الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس > الدية في ثديي الرجل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالصبيُّ ويَرتضعُ، فهُما كالأصابعِ في الكَفِّ، وإنْ قطَعَ الثَّديينِ كُلَّهما فليسَ فيهما إلا دِيةٌ، كما لو قطَعَ الذكَرَ كلَّه، وإنْ حصَلَ مع قَطعِهما جائِفةٌ وجَبَ فيهِما ثُلثُ الدِّيةِ مع دِيتِهما، وإنْ حصَلَ جائِفتانِ وجَبتْ ديَةٌ وثُلثانِ، وإنْ ضرَبَهما فأشَلَّهما ففيهما الدِّيةُ كما لو أشَلَّ يَدَيه.
وإنْ جنَى عليهِما فأذهَبَ لبَنَهما مِنْ غيرِ أنْ يَشُلَّهما فقالَ أصحابُنا: فيهِما حُكومةٌ، وهذا قولُ أصحابِ الشافِعيِّ، ويَحتملُ أنْ تَجبَ دِيتُهما؛ لأنه ذهَبَ بنَفعِهما، فأشبَهَ ما لو أشَلَّهما، وهذا ظاهرُ قولِ مالكٍ والثوريِّ وقتادةَ، وإنْ جنَى عليهما مِنْ صَغيرةٍ ثم ولَدتْ فلَم يَنزلْ لها لَبنٌ سُئلَ أهلُ الخِبرةِ، فإنْ قالوا: «إنَّ الجِنايةَ سَببُ قَطعِ اللبَنِ» فعليهِ ما على مَنْ ذهَبَ باللبنِ بعدَ وُجودِه، وإنْ قالوا: «يَنقطعُ بغيرِ الجِنايةِ» لم يَجبْ عليهِ أرشُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه، فلا يَجبُ فيها شيءٌ بالشكِّ، وإنْ جنَى عليهما فنقَصَ لبنُهما أو جنَى على ثَديينِ ناهِدينِ فكسَرَهما أو صارَ بهما مَرضٌ ففيهِ حُكومةٌ؛ لنَقصِه الذي نقَصَهما (١).
الدِّية في ثَديَي الرَّجلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في ثَديَيِ الرَّجلِ وهُمَا الثَّندوتانِ، هل فيهما الدِّيةُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى
(١) «المغني» (٨/ ٣٥٨) «الهداية» (٤/ ١٨١)، و «البحر الرائق» (٨/ ٣٧٨)، و «الاختيار» (٥/ ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «اللباب» (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٣٤٦)، و «البيان» (١١/ ٥٥٣، ٥٥٤).
أنَّ فيهما حُكومةَ عَدلٍ؛ لأنه ذهَبَ بالجَمالِ مِنْ غيرِ مَنفعةٍ، فلَم تَجبِ الدِّيةُ، كما لو أتلَفَ العَينَ القائِمةَ واليدَ الشلَّاءَ (١).
وذهَبَ الحَنابلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ فيهما الدِّيةَ؛ لأنَّ ما وجَبَ فيه الدِّيةُ مِنْ المَرأةِ وجَبَ فيه مِنْ الرَّجلِ، كاليَدينِ وسائرِ الأعضاءِ، ولأنهُما عُضوانِ في البَدنِ يَحصلُ بهما الجَمالُ ليسَ في البَدنِ غيرُهما مِنْ جِنسِهما، فوجَبَتْ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ، ولأنه أذهَبَ الجَمالَ، فوجَبَتِ الدِّيةُ كالشُّعورِ الأربعةِ عندَ أبي حَنيفةَ، وكأُذنَي الأصَمِّ وأنفِ الأخشَمِ عندَ الجَميعِ، ويُفارِقُ العينَ القائمةَ؛ لأنه ليسَ فيها جَمالٌ كاملٌ، ولأنها عُضوٌ قد ذهَبَ منه ما تَجبُ فيه الدِّيةُ، فلَم تَكملْ دِيتُه كاليَدينِ إذا شلَّتَا، بخِلافِ مَسألتِنا (٢).
(١) «الهداية» (٤/ ١٨١)، و «الاختيار» (٥/ ٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٢٣٩، ٢٤٠)، و «اللباب» (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨)، و «المدونة الكبرى» (١٦/ ٣١٦)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٩٠)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٢٧٤، ٢٧٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٦٧)، و «الأم» (٦/ ١٢٩)، و «البيان» (١١/ ٥٥٥).
(٢) «المغني» (٨/ ٣٥٩)، و «الكافي» (٤/ ١١٢، ١١٣)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٥٣)، و «البيان» (١١/ ٥٥٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب الدية
التَّحْرِيرُ فِيهِ تَوْبَةً.
(وَجْهُ) الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ فِيهَا ثَابِتَةٌ، بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَلَا يَصْلُحُ التَّحْرِيرُ تَوْبَةً بِهَا كَمَا فِي الْعَمْدِ؟ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فَنُفَصِّلُ الْكَلَامَ فِيهِ فَنَقُولُ: الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ إمَّا أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا حُرَّيْنِ، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا، وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، وَإِمَّا أَنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا، وَالْمَقْتُولُ حُرًّا، وَإِمَّا أَنْ كَانَا جَمِيعًا عَبْدَيْنِ، فَإِنْ كَانَا حُرَّيْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مِنْهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ عِنْدَ وُجُودِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ نَوْعَانِ: بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ، وَبَعْضُهَا إلَى الْمَقْتُولِ، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْقَاتِلِ فَالْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعَ هِيَ عِبَادَاتٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ، وَالصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ لَا يُخَاطَبَانِ بِالشَّرَائِعِ أَصْلًا.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمَقْتُولِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا فَلَا تَجِبُ بِقَتْلِ الْحَرْبِيِّ، وَالْبَاغِي لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ.
ارجع إلى دية الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.