دية الصلب

الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس > دية الصلب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

دية الصلب - الأقوال والأدلة

وجاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ مَنْ لا ذكَرَ له وله أُنثيانِ فقطَعَ رَجلٌ أُنثَييه؟ (قالَ): قالَ مالكٌ فيمَن قطَعَ ذكَرَ رَجلٍ وأُنثييهِ جَميعًا إنَّ عليهِ دِيتينِ، فإنْ كانَ قطَعَ أُنثييهِ ولم يَقطعِ الذكَرَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه بعدَ ذلكَ ففيهِ الدِّيةُ كامِلةً، وإنْ قطَعَ ذكَرَه ثم قطَعَ أُنثييهِ بعدَ ذلكَ ففي الذكَرِ الدِّيةُ، وفي الأُنثيينِ أيضًا بعدَ ذلكَ الدِّيةُ كاملةً، (قلتُ): فمَن لا ذكَرَ له ففي أُنثيَيه الدِّيةُ كاملةً في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): كذلكَ قالَ مالكٌ، (قلتُ): ومَن لا أُنثيينِ له أفي ذكَرِه الدِّيةُ كاملةً؟ (قالَ): نعَم، (قلتُ): أرَأيتَ البَيضتينِ أهُما سَواءٌ عندَ مالكٍ اليُمنى واليُسرى؟ (قالَ): نعَم، في كلِّ واحدةٍ منهُما نصفُ الدِّيةِ عندَ مالكٍ (١).

ديَةُ الصُّلبِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في كَسرِ الصُّلبِ الدِّيةَ إذا أذهَبَ المَشيَ؛ لقَولِ النبيِّ في حَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «وفي الصُّلبِ الدِّيةُ» (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا أنَّ في الصُّلبِ الدِّيةَ، وانفَردَ ابنُ زُبيرٍ فروينَا عنه أنه قضَى فيه بثُلثَي الدِّيةِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: واتَّفقوا أنَّ في الصُّلبِ إذا كسرَ فتَقبَّضَ وأذهبَ مَشيهُ مِنْ المُسلمِ الحُرِّ خَطأً الدِّيةَ كامِلةً (٤).

(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٣١٥).
(٢) رواه النسائي (٤٨٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» (٦٥٥٩).
(٣) «الإجماع» (٦٩١).
(٤) «مراتب الإجماع» ص (١٤٤).

إلا أنهم اختَلفُوا فيما لو لم يَذهبْ المَشيُ وإنما احتاجَ في مَشيهِ إلى عُكَّازٍ:

فذهَبَ الشافِعيةُ والقاضي مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه إنْ كُسرَ صُلبُه انتظرَ، فإنْ جُبرَ وعادَ إلى حالتِه لَزمَتْه حُكومةُ الكَسرِ، وإنْ احدَودَبَ لَزمَه حُكومةٌ للشَّينِ الذي حصَلَ به.

وإنْ ضَعُفَ مَشيُه أو احتاجَ إلى عَصا لَزمتْه حُكومةٌ لنُقصانِ مَشيهِ، عجَزَ عن الَمشىِ وجَبَتْ عليهِ الدِّيةُ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يَلزمُه الدِّيةُ إذا كُسرَ فلَم يَنجبِرْ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وفي الصُّلبِ الدِّيةُ إذا كُسرَ فلَم يَنجبرْ؛ لِما رُويَ في كتابِ النبيِّ لعَمروِ بنِ حَزمٍ: «وفي الصُّلبِ الدِّيةُ»، وعن سَعيدِ بنِ المُسيبِ أنه قالَ: «مَضَتِ السُّنةُ أنَّ في الصُّلبِ الدِّيةَ»، وهذا يَنصرفُ إلى سُنةِ النبيِّ ، وممَّن قالَ بذلكَ زَيدُ بنُ ثابتٍ وعَطاءٌ والحَسنُ والزُّهريُّ ومالكٌ.

وقالَ القاضي وأصحابُ الشافِعيِّ: ليسَ في كَسرِ الصُّلبِ ديَةٌ، إلا أنْ يُذهِبَ مَشيَه أو جِماعَه فتَجبُ الدِّيةُ لتِلكَ المَنفعةِ؛ لأنه عُضوٌ لم تَذهبْ مَنفعتُه، فلَم تَجبْ فيه ديَةٌ كامِلةٌ كسائرِ الأعضاءِ.

ولنا: الخبَرُ، ولأنه عُضوٌ ليسَ في البَدنِ مثلُه فيه جَمالٌ ومَنفعةٌ، فوجَبَتِ الدِّيةُ فيه بمُفردِه كالأنفِ.

(١) «المهذب» (٢/ ٢٠٧)، و «البيان» (١١/ ٥٤٥، ٥٤٦)، و «مغني المحتاج» (٣٢٥).

وإنْ ذهَبَ مَشيُه بكَسرِ صُلبِه ففيهِ الدِّيةُ في قَولِ الجَميعِ، ولا يَجبُ أكثرُ مِنْ ديَةٍ؛ لأنها مَنفعةٌ تَلزمُ كسْرَ الصُّلبِ غالبًا، فأشبَهَ ما لو قطَعَ رِجليهِ، وإنْ لم يَذهبْ مَشيُه لكنْ ذهَبَ جِماعُه فيه الدِّيةُ أيضًا، رُويَ ذلكَ عن عليٍّ رضي الله عنه؛ لأنه نَفعٌ مَقصودٌ، فأشبَهَ ذَهابَ مَشيهِ، وإنْ ذهَبَ جِماعُه ومَشيُه وجَبَتْ ديَتانِ في ظاهِرِ كَلامِ أحمَدَ رحمة الله عليه في رِوايةِ ابنِه عبدِ اللهِ؛ لأنهُما مَنفعتانِ تَجبُ الدِّيةُ بذَهابِ كلِّ واحدةٍ منهُما مُنفردةٍ، فإذا اجتَمعتَا وجَبتْ ديَتانِ كالسَّمعِ والبَصرِ، وعن أحمَدَ: فيهِما ديَةٌ واحدةٌ؛ لأنهُما نَفعُ عُضوٍ واحدٍ، فلَم يَجبْ فيها أكثَرُ مِنْ ديَةٍ واحِدةٍ، كما لو قطَعَ لِسانَه فذهَبَ كَلامُه وذَوقُه، وإنْ جُبرَ صُلبُه فعادَتْ إحدَى المَنفعتينِ دونَ الأخرَى لم يَجبْ إلا ديَةٌ، إلا أنْ تَنقصَ الأخرَى فتَجبُ حُكومةٌ لنَقصِها، أو تَنقصَ مِنْ جِهةٍ أخرَى فيكونُ فيه حُكومةٌ لذلكَ، وإنِ ادَّعى ذَهابَ جِماعِه وقالَ رَجلانِ مِنْ أهلِ الخِبرةِ: «إنَّ مِثلَ هذهِ الجِنايةَ يَذهبُ بالجِماعِ» فالقَولُ قَولُ المَجنيِّ عليهِ مع يَمينِه؛ لأنه لا يُتوصَّلُ إلى مَعرفةِ ذلكَ إلا مِنْ جِهتِه، وإنْ كسَرَ صُلبَه فشَلَّ ذكَرَه اقتَضى كلامُ أحمَدَ وُجوبَ دِيتَينِ، لكَسرِ الصُّلبِ واحِدةٌ وللذكَرِ أخرَى، وفي قَولِ القاضي ومَذهبِ الشافِعيِّ: يَجبُ في الذكَرِ ديَةٌ وحُكومةٌ لكَسرِ الصُّلبِ، وإنْ أشَلَّ رِجليهِ ففيهِما ديَةٌ أيضًا، وإنْ أذهَبَ ماءَه دونَ جِماعِه احتَملَ وُجوبَ الدِّيةِ، وهذا يُروى عن مُجاهدٍ.

قالَ بَعضُ أصحابِ الشافِعيِّ: هو الذي يَقتضيهِ مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنه ذهَبَ بمَنفعةٍ مَقصودةٍ، فوجَبَتِ الدِّيةُ، كما لو ذهَبَ بجِماعِه، أو كما

لو قطَعَ أُنثييهِ أو رَضَّهما، ويَحتملُ أنْ لا تَجبَ الدِّيةُ كامِلةً؛ لأنه لم يَذهبْ بالمَنفعةِ كلِّها (١).

وقالَ الحَنفيةُ: في الصُّلبِ الدِّيةُ كامِلةً إذا منَعَ الجِماعَ؛ لِما فيه مِنْ تَفويتِ مَنفعةٍ مَقصودةٍ، وهي مَنفعةُ النَّسلِ، وكذلكَ إذا حدَبَ، فإنَّ فيه تَفويتَ جَمالٍ كاملٍ؛ لأنَّ الجَمالَ للآدَميِّ في كَونِه مُنتصِبَ القامةِ، قيلَ في مَعنى قَولِه تعالَى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)[التين: ٤]: مُنتصِبَ القامَةِ، وذلكَ يَفوتُ إذا حدَبَ، والجَمالُ للآدَميِّ مَطلوبٌ كالمَنفعةِ، فتَفويتُ الجَمالِ الكاملِ يُوجبُ ديَةً كامِلةً؛ فإنْ عاد إلى حالِه ولم يَنقصْه ذلكَ شَيئًا إلا أنَّ فيه أثَرَ الضَّربةِ ففيهِ حُكومةُ عَدلٍ؛ لأنه نَفَى بعضَ الشَّيئينِ ببَقاءِ أثَرِ الضَّربةِ، فيَجبُ باعتبارِه حُكمُ عَدلٍ (٢).

وقالَ المالِكيةُ: وفي الصُّلبِ الدِّيةُ، وكذلكَ إنْ قعَدَ عن القِيامِ كاليَدِ إذا شلَّتْ، وإنْ مَشَى وبَرئَ على عُثمٍ أو على حَدبٍ ففيهِ الاجتهادُ، وإنْ عادَ الصُّلبُ فأصيبَ في الخَطأِ لا شيءَ فيهِ (٣).

وجاءَ في «المُدوَّنة»: (قلتُ): أرَأيتَ الصُّلبَ إذا ضرَبَه الرَّجلُ فحَدبَ أتكونُ فيه الدِّيةُ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: في الصُّلبِ الدِّيةُ، قالَ ابنُ القاسمِ: إنما تكونُ الدِّيةُ في الصُّلبِ إذا أقعَدَه فلَم يَقدرْ على القِيامِ، مثلَ اليَدِ إذا شُلَّتْ،

(١) «المغني» (٨/ ٣٦٠).
(٢) «المبسوط» (٢٦/ ٦٩)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٣٤٥).
(٣) «الذخيرة» (١٢/ ٣٦٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
في الأعضاء التي تجب فيها الدية كاملة

وَقْتُهُ مَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لِلْحَالِ.

(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ» .

وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رحمة الله عليه فِي فَخِذِهِ بِعَظْمٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ فَأَنَا وَاَللَّهِ مُنْتَظِرُهُ» ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ، وَالْجِرَاحَةُ عِنْدَ السِّرَايَةِ تَصِيرُ قَتْلًا فَيُتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا لَا فِي الطَّرَفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

فِي الأعضاء الَّتِي تجب فِيهَا الدِّيَة كاملة

وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ.

أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعُضْوِ عَلَى الْكَمَالِ، وَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إبَانَةُ الْعُضْوِ وَإِذْهَابُ مَعْنَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ صُورَةً.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 542 - 545

ارجع إلى دية الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله