الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس > الدية في إذهاب الشم
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةمَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه أبانَ أنفَه، فلَزمَتْه ديَتُه كما لو لم يَلتحمْ، ولأنَّ ما أُبينَ قد نَجُسَ، فلَزمَه أنْ يُبينَه بعدَ التِحامِه، ومَن قالَ بقولِ أبي بَكرٍ منَعَ نَجاستَه ووُجوبَ إبانتِه؛ لأنَّ أجزاءَ الآدَميِّ كجُملتِه؛ بدَليلِ سائرِ الحَيواناتِ، وجُملتُه طاهرةٌ وكذلكَ أجزاؤُه (١).
الدِّية في إذهابِ الشَّمِّ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الجِنايةَ على حاسَّةِ الشمِّ بإذهابِه تُوجِبُ ديَةً كاملةً، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا (٢)؛ لِما رُويَ في الحَديثِ مَرفوعًا: «وفي المَشامِّ الدِّيةُ» (٣)، ولأنها حاسَّةٌ تَختصُّ بمَنفعةٍ مَقصودةٍ، فوجَبَ بإتلافِها الدِّيةُ كالسَّمعِ والبَصرِ.
وإنْ ذهَبَ الشمُّ مِنْ أحَدِ المِنخرينِ وجَبَ فيه نِصفُ الدِّيةِ، كما تَجبُ في إذهابِ البَصرِ مِنْ أحَدِ العَينينِ والسَّمعِ مِنْ أحَدِ الأذُنينِ.
وإنْ جنَى عليهِ فنقَصَ الشمُّ وجَبَ عليهِ أرشُ ما نقَصَ، وإنْ أمكَنَ أنْ يُعرَفَ قدرُ ما نقَصَ وجَبَ فيه مِنْ الدِّيةِ بقَدرِه، وإنْ لم يُمكنْ مَعرفةُ قَدرِه وجَبَتْ فيه الحُكومةُ، كما في نُقصانِ السَّمعِ.
(١) «المغني» (٨/ ٣٤٧، ٣٤٨)، و «البيان» (١١/ ٥٢٢، ٥٢٣)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣٥)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٦٦).
(٢) «المغني» (٨/ ٣٤٧).
(٣) لم أَجِدْه، ولا يُوجَدُ في حَديثِ الديَاتِ.
وإنْ ذهَبَ الشمُّ وأُخذَتْ فيه الدِّيةُ ثم عادَ وجَبَ رَدُّ الدِّيةِ؛ لأنَّا تَبينَّا أنه لم يَذهبْ وإنما حالَ دونَه حائلٌ؛ لأنه لو ذهَبَ لم يَعُدْ.
والشمُّ مِنْ الأمورِ المغيبةِ التي لا تُرى ولا تُعلَمُ إلا مِنْ صاحبِها، فإنِ ادَّعى المَجنيُّ عليهِ ذَهابَ شَمِّه وأنكَرَه الجاني وادَّعَى بَقاءَه كانَ القَولُ فيه قولَ المَجنيِّ عليهِ؛ لأنَّ ذَهابَه لا يُعرَفُ إلا مِنْ جِهتِه، لكن يُستظهرُ عليهِ بغايةِ ما يُمكنُ في اختبارِ صدقِه، بأنْ يُثارَ عليهِ في أوقاتِ غَفلاتِه الروائحُ الطيِّبةُ والمُنتِنةُ مرَّةً بعدَ أخرَى، فإنْ كانَ لا يَرتاحُ إلى الرَّوائحِ الطيِّبةِ ولا يَظهرُ منه كَراهةٌ للرَّوائحِ المُنتِنةِ دَلَّ ذلكَ على صِدقِه، فكانَ القَولُ فيه قولَه مع يَمينِه؛ لإمكانِ تَصنُّعِه، وإنْ وُجدَ منه الارتياحُ للرَّوائحِ الطيِّبةِ والكَراهةُ للروائحِ المنتِنةِ صارَ الظاهرُ بها في جَنبةِ الجاني، فأُحلِفَ على بَقاءِ شَمِّه ولا شيءَ عليهِ، فلو أُحلفَ المَجنيُّ عليهِ على ذَهابِ شَمِّه ثم غَطَّى أنفَه عندَ رائِحةٍ منتِنةٍ فادَّعى الجاني أنه غطَّاهُ لبقاءِ شَمِّه وقالَ المَجنيُّ عليهِ: «بل غطَّيتُه لحاجةٍ أو عادةٍ» كانَ القَولُ فيه قولَ المَجنيِّ عليهِ دون الجاني، ويُحكَمُ له بالدِّيةِ؛ لاحتِمالِ ما قالَه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الصَّحيحِ إلى أنَّ فيه حُكومةً؛ لأنه ضَعيفُ
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣١٧)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣٨٥)، و «الفتاوى الهندية» (٦/ ٢٥)، و «عقد الجواهر الثمينة» (٣/ ١١١٩)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٦٥)، و «شرح مختصر خليل» (٨/ ٣٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٧٣)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٦٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٠٢)، و «البيان» (١١/ ٥٢٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٣٢٠)، و «الكافي» (٤/ ١٠١)، و «كشاف القناع» (٦/ ٤٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
في الأعضاء التي تجب فيها الدية كاملة
وَقْتُهُ مَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لِلْحَالِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ» .
وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رحمة الله عليه فِي فَخِذِهِ بِعَظْمٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ فَأَنَا وَاَللَّهِ مُنْتَظِرُهُ» ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ، وَالْجِرَاحَةُ عِنْدَ السِّرَايَةِ تَصِيرُ قَتْلًا فَيُتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا لَا فِي الطَّرَفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فِي الأعضاء الَّتِي تجب فِيهَا الدِّيَة كاملة
وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ.
أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعُضْوِ عَلَى الْكَمَالِ، وَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إبَانَةُ الْعُضْوِ وَإِذْهَابُ مَعْنَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ صُورَةً.
ارجع إلى دية الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.