الإسلام > الجنايات والحدود > شرائط الردة > ثالثا: الرضا بالكفر: (ردة المكره)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 18 دقيقة قراءةوأما استِتابتُه فتُؤخَّرُ إلى حينِ صَحوِه؛ ليَكملَ عَقلُه ويَفهمَ ما يُقالُ له، وتُزالُ شُبهتُه إنْ كانَ قد قالَ الكُفرَ مُعتقِدًا له، كما تُؤخَّرُ استِتابتُه إلى حينِ زوالِ شدَّةِ عَطشِه وجُوعِه، ولأنَّ القتلَ جُعلَ للزَّجرِ، ولا يَحصلُ الزجرُ في حالِ سُكرِه، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ قتَلَه قاتلٌ في حالِ سُكرِه لم يَضمنْه؛ لأنَّ عِصمتَه زالَتْ برِدتِه، وإنْ ماتَ أو قُتلَ لم يَرثْه وَرثتُه، ولا يَقتلُه حتى يُتِمَّ له ثَلاثةَ أيامٍ ابتِداؤُها مِنْ حينِ ارتَدَّ، فإنِ استَمرَّ سُكرُه أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ لم يُقبلْ حتى يَصحوَ ثم يُستتابَ عَقيبَ صَحوِه، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ في الحالِ (١).
ثالِثًا: الرِّضا بالكُفرِ: (رِدةُ المكرَهِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ أكرِهَ على الكُفرِ فأتَى بلَفظِ الكُفرِ أو فِعلِ الكُفرِ لم يَصرْ كافرًا بذلكَ إذا كانَ قلبُه مُطمئنًّا بالإيمانِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وعن أبي عُبيدةَ بنِ مُحمدِ بنِ عمَّارِ بنِ ياسرٍ عن أبيه قالَ: «أخَذَ المُشرِكونَ عمَّارَ بنَ ياسِرٍ فلمْ يَتركوهُ حتَّى سَبَّ النبيَّ ﷺ وذكَرَ
(١) «المغني» (٩/ ٣٢)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٤/ ١٧٨، ١٧٩) رقم (١٥٣٤)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٧٥، ١٧٦)، و «البيان» (١٢/ ٣٩)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٤٩٦)، و «النجم الوهاج» (٩/ ٨٤)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٢٥)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٦٨٠، ٦٨١)، و «الكافي» (٤/ ١٥٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٩٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢٢٣، ٢٢٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٩٤).
آلهَتَهم بخَيرٍ ثم تَركُوهُ، فلمَّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ما وَراءَكَ؟ قالَ: شَرٌّ يا رَسولَ اللهِ، ما تُركْتُ حتى نِلتُ منكَ وذكَرتُ آلهَتَهم بخَيرٍ، قالَ: كيفَ تَجدُ قلبَكَ؟ قالَ: مَطمئنٌّ بالإيمانِ، قالَ: إنْ عَادُوا فعُدْ» (١).
وهذا أصلٌ في جَوازِ إظهارِ كَلمةِ الكُفرِ في حالِ الإكراهِ، والإكراهُ المُبيحُ لذلكَ هو أنْ يَخافَ على نَفسِه أو بَعضِ أعضائِه التلفَ إنْ لم يَفعلْ ما أمرَهَ به، فأُبيحَ له في هذهِ الحالِ أنْ يُظهِرَ كلمةَ الكُفرِ (٢).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ حتَّى خَشيَ على نفسِه القتلَ أنه لا إثمَ عليهِ إنْ كفَرَ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، ولا تَبِينُ منه زَوجتُه، ولا يُحكمُ عليه بحُكمِ الكُفرِ، هذا قولُ مالكٍ والكُوفيينَ والشافعيِّ، غيرِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ فإنه قالَ: «إذا أظهَرَ الشِّركَ كانَ مُرتدًّا في الظاهرِ، وهو فيما بينَه وبينَ اللهِ على الإسلامِ، وتَبِينُ منه امرأتُه، ولا يُصلَّى عليهِ إنْ ماتَ، ولا يَرثُ أباه إنْ ماتَ مُسلمًا»، وهذا قولٌ تُغنِي حِكايتُه عن الرَّدِّ عليه؛ لمُخالَفتِه للآياتِ المَذكورةِ في أولِ هذا البابِ.
وقالَتْ طائفةٌ: إنما جازَتِ الرُّخصةُ في القولِ، وأما في الفعلِ فلا رُخصةَ فيه، مثلَ أنْ يُكرِهوهُ على السجودِ لغيرِ اللهِ، أو الصلاةِ لغيرِ القِبلةِ، أو قَتلِ مُسلمٍ أو ضَربِه أو أكلِ مالِه، أو الزنا، أو شُربِ الخَمرِ وأكلِ الخِنزيرِ، رُويَ
(١) رواه الحاكم في «المستدرك» (٣٣٦٢)، وقالَ: صَحيحٌ على شَرطِ الشَّيخَينِ ولم يُخرِّجاهُ.
(٢) «أحكام القرآن» (٥/ ١٣)، و «بدائع الصنائع» (٧/ ١٣٤)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٢٩).
هذا عن الحسَنِ البَصريِّ، وهو قولُ الأوزاعيِّ وسحنُونٍ، قالَ الأوزاعيُّ: إذا كُرِهَ الأسيرُ على شُربِ الخَمرِ لا يَفعلُ وإنْ قتَلَه، وقالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: حَدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ حدَّثَنا عبدُ الأعلى عن عَوفٍ عن الحَسنٍ أنه كانَ لا يَجعلُ في النفسِ التي حرَّمَ اللهُ التقيَّةَ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا قيلَ للأسيرِ: «اسجُدْ لذلكَ الصَّنمِ وإلا قَتلناكَ» فقالَ: إنْ كانَ الصَّنمُ مُقابلَ القِبلةِ فلْيَسجدْ وتكونُ نيَّتُه للهِ تعالى، وإنْ كانَ لغيرِ القِبلةِ فلا يَسجدُ وإنْ قَتلوهُ.
وقالَتْ طائِفةٌ: الإكراهُ في الفِعلِ والقَولِ سواءٌ إذا أسَرَّ الإيمانَ، رُويَ ذلكَ عن عُمرَ بنِ عَبدِ العزيزِ ومَكحولٍ، وهو قَولُ مالكٍ وطائفةٍ مِنْ أهلِ العِراقِ، ورَوى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ أنه إنْ أُكرِهَ على شُربِ الخَمرِ أو تَركِ الصلاةِ والإفطارِ في رَمضانَ فلا إثمَ عليه، إلا أنه لا يَجوزُ عندَ مالكٍ وعامَّةِ العُلماءِ أنْ يَقتلَ غيرَه ولا يَنتهكَ حُرمتَه ولا يَظلمَه ولا يَفعلَ الزنا وإنْ كُرِهَ على ذلكَ.
قالَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: وقولُ مَنْ جعَلَ التقيَّةَ في القولِ ما يُشبهُ ما نزَلَ في القُرآنِ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ الذينَ أُكرِهوا عليهِ إنما هو كَلامٌ تكَلَّموا به ولم يَظلِموا فيه أحدًا مِنْ الناسِ، وإنما هو أمرٌ فيما بينَهم وبينَ ربِّهم، فلمَّا أُكرِهوا عليه ولم يَكونُوا له مُعتقِدينَ جُعلَ كأنه لم يَكنْ؛ لأنَّ الكلامَ ليسَ يُؤثرُ بأحدٍ أثَرًا في نفسٍ ولا مالٍ، وأفعالُ الأبدانِ ليسَتْ كذلكَ؛ لأنها تُؤثرُ في الأبدانِ والأموالِ، ولا يُجوزُ لأحَدٍ أنْ يُنجيَ نفسَه مِنْ القتلِ بأنْ يَقتلَ غيرَه ظالِمًا وإنْ أكرِهَ على ذلكَ.
وقالَ الأبهَريُّ: لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يُكرَهَ على هَتكِ حُرمةِ آدَميٍّ؛ لأنَّ حُرمتَه ليسَتْ بأوكَدَ مِنْ حُرمةِ الآخَرِ (١).
وقالَ أيضًا: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ فاختارَ القتلَ أنه أعظَمُ أجرًا عندَ اللهِ ممَّن اختارَ الرُّخصةَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ رحمة الله عليه: اتَّفقُوا على أنَّ المُكرَهَ على الكفرِ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ أنه لا يَلزمُه شَيءٌ مِنْ الكُفرِ عندَ اللهِ تعالَى، واختَلفُوا في إلزامِه أحكامَ الكُفرِ، واتَّفقُوا أنَّ خوفَ القتلِ إكراهٌ (٣).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكفرِ حتى خَشيَ على نَفسِه القتلَ أنه لا إثمَ عليه إنْ كفَرَ وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمانِ، ولا تَبِينُ منه زَوجتُه، ولا يُحكَمُ عليه بحُكمِ الكُفرِ، هذا قَولُ مالكٍ والكُوفيِّينَ والشافِعيِّ غيرِ مُحمدِ بنِ الحسَنِ … (٤).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومَن أُكرِهَ على الكفرِ فأتَى بكلمةِ الكُفرِ لم يَصِرْ كافرًا، وبهذا قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وقالَ مُحمدُ بنُ الحسَنِ: هو كافِرٌ في الظاهِرِ تَبِينُ منه امرأتُه، ولا يَرثُه المُسلمونَ إنْ ماتَ،
(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٩١، ٢٩٢)، و «الإشراف» (٨/ ٦١، ٦٢)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٣٩).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢٩٥).
(٣) «مراتب الإجماع» ص (٦١).
(٤) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١٨٢).
ولا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه، وهو مُسلمٌ فيما بينَه وبينَ اللهِ؛ لأنه نطَقَ بكلمةِ الكفرِ، فأشبَهَ المُختارَ.
ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦].
ورُويَ «أنَّ عمَّارًا أخَذَه المُشركونَ فضَرَبوهُ حتى تَكلَّمَ بما طَلَبوا منهُ، ثم أتَى النبيَّ ﷺ وهو يَبكِي فأخبَرَه، فقالَ له النبيُّ ﷺ: إنْ عادُوا فعُدْ».
ورُويَ «أنَّ الكفَّارَ كانوا يُعذِّبونَ المُستضعَفينَ مِنْ المُؤمنينَ، فما منهُم أحَدٌ إلا أجابَهم إلا بلالًا فإنه كانَ يقولُ: أحَدٌ أحدٌ»، وقالَ النبيُّ ﷺ: «عُفيَ لأمَّتِي عن الخَطأِ والنِّسيانِ وما استُكرِهوا عليه»، ولأنه قَولٌ أُكرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلمْ يَثبتْ حُكمُه كما لو أُكرهَ على الإقرارِ، وفارَقَ ما إذا أُكرهَ بحَقٍّ، فإنه خُيِّرَ بينَ أمرَينِ يَلزمُه أحَدُهما، فأيَّهما اختارَه ثبَتَ حُكمُه في حقِّه.
فإذا ثبَتَ أنه لم يَكفرْ فمَتى زالَ عنه الإكراهُ أُمِرَ بإظهارِ إسلامِه، فإنْ أظهَرَه فهو باقٍ على إسلامِه، وإنْ أظهَرَ الكُفرَ حُكِمَ أنه كفَرَ مِنْ حينِ نطَقَ به؛ لأننَّا تبيَّنَّا بذلكَ أنه كانَ مُنشرِحَ الصدرِ بالكفرِ مِنْ حينِ نطَقَ به مُختارًا له، وإنْ قامَتْ عليه بيِّنةٌ أنه نطَقَ بكلمةِ الكُفرِ وكانَ مَحبوسًا عندَ الكفَّارِ ومُقيَّدًا عندَهم في حالةِ خَوفٍ لم يُحكَمْ برِدتِه؛ لأنَّ ذلك ظاهِرٌ في الإكراهِ، وإنْ شَهدَتْ أنه كانَ آمِنًا حالَ نُطقِه به حُكمَ بردَّتِه، فإنِ ادَّعَى ورَثتُه رُجوعَه إلى الإسلامِ لم يُقبَلْ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ الأصلَ بقاؤُه على ما هو عليهِ، وإنْ شَهدَتِ البيِّنةُ عليه بأكلِ لَحمِ الخِنزيرِ لم يُحكَمْ بردَّتِه؛ لأنه قد يَأكلُه مُعتقِدًا
تَحريمَه كما يَشربُ الخَمرَ مَنْ يَعتقدُ تَحريمَها، وإنْ قالَ بعضُ وَرثتِه: «أكَلَه مُستحِلًّا له» أو أقَرَّ بردَّتِه حَرُمَ مِيراثُه؛ لأنه مُقِرٌّ بأنه لا يَستحِقُّه، ويُدفَعُ إلى مُدَّعي إسلامِه قَدرُ مِيراثِه؛ لأنه لا يدَّعِي أكثرَ منه، ويُدفَعُ الباقي إلى بيتِ المالِ؛ لعَدمِ مَنْ يَستحقُّه، فإنْ كانَ في الوَرثةِ صَغيرٌ أو مَجنونٌ دُفعَ إليه نَصيبُه ونَصيبُ المُقِرِّ بردَّةِ المَوروثِ؛ لأنه لم تَثبتْ ردَّتُه بالنسبةِ إليهِ.
فَصلٌ: ومَن أُكرِهَ على كَلمةِ الكُفرِ فالأفضلُ له أنْ يَصبِرَ ولا يَقولَها وإنْ أتَى ذلكَ على نَفسِه؛ لِما رَوى خبَّابٌ عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «إنْ كانَ الرَّجلُ مِنْ قَبلِكم لَيُحفرُ له في الأرضِ فيُجعلُ فيها، فيُجاءُ بمِنشارٍ فيُوضَعُ على شِقِّ رأسِه ويُشَقُّ باثنينِ ما يَمنعُه ذلكَ عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحَديدِ ما دُونَ عَظمِه مِنْ لَحمٍ ما يَصرفُه ذلكَ عن دِينِه»، وجاءَ في تَفسيرِ قَولِه تَعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)﴾ [ا البروج: ٤ - ٧] أنَّ بعضَ مُلوكِ الكفَّارِ أخَذَ قومًا مِنْ المُؤمنينَ فخَدَّ لهُم أُخدودًا في الأرضِ وأوقَدَ فيه نارًا، ثم قالَ: مَنْ لم يَرجعْ عن دِينِه فألقُوهُ في النارِ، فجَعَلوا يُلقُونَهم فيها، حتى جاءَتِ امرأةٌ على كَفِّها صبيٌّ لها فتقاعَسَتْ مِنْ أجْلِ الصبيِّ، فقالَ الصبيُّ: يا أُمَّه اصبِري فإنكِ على الحَقِّ، فذكَرَهم اللهُ تعالَى في كتابِه.
ورَوى الأثرمُ عن أبي عبدِ اللهِ أنه سُئلَ عن الرَّجلِ يؤسَرُ فيُعرَضُ على الكُفرِ ويُكرَهُ عليه، ألَهُ أنْ يَرتدَّ؟ فكَرهَه كَراهةً شديدةً وقالَ: ما يُشبِهُ هذا عندِي الذينَ أُنزلَتْ فيهم الآيةُ مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ، أولئكَ كانوا يُرادُونَ
على الكلمةِ ثم يُتركونَ يَعملونَ ما شاؤُوا، وهؤلاءِ يُريدونَهم على الإقامةِ على الكُفرِ وتَركِ دِينهم؛ وذلكَ لأنَّ الذي يُكرَهُ على كَلمةِ يَقولُها ثم يُخلَّى، لا ضرَرَ فيها، وهذا المُقيمُ بينَهم يَلتزمُ بإجابتِهم إلى الكفرِ المُقامَ عليهِ واستِحلالَ المُحرَّماتِ وترْكَ الفرائضِ والواجباتِ وفِعلَ المَحظوراتِ والمُنكَراتِ، وإنْ كانَ امرَأةً تَزوَّجوها واستَولدُوها أولادًا كفَّارًا، وكذلكَ الرَّجلُ، وظاهِرُ حالِهم المَصيرُ إلى الكُفرِ الحَقيقيِّ والانسِلاخُ مِنْ الدِّينِ الحَنيفيِّ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: لا يَكفرُ مَنْ تكلَّمَ بالكفرِ مُكرَهًا بالنَّصِّ والإجماعِ، ولو تكلَّمَ بالكُفرِ مُستهزِئًا بآياتِ اللهِ وباللهِ ورَسولِه كفَرَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المُكرَهَ على الكفرِ يَجوزُ له أنْ يَواليَ إبقاءً لمُهجتِه، ويَجوزُ له أنْ يَستقتلَ كما كانَ بلالٌ رضي الله عنه يأبَى عليهم ذلكَ وهم يَفعلونَ به الأفاعيلَ، حتى إنَّهم ليَضعونَ الصَّخرةَ العَظيمةَ على صَدرِه في شِدةِ الحَرِّ ويأمُرونَه بالشركِ باللهِ، فأبَى عليهِم وهو يَقولُ: أحَدٌ أحَدٌ، ويَقولُ: واللهِ لو أعلَمُ كَلمةً هي أغيَظُ لكُم منها لقُلتُها رضي الله عنه وأرضاهُ، وكذلكَ حَبيبُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ لمَّا قالَ له مُسيلمةُ الكذَّابُ: أتَشهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ؟ فيقولُ: نعمْ، فيقولُ: أتشهَدُ أني رسولِ اللهِ؟ فيَقولُ: لا أسمَعُ، فلمْ يَزَلْ يُقطعُه إربًا إربًا وهو ثابتٌ على ذلكَ (٣).
(١) «المغني» (٩/ ٣٠، ٣١)، و «البيان» (١٢/ ٤٠، ٤٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٩١).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٨٩).
ارجع إلى شرائط الردة للاطلاع على جميع المسائل.