الإسلام > الجنايات والحدود > سقوط حد القذف > الصلح على حد القذف مقابل المال
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 20 دقيقة قراءةالصُّلحُ على حَدِّ القذفِ مُقابلَ المالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ القَذفِ، هل يَجوزُ أخذُ العِوضِ في مُقابِلِ إسقاطِه والعفوِ عنه أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والشافِعيةُ في أصَحِّ الوجهَينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ أخذُ العوضِ على إسقاطِ حَدِّ القذفِ والعفوِ عنه، ويَجبُ ردُّ المالِ الذي صالَحَ عليهِ.
وذهَبَ سَحنونٌ وأشهَبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في احتِمالٍ إلى أنه يَجوزُ الصُّلحُ في حدِّ القَذفِ على مالٍ ويَثبتُ المالُ.
وبَيانُ أقوالِ الفُقهاءِ فيما يلي:
أمَّا الحَنفيةُ فقالَ الإمامُ علاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ رحمة الله عليه: لو صالَحَ القاذفُ مع المَقذوفِ بشيءٍ على أنْ يَعفوَ عنه ولا يُخاصِمَه فهو باطِلٌ.
وكذلكَ لو صالحَ الشاهِدُ بمالٍ على أنْ لا يَشهدَ عليهِ، أو أرادَ أنْ يَشهدَ على الزِّاني أو السارِقِ أو القاذفِ فصَالحُوه على مالٍ فالصُّلحُ باطلٌ، ولا تُقبَلُ شهادتُه في هذهِ الحادثةِ وفي غيرِها إلا أنْ يَتوبَ، ويُستردُّ المالُ منه في جَميعِ ذلكَ (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ رحمة الله عليه: قالَ البيريُّ: قالَ في «الإيضاح»: وإذا ثبَتَ الحدُّ لم يَجُزِ الإسقاطُ ولا العفوُ، ولِذا إذا عفَا قبْلَ المُرافَعةِ أو أبرَأَ أو صالَحَ على مالٍ فذلكَ باطِلٌ، ويردُّ مال الصلحِ، وله أنْ يُطالبَه بالحدِّ بعدَ ذلكَ. اه
(١) «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٥٦).
وقدَّمَ الشارحُ في بابِ حدِّ القذفِ: ولا رُجوعَ بعدَ إقرارٍ ولا اعتياضَ -أي: أخذ عِوضٍ- ولا صُلحَ ولا عفْوَ فيهِ وعنهُ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: حدُّ القذفِ إذا ثبَتَ بالحُجةِ فكذلكَ عندَنا لا يَجوزُ العفوُ عنه والإبراءُ والصلحُ.
وكذلكَ إذا عفَا المَقذوفُ قبْلَ المُرافَعةِ أو صالَحَ على مالٍ فذلكَ باطِلٌ، ويُرَدُّ بدلُ الصُّلحِ، وله أنْ يُطالبَه بعدَ ذلكَ.
وعندَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه: يَصحُّ ذلكَ كلُّه، وهو إحدَى الروايتَينِ عن أبي يُوسفَ رحمة الله عليه (٢).
وقالَ في اللِّعانِ: ومنها أنه-أي اللعانُ- لا يَحتملُ العفوَ والإبراءَ والصُّلحَ؛ لأنه في جانِبِ الزوجِ قائمٌ مَقامَ حدِّ القذفِ، وفي جانبِها قائمٌ مَقامَ حدِّ الزنا، وكلُّ واحدٍ منهُما لا يَحتملُ العفوَ والإبراءَ والصلحَ؛ لِمَا نَذكرُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى في الحُدودِ.
وكذا لو عَفَتْ عنه قبْلَ المُرافَعةِ أو صالحَتْه على مالٍ لم يَصحَّ، وعليها رَدُّ بَدلِ الصُّلحِ، ولها أنْ تُطالبَه باللِّعانِ بعدَ ذلكَ كما في قَذفِ الأجنبيِّ (٣).
وجاءَ في «فَتاوَى قاضِيخانْ»: رَجلٌ قذَفَ مُحصنًا أو مُحصنةً فأرادَ المَقذوفُ حَدَّ القذفِ فصالَحَه القاذفُ على دَارهِمَ مسمَّاةٍ أو على شيءٍ آخَرَ
(١) «حاشية ابن عابدين» (٨/ ٢٢١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٧/ ٥٦).
(٣) «بدائع الصنائع» (٣/ ٢٣٩)، ويُنظَر: «البحر الرائق» (٤/ ١٢٢)، و «الفتاوى الهندية» (١/ ٥١٤).
على أنْ يَعفوَ عنه ففعَلَ لم يَجُزِ الصُّلحُ، حتَّى لا يَجبُ المالُ، وهو يُسقِطُ الحدَّ إنْ كانَ ذلكَ قبْلَ أنْ يُرفعَ الأمرُ إلى القاضي بَطلَ الحدُّ، وإنْ كانَ ذلكَ بعدَ ما رُفعَ إلى القاضي لا يبطلُ الحَد، وكذلكَ رَجلٌ زنَى بامرأةِ رَجلٍ فعَلِمَ الزوجُ وأرادَ أحَدُهما فصالَحاهُ معًا أو أحَدُهما على دَراهمَ مَعلومةٍ أو شَيءٍ آخَرَ على أنْ يَعفوَ عنهُما كانَ باطلًا لا يَجبُ المالُ، وعَفوُه باطلٌ، سَواءٌ كانَ قبلَ الرَّفعِ أو بعْدَه (١).
وأمَّا المالِكيةُ فاختَلفُوا، فَجاءَ في «تَهذِيب المُدوَّنةِ» لخَلفِ بنِ أبي القاسِمِ القَيروانِيِّ رحمة الله عليه: ومَن صالَحَ مَنْ قذَفَ على شِقصٍ أو مالٍ لم يَجُزْ ورُدَّ، ولا شُفعةَ فيه، بلَغَ الإمامَ أو لا (٢).
وقالَ العَدويُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ العفوُ عن القاذِفِ على مالٍ يأخذُه المَقذوفُ صُلحًا؛ لأنه أخذُ مالٍ عن العِرضِ، ويُرَدُّ، ولا شُفعةَ إنْ كانَ على شِقصٍ (٣).
لكنْ قالَ ابنُ فَرحونٍ المالِكيُّ رحمة الله عليه: فرعٌ: واختُلفَ في الصُّلحِ على القَذفِ، فمنَعَه في «المُدوَّنة» وأجازَه سَحنونٌ.
وقالَ أشهَبُ: الحُدودُ التي لا يَجوزُ الصلحُ فيها هي ما لا يَجوزُ فيهِ العفوُ كالسَّرقةِ والزنا، وما جازَ فيه العفوُ جازَ فيه الصلحُ (٤).
(١) «فتاوى قاضيخان» (٣/ ٥٠).
(٢) «تهذيب المدونة» (٢/ ٣٠٥).
(٣) «حاشية العدوي على شرح مختصر الخرشي» (٨/ ٩٠).
(٤) «تبصرة الحكام» (٢/ ٥٥).
وحَدُّ القذفِ يَجوزُ فيه العفوُ عندَهم.
وأما الشافِعيةُ فقالَ الإمامُ ابنُ الرِّفعةِ رحمة الله عليه: إذا عفَى عن حَدِّ القذفِ على مالٍ هل يَثبتُ؟ فيه وَجهانِ، المَنسوبُ إلى أبي إسحاقَ الثُّبوتُ (١).
وجاءَ في «نِهاية المُحتاجِ» للرَّمليِّ رحمة الله عليه: وسُقوطُه -أي حَد القذفِ- بعَفوِه ولو على مالٍ، غيرَ أنه لا يَثبتُ المالُ -أي على القاذفِ- (٢).
وقالَ ابنُ المُلقِّنِ رحمة الله عليه: فائِدةٌ: وارثُ المَقذوفِ إذا عفَى عن الحدِّ على مالٍ سقَطَ الحَدُّ في أظهَرِ الوَجهينِ، ولا يَجبُ المالُ في أظهَرِ الوجهَينِ، قالَه الحنَّاطيُّ في فَتاويهِ ومنها نَقلتُه (٣).
وأما الحَنابلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولو صالَحَ السارقَ والزانِيَ والشاربَ بمالٍ على أنْ لا يَرفعَه إلى السُّلطانِ لم يَصحَّ الصُّلحُ لذلكَ، ولم يَجُزْ له أخذُ العوضِ، وإنْ صالَحَه عن حَدِّ القذفِ لم يَصحَّ الصلحُ؛ لأنه إنْ كانَ للهِ تعالَى لم يَكنْ له أنْ يأخُذَ عوضَه؛ لكَونِه ليسَ بحقٍّ له، فأشبَهَ حَدَّ الزنا والسَّرقةِ.
وإنْ كانَ حقًّا له لم يَجُزِ الاعتِياضُ عنه؛ لكَونِه حقًّا ليسَ بماليٍّ، ولهذا لا يَسقطُ إلى بَدلٍ، بخِلافِ القِصاصِ، ولأنه شُرعَ لتَنزيهِ العِرضِ، فلا يَجوزُ أنْ يَعْتاضَ عن عِرضِه بمالٍ (٤).
(١) «كفاية النبيه في شرح التنبيه» (١٧/ ٢٧٤).
(٢) «نهاية المحتاج» (٧/ ٥٠٤).
(٣) «عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج» (٤/ ١٦٣٢).
(٤) «المغني» (٤/ ٣٢١).
وإنْ كانَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ رحمة الله عليه ذكَرَ احتِمالًا بجَوازِ أخذِ العِوضِ على حدِّ القذفِ، فقدْ ذكَرَ قِصةً فقالَ: وذكرَ في مَجلسِ الوزيرِ ابنِ هُبيرةَ مِثله فاتَّفقَ الوَزيرُ والعُلماءُ على شيءٍ وخالَفَهم فقيهٌ مالكيٌّ، فقالَ الوَزيرُ: أحِمارٌ أنتَ؟! الكُلُّ يُخالفونَكَ وأنتَ مُصرٌّ، ثمَّ قالَ الوزيرُ: لِيَقلْ لي كما قلتُ له، فمَا أنا إلا كأحَدِكم، فضَجَّ المَجلسُ بالبُكاءِ وجعَلَ المالِكيُّ يقولُ: أنا أَولى بالاعتِذارِ، والوزيرُ يقولُ: القِصاص، فقالَ يُوسفُ الدِّمشقيُّ الشافِعيُّ -وقد تَولَّى درْسَ النِّظاميةِ-: إذا أبَى القِصاصَ فالفداءُ، فقالَ الوزيرُ: له حُكمُه، فقالَ الرَّجلُ: نِعَمُكَ عليَّ كثيرةٌ، قالَ: لا بُدَّ، قالَ: عليَّ دَينٌ مائةُ دينارٍ، فقالَ الوزيرُ: يُعطَى مِائةً لإبراءِ ذمَّتِه ومائةً لإبراءِ ذمَّتِي، ذكَرَه ابنُ الجَوزيِّ في تاريخِه، فدَلَّ على مُوافَقتِه.
قالَ ابنُ مُفلحٍ: وقد يُؤخَذُ منه الصلحُ بمالٍ على حَقِّ آدَميٍّ كحدِّ قَذفٍ وسَبٍّ (١).
(١) «الفروع» (٦/ ١١٩).
كتاب حد السرقة
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)
(باب حد القذف)
(مسألة)
قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .
قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .
وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف
فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦٨ - مسألة؛ قال: (وإذا قال له: يا لوطى. سئل عما أراد، فإن قال: أردت أنك من قوم لوط. فلا
أو امرأةً. وبهذا قال عَطاءٌ، والحسنُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيز، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌّ، فلا تَمْنَعُ من وُجوبِه قرابةُ الولادَةِ، كالزِّنَى. ولَنا، أنَّه عُقوبةٌ تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا يجبُ للوَلدِ على الوالدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ. ولأنَّ الحَدَّ يُدْرأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يجبُ للابنِ على أبيه كالقِصاصِ، ولأنَّ الأُبُوَّةَ معنًى يُسْقِطُ إلقِصاصَ، فمَنَعَتِ الحَدَّ، كالرِّقِّ والكُفْرِ، وهذا يَخُصُّ عُمومَ الآيةِ. وما ذكرُوه ينْتَقِضُ بالسَّرِقةِ، فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِ ابنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أن حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، لا حَقَ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يثبتُ للابنِ على أبيه، كالقِصَاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لو قَذَفَ أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتيفائِه، لم يكُنْ لابنِه المُطالبةُ بالحدِّ؛ لأنَّ ما مَنَعَ ثُبوتَه ابْتداءً، أسْقَطَه طارئًا، كالقِصاصِ. وإن كان لها ابنٌ آخرُ من غيرِه، كان له اسْتيفاؤُه إذا ماتَتْ بعد المُطالبةِ به؛ لأنَّ الحدَّ يَمْلِكُ بعضَ الورثةِ اسْتيفاءَه كلَّه، بخلافِ القِصاصِ، وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقاربِ، فيوُجبُ الحَدَّ على القاذفِ، في قَوْلِهم جميعًا.
١٥٦٨ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَالَ لَهُ : يا لُوطِىُّ. سُئِلَ عَمَّا أرَادَ، فَإنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ، وإنْ قَالَ: أرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. فَهُوَ كَمَنْ قَذَفَ بالزِّنَى)
في هذه المسألة فَصْلان:
ارجع إلى سقوط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.