الإسلام > الجنايات والحدود > حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء > أن يقاتلوا المسلمين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءة٢ - أنْ يُقاتِلوا المُسلِمينَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ أهلَ الهُدنةِ والصُّلحِ من الكُفارِ إذا قاتَلُوا المُسلِمينَ انتقَضَ عَهدُهم إذا كانَ بإذنِ الإمامِ، أو قاتَلْنا جَماعةٌ من الكُفارِ وعلِمَ إمامُهم بهذا.
فإنْ خرَجَ جَماعةٌ منهم لقِتالِنا ففيه تَفصيلٌ بينَ المَذاهبِ.
قالَ الحَنفيةُ: إنْ خرَجَ قَومٌ من دارِ المُوادَعةِ بإذنِ الإمامِ وقطَعوا الطَّريقَ في دارِ الإسلامِ انتقَضَ عَهدُهم؛ لأنَّ إذْنَ الإمامِ بذلك دِلالةُ النَّبذِ.
ولو خرَجَ قَومٌ من غيرِ إذنِ الإمامِ فقطَعوا الطَّريقَ في دارِ الإسلامِ؛ فإنْ كانُوا جَماعةً لا مَنَعةَ لهم لا يَكونُ ذلك نَقضًا للعَهدِ؛ لأنَّ قَطعَ الطَّريقِ بلا مَنَعةٍ لا يَصلُحُ دِلالةً للنَّقضِ؛ لأنَّ هؤلاء غيرُ مُمتنِعينَ، ولأنَّ أصحابَهم بصُنعِ هؤلاء غيرُ رَاضينَ، ألَا تَرى أنَّه لو نَصَّ واحِدٌ منهم على النَّقضِ لا يَنتقِضُ كما في الأمانِ المُؤبَّدِ وهو عَقدُ الذِّمةِ.
وإنْ كانُوا جَماعةً لهم مَنَعةٌ فخرَجُوا وفعَلوا ذلك في دارِ الإسلامِ عَلانيةً بغيرِ أمرٍ مِنْ مَلِكِهم وأهلِ مَملَكتِه فهؤلاء ناقِضونَ للعَهدِ؛ لأنَّه ليسَت فائِدةُ العَهدِ إلا تَركَ القِتالِ، فإذا جاهَروا بالقِتالِ مُتقرِّرينَ بمَنَعتِهم كانُوا ناقِضينَ بمُباشَرتِهم ضِدَّ ما هو مُوجِبٌ للمُوادَعةِ.
فأمَّا المَلِكُ وأهلُ مَملكتِه فهُم على مُوادَعتِهم؛ لأنَّهم ما باشَروا سَببَ نَقضِها ولا رَضُوا بصَنيعِ هؤلاء، فلا يُؤخَذونَ بذَنبِ غيرِهم، وإنْ كانُوا خرَجُوا بإذنِ مَلِكِهم فقد نقَضُوا جَميعًا العَهدَ، فلا بأسَ بقَتلِهم وسَبْيِهم
حيثُما وُجِدوا؛ لأنَّ فِعلَهم بإذنِ المَلكِ كفِعلِ المَلكِ بنَفسِه. وأهلُ المَملكةِ تَبَعٌ للمَلِكِ في المُوادَعةِ والمُقاتَلَةِ لانقيادِهم له ورِضاهم بكَونِه رأسَهم، فإذا صار هو ناقِضًا للعَهدِ صار أهلُ المَملكةِ ناقِضينَ للعَهدِ تَبعًا له، سَواءٌ عَلِموا بما صنَع مَلِكُهم أو لم يَعلَموا إلَّا رَجلًا خرَجَ إلى دارِنا قبلَ إذنِ مَلِكِهم في الذي أذِنَ فيه؛ فإنَّ ذلك الرَّجلَ قد حصَلَ آمِنًا فينا فيَبقى آمِنًا ما لم يَعُدْ إلى مَنَعتِه.
وإنْ كانَت الجَماعةُ التي خرَجَت إلى القِتالِ خرَجَت بعِلمِ مَلِكهم فلم يَنهَهم ولم يُخبِرِ المُسلِمينَ بأمرِهم، فهذا والأولُ سَواءٌ؛ لأنَّهم حَشَمُه يَنقادونَ له، والسَّفيهُ إذا لم يُنهَ مَأمورٌ، ولأنَّه كانَ الواجِبُ عليه بحُكمِ المُوادَعةِ مَنعُهم إنْ قدِرَ على ذلك، أو إخبارُ المُسلِمينَ بأمرِهم إنْ لم يَقدِرْ على ذلك، فإذا ترَك ما هو مُستحقٌّ عليه بتلك المُوادَعةِ كانَ ذلك بمَنزِلةِ أمرِه إيَّاهم بالقِتالِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: نَقضُ الهُدنةِ إمَّا أنْ يَكونَ من جَميعِهم وإمَّا أنْ يَكونَ من بَعضِهم؛ فإنْ نقَضَ جَميعُهم الهُدنةَ صارَ جَميعُهم حَربًا، وليسَ لواحِدٍ منهم أمانٌ على نَفسٍ ولا مالٍ.
وإنْ نقَضَه بَعضُهم، لم يَخلُ حالُ الذين لم يَنقُضوا منهم من ثَلاثةِ أقسامٍ:
أحَدُها: أنْ يَظهرَ منهم الرِّضا بنَقضِه في قَولٍ أو فِعلٍ، فيُنتقَضُ عَهدُهم بالرِّضا كما انتقَضَ به عَهدُ المُباشَرةِ، ويَصيرُ جَميعُهم حَربًا.
(١) «شرح كتاب السير الكبير» (٥/ ١٦٩٦، ١٦٩٧)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٠٩، ١١٠).
والقِسمُ الثانِي: أنْ يَظهرَ منهم الكَراهةُ لنَقضِه بقَولٍ أو فِعلٍ، بأنْ يَعتزِلوهم أو يُعلِموا الإمامَ ببَقائِهم على العَهدِ فلا يُنقَضُ العَهدُ في حَقِّهم وإنْ كانَ الناقِضُ رَئيسَهم لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥]؛ فإنِ اقتصَروا على الإنكارِ من غيرِ اعتِزالٍ أو إعلانِ الإمامِ بذلك فناقِضونَ بخِلافِ عَقدِ الذِّمةِ، والقَولُ قَولُ مُنكِرِ النَّقضِ بيَمينِه.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يُمسِكوا عنه، فلن يَظهرَ منهم رِضًا به، ولا كَراهةٌ له في قَولٍ، ولا فِعلٍ، فيَكونَ إمساكُهم نَقضًا لعَهدِهم، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وكذلك كانَت سُنةُ اللهِ تَعالى في عاقِرِ ناقةِ صالِحٍ باشَرَ عَقرَها أُحَيمِرُ، وهو قُدارُ بنُ سالِفٍ، وأمسَكَ قَومُه عنه، فأخَذَ اللهُ جَميعَهم بذَنبِه، فقالَ تَعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ [الشمس: ١٤، ١٥]، وقد وادَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَهودَ بَني النَّضيرِ، وهَمَّ بَعضُهم بقَتلِه، فجعَله نَقضًا منهم لعَهدِه، فغَزاهم وأجلَاهم.
ووادَع ﷺ يَهودَ بَني قُريظةَ، فأعانَ بَعضُهم أبا سُفيانَ بنِ حَربٍ على حَربِ رَسولِ اللهِ ﷺ في الخَندقِ، وقيلَ: إنَّ الذي أعانَه منهم ثَلاثةٌ: حُيَيُّ بنُ أخطَبَ وأخوه وآخَرُ على النَّبيِّ ﷺ يَومَ الخَندقِ، وسكَتَ الباقونَ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك نَقضًا للهُدنةِ في حَقِّ جَميعِهم وسارَ إليهم، وغَزاهم فقتَلَ رِجالَهم وسَبى ذَراريَّهم.
وأيضًا: «فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا صالَحَ مُشرِكي قُريشٍ عامَ الحُدَيبيةِ، دخَلَ بَنُو بَكرٍ في جُملةِ قُريشٍ وكانُوا حُلفاءَهم، ودخَلَت خُزاعةُ
في جُملةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وحالَفوه، فحارَبَ بَنُو بَكرٍ خُزاعةَ، وأعانَ نَفرٌ من قُريشٍ بَني بَكرٍ على خُزاعةَ، وأمسَكَ سائِرُ قُريشٍ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك نَقضًا لعَهدِهم، وسارَ إلى مَكةَ وفتحَها».
وقيلَ: لم يُعِنْ أحَدٌ من قُريشٍ بَني بَكرٍ، وإنَّما قتَلَ رَجلٌ من بَني بَكرٍ رَجلًا من خُزاعةَ، فسكتَت قُريشٌ ولم تُنكِرْ على بَني بَكرٍ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلك نَقضًا لعَهدِهم ودلَّ على أنَّ المُمسِكَ يَجري عليه في نَقضِ العَهدِ حُكمُ المُباشِرِ، ولأنَّه لمَّا كانَ عَقدُ الواحِدِ للهُدنةِ عَقدًا لجَميعِهم؛ بدَليلِ أنَّ سُهَيلَ بنَ عَمرٍو لمَّا عقَد الهُدنةَ له ولمُشرِكي قُريشٍ، وعقَد أبُو سُفيانَ الأمانَ له ولقُريشٍ، كانَ نَقضُ الواحِدِ نَقضًا له ولِلراضي بنَقضِه.
ولا فَرقَ في الحُكمِ بينَ السُّوقةِ وغيرِهم على الصَّحيحِ وفي قَولٍ: لو نقَضَ السُّوقةُ ولم يَعلَمِ الرَّئيسُ والأشرافُ بذلك لا يُنتقَضُ عَقدُهم كما لا اعتبارَ بعَقدِهم فلا اعتبارَ بنَقضِهم.
وكذا لو نقَضَ الرُّؤساءُ وامتنَعَ الأتْباعُ وأنكَروا ففي الانتِقاضِ في حَقِّهم قَولانِ، وَجهُ النَّقضِ أنَّه لم يَبقَ العَقدُ في حَقِّ المَتبوعِ فكذا التابِعُ.
والصَّحيحُ أنَّهم إنْ أنكَروا بقَولٍ أو فِعلٍ بأنِ اعتزَلُوه أو بَعثوا إلى الإمامِ بأنَّا مُقيمون على العَهدِ لم يُنتقَضْ.
وإذا انتقَضَ في حَقِّ بَعضِهم؛ فإنْ تَميَّزوا فذاك، وإلا لا يُبيِّتْهم الإمامُ، فلا يُغارُ عليهم إلا بعدَ الإنذارِ، ويُبعَثَ إلى الذين لم يَنقُضوا ليَتميَّزوا أو
يُسلِّموهم؛ فإنْ لم يَفعَلوا مع القُدرةِ صاروا ناقِضينَ أيضًا، ومَن أخَذَ منهم واعترَف بأنَّه من الناقِضينَ أو قامَت عليه بَيِّنةٌ لم يَخْفَ حُكمُه، وإلا يُصدَّقَ بيَمينِه أنَّه لم يَنقُضْ.
وإذا انتُقِضت الهُدنةُ وهو ببِلادِهم جازَت الإغارةُ عليهم وتَبييتُهم، وهو الإغارةُ عليهم ليلًا سَواءُ عَلِموا أنَّه ناقِضٌ أو لا؛ ولأنَّهم صاروا حينَئذٍ كما كانُوا قبلَ الهُدنةِ أمَّا إذا كانُوا ببِلادِنا فلا نُقاتِلُهم بل نُبلِغُهم المأمَنَ، أي: مَحلًّا يَأمَنونَ فيه مِنَّا ومِن أهلِ عَهدِنا ولو بطَرفِ بِلادِنا فيما يَظهرُ ومَن له مَأمَنانِ يَسكنُ بكلٍّ منهما يَتخيَّرُ الإمامُ بينَهما؛ فإنْ سكَنَ بأحَدِهما لزِمَه إبلاغُ مَسكنِه منهما على الأوجَهِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا نقَضَ الكُفارُ العَهدَ قاتَلَهم الإمامُ، وإنْ نقَضَ بَعضُهم العَهدَ دونَ بَعضٍ فلهم حَالتانِ:
الأُولى: أنْ يَسكُتَ باقيهم عن الناقِضِ للعَهدِ ولم يُوجدْ منهم إنكارٌ على الناقِضِ ولا مُراسلةُ الإمامِ ولا تبَرُّؤٌ منه، فالكلُّ ناقِضونَ للعَهدِ لرِضاهم بفِعلِ أولئك وإقرارِهم لهم «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا هادَن قُريشًا دخَلت خُزاعةُ مع النَّبيِّ ﷺ وبَنو بَكرٍ مع قُريشٍ فعدَت بَنو بَكرٍ على خُزاعةَ وأعانَهم بعضُ قُريشٍ، وسكَتَ الباقونَ، فكانَ ذلك نقضَ
(١) «الحاوي الكبير» (١٤/ ٣٧٩، ٣٨١)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٣)، و «البيان» (١٢/ ٣٢٤، ٣٢٦)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥٥، ٥٦)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٩٧، ٩٨)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٤٤٤)، و «كنز الراغبين» (٤/ ٥٨٥).
ارجع إلى حكم عقد الهدنة هل يلزم الوفاء به أو يجوز للإمام فسخه متى شاء؟ للاطلاع على جميع المسائل.