هل حد القذف حق لله أم للعبد أم لهما؟

الإسلام > الجنايات والحدود > سقوط حد القذف > هل حد القذف حق لله أم للعبد أم لهما؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

هل حد القذف حق لله أم للعبد أم لهما؟ - الأقوال والأدلة

هل حَدُّ القَذفِ حقٌّ للهِ أم للعَبدِ أم لهما؟

القَذفُ فيهِ شائِبتانِ: شائبةُ حَقِّ اللهِ وشائبةُ حَقِّ العبدِ؛ لأنه شُرعَ لدَفعِ العارِ عن المَقذوفِ، فمِن هذا الوَجهِ هو حقُّ العبدِ، ثمَّ إنه شُرعَ زاجِرًا ومنهُ سُمِّيَ حدًّا، وهذا آيةُ حَقِّ اللهِ.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في أيِّهما أقوَى، هل حَقُّ اللهِ فيه غالِبٌ فلا يَجوزُ العفو عنه ولا الاعتِياضُ عنه؟ أم حَقُّ العبدِ فيه الغالِبُ فيَجوزُ العفوُ عنه والاعتياضُ عنه؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ حَقَّ اللهِ فيه هو الغالِبُ، فإذا ادَّعاه ثمَّ عفَى عنه فعَفوُه باطلٌ؛ لأنه وإنْ كانَ حقًّا مُختِلطًا بحقِّ العبدِ وتعارَضَتِ الجِهتانِ فيُغلَّبُ حقُّ اللهِ؛ لأنه حدٌّ يَتضمَّنُ عدَدًا لا تَجوزُ الزيادةُ عليهِ ولا النُّقصانُ عنه، فكانَ حقًّا للهِ تعالَى كحَدِّ الزنا والسَّرقةِ، ولأنه يَتشطَّرُ بالرِّقِّ، فكانَ كالزنا، وعليهِ: لا يَجوزُ العفوُ عنه ولا يُورَثُ (١).

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ حقَّ العبدِ فيه هو المُغلَّبُ؛ لأنه يَقفُ على مُطالَبتِه وأنه يَصحُّ له الرُّجوعُ عنه، أصلُه القِصاصُ، ولقولِه : «إنَّ دِماءَكم وأموالَكُم

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٥٧)، و «التجريد» للقدوري (١٠/ ٥١٨٢)، و «شرح فتح القدير» (٥/ ٣٢٧)، و «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣٥٥، ٣٥٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٥٢)، و «المبدع» (٩/ ٨٤)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٠٠).

وأعراضَكُم عَليكُم حَرامٌ» (١)، فأضافَ العِرضَ إلينَا كإضافةِ الدَّمِ والمالِ، فوجَبَ أنْ يكونَ ما في مُقابَلتِه للمَقذوفِ كالدَّمِ والمالِ.

ولأنه حَقٌّ على البَدنِ إذا ثبَتَ بالاعتِرافِ .. لم يَسقطْ بالرُّجوعِ، فكانَ للآدَميِّ كالقِصاصِ؛ لأنه لا خِلافَ أنه لا يُستوفَى إلا بمُطالَبةِ الآدَميِّ، فكانَ حقًّا له كالقِصاصِ، وعليه: يَجوزُ له العفوُ عنه إذا رُفعَ للحاكِمِ ويُورَثُ عنه ويَكونُ حقًّا لجَميعِ الورَثةِ (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ رحمة الله عليه: ولا اختِلافَ في أنَّ القذفَ حقٌّ للمَقذوفِ، وإنَّما اختُلفَ هل يَتعلَّقُ فيه حَقٌّ للهِ تعالَى أم لا؟ على الثَّلاثةِ الأقوالِ التي ذكَرْناها، وقد قالَ عبدُ الوَهابِ في «المَعُونة»: اختُلفَ عن مالكٍ في حَدِّ القذفِ هل هو مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى أو مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ؟ وفائدةُ ذلكَ أنه إنْ كانَ مِنْ حُقوقِ اللهِ فلا يَجوزُ العفوُ عنه بعدَ بُلوغِه إلى الإمامِ، وإنْ كانَ مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ جازَ العفوُ عنه، والصَّحيحُ أنه مِنْ حُقوقِ الآدَميِّينَ؛ بدَليلِ أنه يُورَثُ عن المَقذوفِ، وحُقوقُ اللهِ تعالَى لا تُورَثُ، ولأنه لا يُستحَقُّ إلا بمُطالَبةِ الآدَميِّ، والله أعلَمُ. هذا نَصُّ قولِه في «المَعونِة» وفيهِ نَظرٌ، فالصَّحيحُ ما ذكَرْناه (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّمَ.
(٢) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٩٠)، و «أحكام القرآن» (٣/ ٣٤٤)، و «البيان» (١٢/ ٤١٧، ٤١٨)، و «أسنى المطالب» (٤/ ١٣٦)، و «المغني» (٩/ ٧٩)، و «الفروع» (٤/ ٢٠٦)، و «المبدع» (٩/ ٨٤)، و «الإنصاف» (١٠/ ٢٠٠)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٢٠٧).
(٣) «البيان والتحصيل» (١٦/ ٢٩٠، ٢٩١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)

(باب حد القذف)

(مسألة)

قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .

قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .

وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .

وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف

فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهِمَا، فَالْقَذْفُ فِيهِمَا لَا يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ حِينَ وُجُودِهِ فَلَا يُحْتَمَلُ الِاسْتِيفَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَاجِبِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي الشَّرَائِط الَّتِي تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْقَذْفِ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ وَالْإِضَافَةِ إلَى وَقْتٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ - لَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يَمْنَعُ وُقُوعَهُ قَذْفًا لِلْحَالِ، وَعِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ نَجَّزَ الْقَذْفَ - كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ - فَكَانَ قَاذِفًا تَقْدِيرًا مَعَ انْعِدَامِ الْقَذْفِ حَقِيقَةً؛ فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا قَالَ رَجُلٌ: مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا قُلْتُ - أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُبْتَدِئِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطِ الْقَوْلِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ دَخَلْتَ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ فَدَخَلَ - لَا حَدَّ عَلَى الْقَائِلِ؛ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَنْتَ زَانٍ أَوْ ابْنُ الزَّانِيَةِ غَدًا أَوْ رَأْسَ شَهْرِ كَذَا، فَجَاءَ الْغَدُ وَالشَّهْرُ - لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى وَقْتٍ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ الْقَذْفِ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا تَظْهَرُ بِهِ الْحُدُودُ عِنْدَ الْقَاضِي

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٧٦ - مسألة؛ قال: (وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة، فحد واحد إذا

أُقِيمَ له، وكذلك جميعُهم، وهذا قولُ عُرْوةَ؛ لأنَّهم إذا اجْتَمعُوا على طَلَبِه، وقَعَ اسْتيفاؤُه لِجَمِيعِهم ، وإذا طَلَبَه واحِدٌ مُنْفَرِدًا، كان استيفاؤُه له وَحْدَه، فلم يسْقُطْ حَقُّ الباقِين بغيرِ اسْتيفائِهم ولا إسْقاطِهم.

فصل: وإن قَذَفَ الجماعَةَ بكلماتٍ، فلكلِّ واحِدٍ حَدٌّ. وبهذا قال عَطَاءٌ، والشَّعْبِىُّ، وقَتادَةُ، وابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال حَمَّادٌ، ومالِكٌ: لا يَجِبُ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ؛ لأنَّها جنايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فإذا تَكَرَّرَتْ كَفَى حَدٌّ واحِدٌ، كما لو سَرَقَ مِن جماعَةٍ، أو زَنَى بنساءٍ، أو شَرِبَ أنْواعًا من المُسْكِرِ. ولَنا، أنَّها حُقوقٌ، لآدَمِيِّين، فلم تتداخلْ، كالدُّيونِ والقِصَاصِ. وفارَقَ ما قاسُوا عليه. فإنَّه حَقٌّ للَّه تعالى.

فصل: وإذا قال لرَجلٍ : يا ابنَ الزَّانِيَيْنِ. فهو قاذِفٌ لهما بكلِمةٍ واحِدَةٍ، فإن كانَا مَيِّتَيْنِ، ثبتَ الحَقُّ لوَلدِهما، ولم يجبْ إلَّا حَدٌّ واحِدٌ، وجهًا واحدًا. وإن قال: يا زَانِى ابنَ الزَّانِى. فهو قَذْفٌ لهما بِكَلِمَتَيْنِ، فإن كانَ أبوه حَيًّا، فلكلِّ واحِدٍ منهما حَدٌّ، وإن كان مَيِّتًا، فالظاهِرُ في المذْهَبِ أنَّه لا يجبُ الحَدُّ بقَذْفِه. وإن قال: يا زَانِى ابنَ الزَّانِيَةِ. وكانت أمُّهُ في الحياةِ، فلكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وإن كانتْ مَيِّتَةً، فالقَذْفانِ جميعًا له. وإن قال: زَنَيْتَ بفُلانَةَ. فهو قذفٌ لهما بكلمةٍ واحدةٍ. وكذلك إذا قالَ: يا ناكِحَ اُمِّهِ. ويُخَرَّجُ فيه الرِّواياتُ الثَّلاثُ. واللهُ أعلمُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 347 - 348

ارجع إلى سقوط حد القذف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده