعلى فُلانٍ وأخَذَ مَتاعُهم لم تُقبلْ شَهادتُهما؛ لأنهُما صارَا خَصمَينِ له بقَطعِه عليهِما، وإنْ قالا: «نَشهدُ أنَّ هذا قطَعَ الطريقَ على فُلانٍ وأخَذَ مَتاعَه» قُبِلتْ شَهادتُهما ولم يَسألْهما الحاكِمُ: هل قطَعَ عليكُما معَه أم لا؟؛ لأنه لا يَسألُهما ما لم يَدَّعِ عليهِما.
وإنْ عادَ المَشهودُ له فشَهدَ عليه أنه قطَعَ عليهِما الطريقَ وأخَذَ مَتاعَهما لم تُقبلْ شَهادتُه؛ لأنه صارَ عَدوًّا له بقَطعِه الطَّريقَ عليهِ، وإنْ شَهدَ شاهِدانِ «أنَّ هؤلاءِ عَرَضوا لنا في الطريقِ وقَطَعوها على فُلانٍ» قُبِلتْ شَهادتُهما؛ لأنه لم يَثبتْ كَونُهما خَصمينَ بما ذَكَراهُ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه إذا شَهدَ رَجلانِ مِنْ الرِّفقةِ تَجوزُ شَهادتُهما قالوا: تَجوزُ على المُحارِبينَ شَهادةُ مَنْ حارَبوهُ إنْ كانوا عُدولًا؛ إذ لا سَبيلَ
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٣٧٢، ٣٧٣)، و «الأم» (٦/ ١٥٣).
(٢) «المغني» (٩/ ١٣٤).
ارجع إلى حكم الردء للاطلاع على جميع المسائل.