أن يظاهروا على المسلمين

الإسلام > الجنايات والحدود > حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء > أن يظاهروا على المسلمين

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 6 دقيقة قراءة

أن يظاهروا على المسلمين - الأقوال والأدلة

١ - أنْ يُظاهِروا على المُسلِمينَ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الكُفارَ إذا ظاهَروا على المُسلِمينَ وعاوَنوا علينا عَدوًّا لنا فقد انتقَضَ عَهدُهم سَواءٌ ظاهَروا سِرًّا أو جَهرًا.

لقَولِه ﷿: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] فدلَّ على أنَّهم إذا لمْ يَستَقيموا لنا لمْ نَستَقِمْ لهم؛ لقَولِه ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] فدلَّ على أنَّهم إنْ ظاهَروا علينا أحَدًا لم نُتِمَّ إليهم عَهدَهم.

ولأنَّ الهُدنةَ تَقتَضي الكَفَّ عنا فانتُقِضت بتَركِه ولا يَفتقِرُ نَقضُها إلى حُكمِ الإمامِ بنَقضِها؛ لأنَّ الحُكمَ إنَّما يُحتاجُ إليه في أمرٍ مُحتمَلٍ، وما تَظاهَروا به لا يَحتمِلُ غيرَ نَقضِ العَهدِ.

وقد غَزا النَّبيُّ أهلَ مَكةَ بعدَ الهُدنةِ من غيرِ أنْ يَنبِذَ إليهم؛ لأنَّهم كانُوا نقَضُوا العَهدَ بمُعاوَنتِهم بَني كِنانةَ على قِتالِ خُزاعةَ، وكانُوا حُلفاءَ للنَّبيِّ ، ولذلك جاءَ أبو سُفيانَ إلى المَدينةِ يَسألُ النَّبيَّ تَجديدَ العَهدِ بينَه وبينَ قُريشٍ فلم يُجِبْه النَّبيُّ إلى ذلك، فمِن أجلِ ذلك لم يَحتَجْ إلى النَّبذِ إليهم إذْ كانُوا قد أظهَرُوا نقضَ العَهدِ بنَصبِ الحَربِ لحُلَفاءِ النَّبيِّ .

ولأنَّه كانَ مِنْ هَديِهِ وسُنَّتِه إذا صالَحَ قَومًا وعاهَدَهم فانضافَ إليهم عَدوٌّ له سِواهم فدَخلوا معهم في عَقدِهم وانضافَ إليه قَومٌ

آخَرونَ فدخَلوا معه في عَقدِه صارَ حُكمُ مَنْ حارَبَ مَنْ دخَلَ معه في عَقدِه مِنْ الكُفارِ حُكمَ مَنْ حارَبَه، وبهذا السَّببِ غَزا أهلَ مَكةَ؛ فإنَّه لمَّا صالَحَهم على وَضعِ الحَربِ بينَهم وبَينَه عَشرَ سِنينَ تَواثَبتْ بَنو بَكرِ بنِ وائِلٍ فدخَلَت في عَهدِ قُريشٍ وعَقدِها، وتَواثَبتْ خُزاعةُ فدخَلَت في عَهدِ رَسولِ اللهِ وعَقدِه، ثم عدَت بَنو بَكرٍ على خُزاعةَ فبيَّتَتْهم وقتَلَت منهم وأعانَتْهم قُريشٌ في الباطِنِ بالسِّلاحِ، فعدَّ رَسولُ اللهِ قُرَيشًا ناقِضينَ للعَهدِ بذلك واستَجازَ غَزوَ بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ لتَعدِّيهم على حُلَفائِه.

وبهذا أفتَى شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ بغَزوِ نَصارى المَشرِقِ لمَّا أعانوا عَدوَّ المُسلِمينَ على قِتالِهم فأمَدُّوهم بالمالِ والسِّلاحِ وإنْ كانُوا لم يَغزُونا ولم يُحارِبونا ورآهم بذلك ناقِضينَ للعَهدِ كما نقَضَت قُريشٌ عَهدَ النَّبيِّ بإعانَتِهم بَني بَكرِ بنِ وائِلٍ على حَربِ حُلفائِه فكيفَ إذا أعانَ أهلُ الذِّمةِ المُشرِكينَ على حَربِ المُسلِمينَ.

وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ثم نقَضَ بعضُ قُريشٍ ولم يُنكِرْ عليه غيرُه إنكارًا يُعتَدُّ به عليه ولم يَعتزِلْ دارَه فغَزاهم رَسولُ اللهِ عامَ الفَتحِ مُخفِيًّا وَجهَه ليُصيبَ منهم غِرةً (١).

(١) «الأم» (٤/ ١٨٩)، وينظر: «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٢٥٢، ٢٧٤)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٢٤٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٣)، و «أحكام القرآن» للكيا هراسي (٤/ ١٧٤)، و «البيان» (١٢/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٩٧)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٢)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٥)، و «الكافي» (٤/ ٣٤٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ١٢٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٨٨).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 407 - 408

ارجع إلى حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء؟ للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل