الإسلام > الجنايات والحدود > دية الجنايات فيما دون النفس > دية جفون العينين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةديَةُ جُفونِ العَينينِ:
جُفونُ العَينينِ أربَعةٌ تُحيطُ بالعَينينِ مِنْ أعلَى وأسفَلَ، وتَحفظُهما مِنْ الأذَى، وتَجلبُ إليهِما النومَ، ويَكملُ بهنَّ جَمالُ الوَجهِ والعَينِ.
ولا قِصاصَ فيها؛ لأنه لا يُمكنُ استيفاءُ المثلِ فيها (١).
اختَلفَ الفُقهاءُ في جُفونِ العَينينِ إذا استُؤصِلتْ، هل فيها الدِّيةُ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنبليةُ إلى أنَّ في كلِّ جَفنٍ رُبعُ الدِّيةِ؛ لأنها مِنْ تمامِ الخِلقةِ فيها مَنفعةٌ وجَمالٌ يَألمُ بقَطعِها ويُخافُ على النَّفسِ مِنْ سِرايةِ الجِنايةِ عليهِا، فوجَبَ أنْ تَكملَ الدِّيةُ فيها كسائرِ الأعضاءِ، ولا يمتنَعُ وإنْ كانَتْ تَبعًا أنْ تُساويَ مَتبوعًا في الدِّيةِ إذا اختَصَّتْ بزِيادةِ جَمالٍ ومَنفعةٍ، كالأنفِ في الشمِّ والأُذنينِ في السَّمعِ، فإذا ثبَتَ أنَّ فيها الدِّيةَ فسَواءٌ استُوصِلتْ مِنْ صَغيرٍ أو كَبيرٍ أو بَصيرٍ؛ لأنَّ للضَّريرِ بها مَنفعةً وجَمالًا وإنْ كانَت مَنفعةُ البَصرِ بها أعَمَّ.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأما القَودُ فإنْ أمكَنَ فيها ولم يَتعدَّ ضَررُه إلى العَينينِ وجَبَ، وإنْ لم يُمكِنْ سقَطَ، فإنْ قلَعَ جَفنًا واحِدًا ففيهِ رُبعُ الدِّيةِ؛ لأنَّ كلَّ ذي عَددٍ مِنْ الأعضاءِ إذا كَمُلتْ فيه الدِّيةُ تَقسَّطتْ على عَددِها، كاليَدينِ في تَقسيطِ ديتِها على الأصابعِ، وتُقسَّطُ ديةُ الإصبعِ على الأناملِ، وسَواءٌ كانَ الجَفنُ أعلَى أو أسفَلَ، وفي الجَفنينِ نصفُ الدِّيةِ، وفي ثَلاثةِ
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٣٠٨).
جُفونٍ ثلاثةُ أرباعِ الدِّيةِ، فلو جنَى على عَينيهِ فقطَعَ جُفونَهما وأذهَبَ بصَرَهما لَزمَتْه ديَتانِ إحداهُما في الجُفونِ والأخرَى في العَينينِ، كما لو قطَعَ أذُنيهِ وأذهَبَ سمْعَه (١).
وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإذا قطَعَ جُفونَ العَينينِ حتى يَستأصلَها ففيها الدِّيةُ كامِلةً، في كُلِّ جَفنٍ رُبعُ الدِّيةِ؛ لأنها أربَعةٌ في الإنسانِ، وهي مِنْ تمامِ خِلقتِه وممَّا يَألمُ بقَطعِه، قياسًا على أنَّ النبيَّ ﷺ جعَلَ في بعضِ ما في الإنسانِ منه واحِدٌ الدِّيةَ، وفي بعضِ ما في الإنسانِ منه اثنانِ نصفَ الدِّيةِ.
ولو فقَأَ العينَينِ وقطَعَ جُفونَهما كانَ في العَينينِ الدِّيةُ وفي الجفونِ الدِّيةُ؛ لأنَّ العينَينِ غيرُ الجفونِ، ولو نتَفَ أهدابَهما فلَم تَنبتْ كانَ فيها حُكومةٌ، وليسَ في شَعرِ الشَّفرِ أرشٌ مَعلومٌ؛ لأنَّ الشَّعرَ بنفسِه يَنقطعُ فلا يَألمُ به صاحبُه ويَنبتُ ويَقلُّ ويَكثرُ، ولا يُشبهُ ما يَجري فيه الدمُ وتكونُ فيه الحياةُ فيَألمُ المَجنيُّ عليهِ بما نالَه مما يُؤلمُ.
وما أُصيبَ مِنْ جُفونِ العينَينِ ففيهِ مِنْ الدِّيةِ بحِسابِه (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ في جُفونِ العَينينِ حُكومةً، وكذلكَ في كلِّ جَفنٍ منها؛ لأنَّ مَقاديرَ الديَاتِ مَوقوفٌ على النصِّ، وليسَ فيها نَصٌّ، ولأنها تبَعٌ
(١) «الحاوي الكبير» (١٢/ ٢٥٧)، و «الإشراف» (٧/ ٤١١، ٤١٢)، و «الكافي» (٤/ ٩٨، ٩٩)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٧٨).
(٢) «الأم» (٦/ ١٢٣).
للعينَينِ، فلَم تَجبْ فيها الدِّيةُ الواجبةُ في العينَينِ؛ لأنَّ حُكمَ التَّبعِ أخَفُّ مِنْ حُكمِ المَتبوعِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ جُفونَ العينَينِ أَفيها الدِّيةُ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): ليسَ في الجُفونِ إلا الاجتهادُ، (قلتُ): وأشفارُ العَينينِ كذلكَ في قَولِ مالكٍ إنما فيهما الاجتهادُ؟ (قالَ): نعَم، (قلت): أرَأيتَ الحاجِبينِ فيهما الدِّيةُ أم لا؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: ليسَ فيهما إلا الحُكومةُ إذا لم يَنبتَا (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ في الأجفانِ الأربَعةِ الدِّيةَ كامِلةً، وفي كلِّ واحِدٍ منها رُبعُ الدِّيةِ، إلا مالِكًا فإنه قالَ: فيها حُكومةٌ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةُ: قالَ: (وفي الأشفارِ الأربَعةِ الدِّيةُ، وفي كلِّ واحِدٍ منهُما ربعُ الدِّيةِ).
يَعني أجفانَ العينَينِ، وهي أربعةٌ، ففيها جَميعِها الدِّيةُ؛ لأنَّ فيها مَنفعةَ الجِنسِ، وفي كلِّ واحدٍ منها ربعُ الدِّيةِ؛ لأنَّ كلَّ ذي عَددٍ تَجبُ في جَميعِه الدِّيةُ تَجبُ في الواحدِ منها بحصَّتِه مِنْ الدِّيةِ، كاليدينِ والأصابعِ، وبهذا قالَ الحَسنُ والشَّعبيُّ وقَتادةُ وأبو هاشمٍ والثوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ.
(١) «المدونة الكبرى» (١٦/ ٣١٥، ٣١٦)، و «الاستذكار» (٨/ ٨٦)، و «عيون المسائل» ص (٤٤٠)، و «المعونة» (٢/ ٢٧٠)، و «التبصرة» (١٣/ ٦٣٧١).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩).
وعن مالكٍ: في جَفنِ العَينِ وحِجَاجِها الاجتهادُ؛ لأنه لم يُعلَمْ تَقديرُه عن النبيِّ ﷺ، والتقديرُ لا يَثبتُ قياسًا.
ولنا: إنها أعضاءٌ فيها جَمالٌ ظاهرٌ ونَفعٌ كاملٌ، فإنها تُكِنُّ العينَ وتَحفظُها وتَقيها الحَرَّ والبَردَ، وتكونِ كالغَلَقِ عليها يُطبقُه إذا شاءَ ويَفتحُه إذا شاءَ، ولولاها لَقَبُحَ مَنظرُه، فوجَبَتْ فيها الدِّيةُ كاليدينِ، ولا نُسلِّمُ أنَّ التقديرَ لا يَثبتُ قياسًا.
فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ في أحَدِها رُبعَ الدِّيةِ، وحُكيَ عن الشعبيِّ أنه يَجبُ في الأعلَى ثُلثَا ديَةِ العَينِ، وفي الأسفلِ ثُلثُها؛ لأنه أكثرُ نفعًا.
ولنا: إنَّ كلَّ ذي عَددٍ تَجبُ الدِّيةُ في جميعِه تَجبُ بالحصَّةِ في الواحدِ منه كاليدينِ والأصابعِ، وما ذكَرَه يَبطلُ باليُمنى مع اليُسرى والأصابعِ.
وإنْ قلَعَ العَينينِ بأشفارِهما وجَبَتْ ديَتانِ؛ لأنهما جِنسانِ تَجبُ الدِّيةُ بكلِّ واحِدٍ منهُما مُنفرِدًا فوجَبتْ بإتلافِهما جُملةً ديَتانِ كاليَدينِ والرِّجلينِ، وتَجبُ الدِّيةُ في أشفارِ عينِ الأعمَى؛ لأنَّ ذَهابَ بَصرِه عيبٌ في غيرِ الأجفانِ، فلَم يَمنعْ وُجوبَ الدِّيةِ فيها، كذهابِ الشَّمِّ لا يَمنعُ وُجوبَ الدِّيةِ في الأنفِ.
فَصلٌ: وتَجبُ في أهدابِ العَينينِ بمُفردِها الدِّيةُ، وهو الشَّعرُ الذي على الأجفانِ، وفي كلِّ واحدٍ منها ربعُها، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ، وقالَ الشافِعيُّ: فيه حُكومةٌ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
في الأعضاء التي تجب فيها الدية كاملة
وَقْتُهُ مَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ (وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِلْحَالِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لِلْحَالِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ «لَا يُسْتَقَادُ مِنْ الْجِرَاحَةِ حَتَّى يَبْرَأَ» .
وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا جَرَحَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ رحمة الله عليه فِي فَخِذِهِ بِعَظْمٍ فَجَاءَ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا الْقِصَاصَ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام انْتَظِرُوا مَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِكُمْ فَأَنَا وَاَللَّهِ مُنْتَظِرُهُ» ، وَهُوَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السِّرَايَةَ، وَالْجِرَاحَةُ عِنْدَ السِّرَايَةِ تَصِيرُ قَتْلًا فَيُتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ، وَهَذَا فَرْعُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرْنَاهَا، وَهِيَ أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا مَاتَ بِالْجِرَاحَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِالنَّفْسِ عِنْدَنَا لَا فِي الطَّرَفِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه يُفْعَلُ بِهِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فِي الأعضاء الَّتِي تجب فِيهَا الدِّيَة كاملة
وَأَمَّا الَّذِي فِيهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِهِ.
أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ تَفْوِيتُ الْمَنْفَعَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْعُضْوِ عَلَى الْكَمَالِ، وَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إبَانَةُ الْعُضْوِ وَإِذْهَابُ مَعْنَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَاءِ الْعُضْوِ صُورَةً.
ارجع إلى دية الجنايات فيما دون النفس للاطلاع على جميع المسائل.