الإسلام > الجنايات والحدود > شرائط الردة > ثانيا: العقل: (ردة المجنون)
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةوذهَبَ المالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنه إذا بلَغَ ولم يَرجعْ إلى الإسلامِ فإنه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلا قُتلَ؛ لأنه صارَ أهلًا للعُقوبةِ (١).
وأمَّا الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه فقالَ: وإنما يُقتلُ مَنْ أقَرَّ بالإيمانِ إذا أقَرَّ بالإيمانِ بعدَ البُلوغِ والعَقلِ، فمَن أقَرَّ بالإيمانِ قبلَ البُلوغِ وإنْ كانَ عاقِلًا ثم ارتَدَّ قبلَ البُلوغِ أو بعدَه ثمَّ لمْ يَتُبْ بعدَ البلوغِ فلا يُقتلُ؛ لأنَّ إيمانَه لم يَكنْ وهو بالِغٌ، ويُؤمَرُ بالإيمانِ ويُجهَدُ عليه بلا قَتلٍ إنْ لم يَفعلُه (٢).
ثانِيًا: العَقلُ: (ردَّةُ المَجنونِ):
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على عَدمِ صِحةِ رِدةِ المَجنونِ، فإذا كانَ مُسلمًا ثمَّ جُنَّ فارتَدَّ في حالِ جُنونِه أنه لا يُؤاخَذُ به وهو على إسلامِه؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: … وعنِ المَجنونِ حتى يَفيقَ» (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَجنونَ إذا ارتَدَّ في حالِ جُنونِه أنه مُسلمٌ على ما كانَ قبلَ ذلكَ، ولو قتَلَه قاتلٌ عَمدًا كانَ عليهِ القَودُ إذا طلَبَ أولياؤُه ذلكَ (٤).
(١) «الذخيرة» (١٢/ ١٥)، و «الفروق» (١/ ٣٩٣)، و «المغني» (٩/ ٢٤)، و «المحرر» (٢/ ١٦٧)، و «كشاف القناع» (٦/ ٢١٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٢٨٦)، و «منار السبيل» (٣/ ٣٦٨).
(٢) «الأم» (٦/ ١٥٩).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدَّمَ.
(٤) «الإجماع» (٧١٨)، و «الإشراف» (٨/ ٥٨).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الرِّدةُ لا تَصحُّ إلا مِنْ عاقلٍ، فأما مَنْ لا عقْلَ له كالطِّفلِ الذي لا عَقلَ له والمَجنونِ ومَن زالَ عَقلُه بإغماءٍ أو نَومٍ أو مَرضٍ أو شُربِ دَواءٍ يُباحُ شُربُه فلا تَصحُّ رِدتُه ولا حُكمَ لكَلامِه بغيرِ خِلافٍ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَجنونَ إذا ارتَدَّ في حالِ جُنونِه أنه مُسلمٌ على ما كانَ عليه قبلَ ذلكَ، ولو قتَلَه قاتلٌ عَمدًا كانَ عليهِ القَودُ إذا طلَبَ أولياؤُه، وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلغَ، وعن النائِمِ حتَّى يَستيقظَ، وعنِ المَجنونِ حتى يَفيقَ» أخرَجَه أبو داودَ والتِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ، ولأنه غيرُ مُكلَّفٍ، فلمْ يُؤاخَذْ بكَلامِه كما لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه ولا طَلاقِه ولا إعتاقِه (١).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فأما المَجنونُ والطِّفلُ الذي لا يُميِّزُ فأقوالُه كلُّها لَغوٌ في الشَّرعِ، لا يَصحُّ منه إيمانٌ ولا كُفرٌ ولا عَقدٌ مِنْ العُقودِ ولا شَيءٌ مِنْ الأقوالِ باتِّفاقِ المُسلمينَ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: المَجنونُ لا يَصحُّ ارتِدادُه بالإجماعِ (٣).
(١) «المغني» (٩/ ١٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٤/ ١١٥).
(٣) «شرح فتح القدير» (٦/ ٩٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحدود
فصل في بيان مقدار الواجب من الحدود
وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ بِالرِّقِّ لَا حَقَّ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ، وَالْجَزَاءُ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ وَيُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِهَا، وَالْجِنَايَةُ تَتَكَامَلُ بِكَمَالِ حَالِ الْجَانِي وَتُنْتَقَصُ بِنُقْصَانِ حَالِهِ، فَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ وَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْجَانِي، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَوْ الْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّهُ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ وَالِاعْتِيَاضُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ إنَّمَا يَجْرِي فِي الْمَتْرُوكِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ حَقٍّ لِلْمُوَرَّثِ عَلَى مَا قَالَ « عليه الصلاة والسلام مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحُدُودِ
(فَصْلٌ) :
ارجع إلى شرائط الردة للاطلاع على جميع المسائل.