عفو المقذوف عن حد القذف

الإسلام > الجنايات والحدود > سقوط حد القذف > عفو المقذوف عن حد القذف

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

عفو المقذوف عن حد القذف - الأقوال والأدلة

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وهذا الحَدُّ يَستحقُّه المَقذوفُ، فلا يُستوفَى إلا بطَلبِه باتِّفاقِ الفُقهاءِ (١).

وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: لا يُستوفَى إلا بطَلبِه بالاتِّفاقِ (٢).

عَفوُ المقذوفِ عن حَدِّ القذفِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو طلَبَ المَقذوفُ إقامةَ الحَدِّ ثمَّ عَفى عن القاذفِ، هل يَسقطُ الحَدُّ أم لا؟

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ -وهو مَحكيٌّ عن أبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ، وحكاهُ ابنُ تَيميةَ عن جُمهورِ الفُقهاءِ- إلى أنه يَسقطُ الحدُّ بعفوِ المَقذوفِ عن القاذفِ؛ لِمَا رُويَ عنه أنه قالَ: «أيَعجزُ أحَدُكم أنْ يكونَ كأبِي ضَمْضَمٍ؛ كانَ إذا أصبحَ يَقولُ: تَصدَّقتُ بعِرضِي … » (٣)، والصَّدقةُ بالعِرضِ لا تكونُ إلا بالعَفوِ عمَّا وجَبَ له؛ لأنه حَقٌّ لا يُستوفَى إلا بعدَ مُطالَبتِه باستيفائِه، فسقَطَ بعَفوِه كالقِصاصِ، وفارَقَ سائِرَ الحُدودِ؛ فإنه لا يُعتبَرُ في إقامتِها الطَّلبُ باستيفائِها.

ولأنَّ المُغلَّبَ فيه أنه حَقٌّ للعبدِ، فيَسقطُ بعَفوِه (٤).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٨٢).
(٢) «النجم الوهاج» (٩/ ١٤٢).
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٦٢).
(٤) «النجم الوهاج» (٩/ ١٤٢)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٥٥)، و «المغني» (٩/ ٧٧)، و «منار السبيل» (٣/ ٣١٦).

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يَسقطُ حدُّ القذفِ عن القاذِفِ بعَفوِ المَقذوفِ إذا طالَبَ به ثمَّ عفَى عنه، سواءٌ عفَى عنه على مالٍ أم لا؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيه حَقُّ اللهِ تعالَى؛ لأنَّ الحُدودَ زَواجرُ، والزواجِرُ مَشروعةٌ حقًّا للهِ تعالى، فأمَّا ما يكونُ حَقًّا للعبدِ فهو في الأصلِ جائزٌ، فما أُوجِبَ مِنْ العُقوباتِ حقًّا للعَبدِ وجَبَ باسمِ القِصاصِ الذي يُنبِئُ عن المُساواةِ؛ ليَكونَ إشارةً إلى معنَى الجبْرِ، وما أُوجِبَ باسمِ الحَدِّ فهوَ حَقُّ اللهِ تعالَى، وفي هذا الاسمِ إشارةٌ إلى معنَى الزَّجرِ.

والدَّليلُ عليهِ أنَّ في حُقوقِ العِبادِ يُعتبَرُ المُماثَلةُ، وبهِ ورَدَ النصُّ حيثُ قالَ تعالَى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولا مُناسَبةَ بينَ نِسبةِ الزِّنى وبينَ ثَمانينَ جَلدةً لا صُورةً ولا معنًى، والدَّليلُ عليهِ وهو أنَّ الحَدَّ مَشروعٌ لتَعفيةِ أثَرِ الزنى، وحُرمةُ إشاعةِ الفاحِشةِ مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، فكانَ هذا نَظيرَ الواجِبِ بمُباشَرةِ الزنى مِنْ حَيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهُما مَشروعٌ لإبقاءِ الستْرِ وتَعفيةِ أثَرِ الزنى، واعتبارُ الإحصانِ لمعنَى النِّعمةِ، وذلكَ فيما هو مِنْ حَقِّ الله تعالَى (١).

وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فاختُلفَ عنه، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واختَلفَ قَولُ مالكٍ في جَوازِ عَفوِ المَقذوفِ عن قاذِفِه عندَ السلطانِ، فمَرَّةً قالَ: لا يَجوزُ إلا أنْ يُريدَ ستْرًا على نفسِه، ومرَّةً قالَ: يَجوزُ على كلِّ حالٍ، ولم يَختلفْ قولُه أنه يَجوزُ قبْلَ رَفعِه إلى السُّلطانِ على كلِّ حالٍ، وكذلكَ

(١) «فتاوى السغدي» (٢/ ٦٤٠)، و «المبسوط» (٩/ ١٠٩)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ٥٧)، والهداية (٢/ ١١٣)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٣٢٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٥٦).

لم يَختلفْ قولُه أنَّ عفْوَ الأبِ عن ابنِه والابنِ عن أبيه في ذلكَ جائزٌ قبْلَ التَّرافُعِ وبعدَه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا سُقوطُه فإنهم اختَلفُوا في سُقوطِه بعفوِ المَقذوفِ:

فقالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ: لا يَصحُّ العَفوُ، أي: لا يَسقطُ الحَدُّ.

وقالَ الشافِعيُّ: يَصحُّ العفوُ، أي يَسقطُ الحَدُّ، بلَغَ الإمامَ أو لم يَبلغْ.

وقالَ قَومٌ: إنْ بلَغَ الإمامَ لم يَجُزِ العفوُ، وإنْ لم يَبلغْه جازَ العفوُ.

واختَلفَ قولُ مالكٍ في ذلكَ، فمرَّةً قالَ بقولِ الشافِعيِّ، ومرَّةً قالَ: يَجوزُ إذا لم يَبلغِ الإمامَ، وإنْ بلَغَ لم يَجُزْ، إلَّا أنْ يُريدَ بذلكَ المقذوفُ الستْرَ على نفسِه، وهو المَشهورُ عنه.

والسَّببُ في اختِلافِهم: هل هو حَقٌّ للهِ؟ أو حقٌّ للآدَميِّينَ؟ أو حقٌّ لكَليهِما؟ فمَن قالَ: «حقٌّ للهِ» لم يُجِزِ العفوَ، كالزنا، ومَن قالَ: «حقٌّ للآدَميِّينَ» أجازَ العفوَ، ومَن قالَ: «لكَليهِما» وغلَّبَ حقَّ الإمامِ إذا وصَلَ إليهِ قالَ بالفَرقِ بينَ أنْ يَصلَ الإمامَ أو لا يَصلَ، وقياسًا على الأثَرِ الواردِ في السَّرقةِ.

وعُمدةُ مَنْ رأى أنه حَقٌّ للآدميِّينَ -وهو الأظهَرُ- أنَّ المَقذوفَ إذا صدَّقَه فيما قذَفَه به سقَطَ عنه الحدُّ (٢).

(١) «الكافي» (٥٥٧)، و «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٩٠).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٣١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)

(باب حد القذف)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .

قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .

وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٧٠ - مسألة؛ قال: (ومن قذف رجلا، فلم يقم الحد حتى زنى المقذوف، لم يزل الحد عن القاذف)

يَلْزَمْه حَدٌّ ، كما لو قالتْ: صَدَقْتَ. ولو قال: يا زانيةُ. قالتْ: أنَتْ أزْنَى مِنِّى. فقال أبو بكر: هي كالتى قبلَها في سُقوطِ الحَدِّ عنه. ويَلْزَمُها له ههُنا حَدُّ القَذْفِ، بخلافِ التي قبلَها؛ لأنَّها أضافَتْ إليه الزِّنَى، وفي التي قبلَها أضافَتْه إلى نفسِها.

١٥٧٠ - مسألة؛ قال: (وَمَن قَذَفَ رَجُلًا، فلم يُقَمِ الْحَدُّ حَتَّى زَنَى الْمَقْذُوفُ، لم يَزُلِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها في القذف

مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ حَقِيقَةً، حَيْثُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْذُوفَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْإِحْصَانِ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، وَقَدْ ظَهَرَ زِنَاهُ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ؛ فَلَمْ يَصِرْ الْقَاذِفُ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَظْهَرُ أَثَرُ قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْمَقْذُوفِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَذْفِ قَدْ تَقَرَّرَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ.

وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ أُمَّ الْمَقْذُوفِ أَمَةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، وَالْمَقْذُوفُ يَقُولُ: هِيَ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَعَلَى الْمَقْذُوفِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ،.

وَكَذَلِكَ لَوْ قَذَفَ إنْسَانًا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ ادَّعَى الْقَاذِفُ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْقَاذِفُ: أَنَا عَبْدٌ وَعَلَيَّ حَدُّ الْعَبْدِ، وَقَالَ الْمَقْذُوفُ: أَنْت حُرٌّ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ دَارُ الْأَحْرَارِ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْبَيِّنَةِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 344 - 346

ارجع إلى سقوط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.7 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله