الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس > دية الأذنين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةولنا: إنَّ فيها جَمالًا ونَفعًا، فإنها تَقِي العَينينِ وتَردُّ عنهُما وتُحسِّنُ العينَ وتُجمِّلُها، فوجَبَتْ فيها الدِّيةُ كالأجفانِ، وإنْ قطَعَ الأجفانَ بأهدابِها لم يَجبْ أكثرُ مِنْ دِيةٍ؛ لأنَّ الشَّعرَ يزولُ تبعًا لزوالِ الأجفانِ، فلَم تُفرَدْ بضمانٍ، كالأصابعِ إذا قطَعَ اليدَ وهي عليهِا (١).
دِيَةُ الأذُنَينِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في الأذُنينِ إذا ذهَبَ سَمعُهما الدِّيةَ، وفي إحداهُما نصفُ الدِّيةِ، وكذا إذا ذهَبَ السَّمعُ وحْدَه الدِّيةُ.
إلا أنهُم اختَلفُوا فيما لو قُطِعَتِ الأذنانِ ولم يَذهبْ سَمعُهما.
فذهَبَ عامَّةُ العُلماءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ ومالكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ فيها الدِّيةَ وإنْ بَقيَ السَّمعُ؛ لرِوايةِ عَمرِو بنِ حَزمٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في كتابِه إلى أهلِ اليَمنِ: «وفي الأذُنَينِ الدِّيةُ»، ولأنَّ ما كانَ في البَدنِ منه عُضوانِ كانَ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ، ولأنهما عُضوانِ يَجتمعُ فيهما مَنفعةٌ وجَمالٌ، فوجَبَ أنْ تَكملَ فيهما الدِّيةُ كاليَدينِ والرِّجلينِ.
فإنْ قيلَ: المَنفعةُ فيهما مَفقودةٌ، قيلَ: إنَّ مَنفعتَهُما مَوجودةٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى ما خلَقَ الأعضاءَ عَبثًا، ولا قدَّرَها إلا لحِكمةٍ ومَنفعةٍ، ومَنفعةُ الأُذنِ جَمعُ الصوتِ حتى يَلجَ إليها فيَصلَ إلى السمعِ، وهذا أكبَرُ المَنافعِ.
وفي إحداهُما نصفُ الدِّيةِ بغيرِ خِلافٍ بينَ القائِلينَ بوُجوبِ الدِّيةِ
(١) «المغني» (٨/ ٣٤٤).
فيهِما؛ لأنَّ كلَّ عُضوينِ وجَبَتِ الدِّيةُ فيهما وجَبَ في أحَدِهما نصفُها كاليَدينِ.
وإنْ قطَعَ بعضَ إحداهُما وجَبَ بقَدرِ ما قطَعَ مِنْ ديَتِها، وفي ربعِها ربعُها، وعلى هذا الحِسابِ، سواءٌ قطَعَ مِنْ أعلَى الأذنِ أو أسفلِها، أو اختَلفَ في الجَمالِ أو لم يَختلفْ، كما أنَّ الأسنانَ والأصابعَ تَختلفُ في الجَمالِ والمَنفعةِ وديَاتُها سَواءٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ فيها حُكومةً بالاجتهادِ، ولا ديَةَ فيها؛ لأنَّ الشرعَ لم يَرِدْ فيهما بتَقديرٍ، ولا يَثبتُ التقديرُ بالقياسِ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ أنَّ في الأذُنينِ الدِّيةَ، وانفَردَ مالكُ بنُ أنسٍ فقالَ: سَمِعْنا أنَّ في السمعِ الدِّيةَ .. وفي الأذُنينِ إذا قُطِعتَا وبَقِي السمعُ ليسَ لها عَقلٌ مَعلومٌ إلا الاجتهادُ.
وأجمَعَ عوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ في السَّمعِ الدِّيةَ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وفي السَّمعِ إذا ذهَبَ مِنْ الأذُنينِ الدِّيةُ، لا خِلافَ في هذا (٣).
(١) «المغني» (٨/ ٣٤٥).
(٢) «الإجماع» (٦٧٩)، و «الإشراف» (٧/ ٤٠٧، ٤٠٨).
(٣) «المغني» (٨/ ٣٤٥)، ويُنظَر: «مختصر اختلاف العلماء» (٥/ ١٢٤)، و «الهداية» (٤/ ١٨٠)، و «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٤٣)، و «التمهيد» (١٧/ ٣٨٢)، و «الاستذكار» (٨/ ٨٤)، و «الكافي» (٥٩٨)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣١٦)، و «المهذب» (٢/ ٢٠١)، و «الكافي» (٤/ ٩٩)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٥٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
في الأعضاء التي تجب فيها الدية كاملة
وَقْتُهُ مَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لِلْحَالِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ» .
وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رحمة الله عليه فِي فَخِذِهِ بِعَظْمٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ فَأَنَا وَاَللَّهِ مُنْتَظِرُهُ» ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ، وَالْجِرَاحَةُ عِنْدَ السِّرَايَةِ تَصِيرُ قَتْلًا فَيُتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا لَا فِي الطَّرَفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فِي الأعضاء الَّتِي تجب فِيهَا الدِّيَة كاملة
وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ.
أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعُضْوِ عَلَى الْكَمَالِ، وَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إبَانَةُ الْعُضْوِ وَإِذْهَابُ مَعْنَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ صُورَةً.
ارجع إلى دية الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.