الإسلام > الجنايات والحدود > شرائط الردة > حكم سب أصحاب النبي ﷺ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوحَفصةَ رضي الله عنهم، فرُفعَ أمرُه إلى الخَليفةِ، فجاءَ كتابُ الخَليفةِ إلى مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ طاهرِ بنِ الحَسنِ نائبِ بغدادَ يأمرُه أنْ يَضربَه بينَ الناسِ حَدَّ السبِّ ثم يُضرَبَ بالسِّياطِ حتى يَموتَ ويُلقَى في دِجلةَ ولا يُصلَّى عليهِ ليَرتدعَ بذلكَ أهل الإلحادِ والمُعانَدةِ، ففعلَ معه ذلكَ قبَّحَه اللهُ ولعَنَه، ومثلُ هذا يَكفرُ إنْ كانَ قد قذَفَ عائِشةَ بالإجماعِ، وفيمَن قذَفَ سِواها مِنْ أمَّهاتِ المُؤمنينَ قَولانِ: والصَّحيحُ أنه يَكفرُ أيضًا؛ لأنهنَّ أزواجُ رَسولِ اللهِ ﷺ ورَضيَ عنهُن (١).
حُكمُ سَبِّ أصحابِ النبيِّ ﷺ-:
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فأمَّا مَنْ سَبَّ أحَدًا مِنْ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ أهلِ بَيتِه وغيرِهم فقدْ أطلَقَ الإمامُ أحمدُ أنه يُضرَبُ ضَربًا نكالًا، وتَوقَّفَ عن كُفرِه وقَتلِه.
قالَ أبو طالِبٍ: سألتُ أحمدَ عمَّن شتَمَ أصحابَ النبيِّ ﷺ، قالَ: القَتلُ أجبُنُ عنه، ولكنْ أضربُه ضَربًا نكالًا.
وقالَ عبدُ اللهِ: سألتُ أبِي عمَّن شتَمَ رجلًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ، قالَ: أرَى أنْ يُضربَ، قلتُ: له حَدٌّ؟ فلمْ يَقفْ على الحَدِّ، إلا أنه قالَ: يُضرَبُ، وقالَ: ما أراهُ على الإسلامِ.
وقالَ: سألتُ أبِي: مَنْ الرافِضةُ؟ فقالَ: الذينَ يَشتمونَ أو يَسبُّونَ أبَا بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما.
(١) «البداية والنهاية» (١٠٣٢٣، ٣٢٤).
وقالَ في الرِّسالةِ التي رَواها أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ يَعقوبَ الإصطَخريُّ وغيرُه: وخيرُ الأمَّةِ بعدَ النبيِّ ﷺ أبو بكرٍ، وعُمرُ بعدَ أبي بَكرٍ، وعُثمانُ بعدَ عُمرَ، وعليٌّ بعدَ عُثمانَ، ووقَفَ قومٌ على عُثمانَ، وهم خُلفاءُ راشِدونَ مَهديُّونَ، ثم أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ بعدَ هؤلاءِ الأربعةِ خيرُ الناسِ، لا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَذكرَ شيئًا مِنْ مَساويهِم ولا يَطعنَ على أحَدٍ منهم بعَيبٍ ولا نَقصٍ، فمَن فعَلَ ذلك فقدْ وجَبَ على السُّلطانِ تأديبُه وعُقوبتُه ليسَ له أنْ يعفوَ عنه، بل يُعاقِبُه ويَستَتيبُه، فإنْ تابَ قَبِلَ منه، وإنْ ثبَتَ أعادَ عليه العُقوبةَ وخلَّدَه الحَبسِ حتى يَموتَ أو يُراجِعَ.
وحكىَ الإمامُ أحمَدُ هذا عمَّن أدرَكَه مِنْ أهلِ العِلمِ، وحكاهُ الكَرمانِيُّ عنه وعن إسحاقَ والحُميديِّ وسَعيدِ بنِ مَنصورٍ وغيرِهم.
وقالَ المَيمونِيُّ: سَمعتُ أحمدَ يقولُ: ما لهُم ولِمُعاويةَ، نسألُ اللهَ العافيةَ، وقالَ لي: يا أبا الحَسنِ إذا رأيتَ أحدًا يَذكرُ أصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ بسُوءٍ فاتَّهمْه على الإسلامِ، فقد نصَّ رضي الله عنه على جَوابِ تَعزيرِه واستِتابتِه حتَّى يَرجعَ بالجَلدِ وإنْ لم يَنتهِ حُبسَ حتى يَموتَ أو يُراجعَ، وقالَ: ما أراهُ على الإسلامِ وأتَّهمُه على الإسلامِ، وقالَ: أجبُنُ عن قَتلِه.
وقالَ إسحاقُ بنُ راهويهِ: مَنْ شتَمَ أصحابَ النبيِّ ﷺ يُعاقَبُ ويُحبَسُ، وهذا قولِ كَثيرٍ مِنْ أصحابِنا، منهم ابنُ أبي موسَى، قالَ: ومَن سَبَّ السَّلفَ مِنْ الروافِضِ فليسَ بكُفؤٍ ولا يُزوَّجُ، ومَن رمَى عائِشةَ
رضي الله عنها بما برَّأَها اللهُ منه فقدْ مرَقَ مِنْ الدِّينِ ولم يَنعقدْ له نكاحٌ على مُسلمةٍ إلا أنْ يَتوبَ ويُظهِرَ تَوبتَه، وهذا في الجُملةِ قولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعاصِمٍ الأحوَلِ وغيرِهما مِنْ التابِعينَ.
قالَ الحارِثُ بنُ عُتبةَ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أُتِيَ برَجلٍ سَبَّ عُثمانَ فقالَ: ما حمَلَكَ على أنْ سبَبْتَه؟ قالَ: أُبغضُه، قالَ: وإنْ أبغَضْتَ رَجلًا سبَبْتَه؟! قالَ: فأمَرَ به فجُلدَ ثَلاثينَ سَوطًا.
وقالَ إبراهيمُ بنُ مَيسرةَ: ما رأيتُ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ ضرَبَ إنسانًا قَطُّ إلا إنسانًا شتَمَ مُعاويةَ فضرَبَه أسواطًا، رَواهُما اللالَكائيُّ.
وقد تقدَّمَ أنه كتَبَ في رَجلٍ سَبَّه: لا يُقتلُ إلا مَنْ سَبَّ النبيَّ ﷺ، ولكن اجلدهُ فوقَ رأسِه أسواطًا، ولولا أني رَجوتُ أنَّ ذلكَ خيرٌ له لم أفعَلْ.
ورَوى الإمامُ أحمَدُ حدَّثَنا أبو مُعاويةَ حدَّثَنا عاصِمٌ الأحوَلُ قالَ: أُتيتُ برَجلٍ قد سَبَّ عُثمانَ، قالَ: فضَربتُه عَشرةَ أسواطٍ، قالَ: ثم عادَ لِما قالَ فضَربتُه عَشرةً أُخرَى، قالَ: فلمْ يَزَلْ يَسبُّه حتى ضَربتُه سَبعينَ سَوطًا.
وهذا هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ مالِكٍ، قالَ مالِكٌ: مَنْ شتَمَ النبيَّ ﷺ قُتلَ، ومَن شتَمَ أصحابَه أُدِّبَ، وقالَ عبدُ الملكِ بنُ حَبيبٍ: مَنْ غَلا مِنْ الشِّيعةِ إلى بُغضِ عُثمانَ والبَراءةِ منه أدِّبَ أدَبًا شَديدًا، ومَن زادَ إلى بُغضِ أبي بَكرٍ وعُمرَ فالعُقوبةُ عليه أشَدُّ، ويُكرَّرُ ضَربُه ويُطالُ سَجنُه حتى يَموتَ، ولا يُبلَغُ به القتلُ إلا في سَبِّ النبيِّ ﷺ.
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: لا أعلَمُ أحَدًا يُوجِبُ قتْلَ مَنْ سَبَّ مَنْ بعدَ النبيِّ ﷺ.
وقالَ القاضي أبو يَعلى: الذي عليهِ الفُقهاءُ في سَبِّ الصحابةِ إنْ كانَ مُستحِلًّا لذلكَ كفَرَ، وإنْ لم يَكنْ مُستحِلًّا فسَقَ ولم يَكفرْ، سواءٌ كفَّرَهم أو طعَنَ في دِينِهم مع إسلامِهم.
وقد قطَعَ طائفةٌ مِنْ الفُقهاءِ مِنْ أهلِ الكُوفةِ وغيرِهم بقَتلِ مَنْ سَبَّ الصحابةَ وكُفرِ الرافضةِ، قالَ مُحمدُ بنُ يُوسفَ الفِريابيُّ وسُئلَ عمَّن شتَمَ أبا بَكرٍ قالَ: كافرٌ، قيلَ: فيُصلَّى عليه؟ قالَ: لا، وسَألَه كيفَ يُصنعُ بهِ وهو يَقولُ لا إلهَ إلا اللهُ؟ قالَ: لا تَمسُّوهُ بأيديكُم، ادفَعوهُ بالخَشبِ حتى تُواروهُ في حُفرتِه.
وقالَ أحمَدُ بنُ يُونسَ: لو أنَّ يَهوديًّا ذبَحَ شاةً وذبَحَ رافِضيٌّ لَأكلْتُ ذَبيحةَ اليهوديِّ ولم آكُلْ ذَبيحةَ الرافضيِّ؛ لأنه مُرتدٌّ عن الإسلامِ (١).
(١) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (٣/ ١٠٥٥، ١٠٦٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (ومن قذف أم النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل، مسلما كان أو كافرا)
مَيِّتَةً، ولأنَّ معنى هذا أنَّ أُمَّكَ زَنَتْ، فأتَتْ بِكَ من الزِّنَى، فإذا كان الزِّنَى مَنْسُوبًا إليها، كانتْ هي المقذُوفةَ دُونَ ولدِها. ولَنا، ما ذكرْناه، ولأنَّه لو كان القَذْفُ لها، لم يجبِ الحَدُّ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المسلمَ، والعبدَ لا يرِثُ الحُرَّ، ولأنَّهم لا يُوجِبُونَ الحَدَّ بقَذْفِ مَيِّتَةٍ بحالٍ، فيَثْبُتُ أنَّ القذفَ له، فيُعْتَبَرُ إحْصانُه دونَ إحْصانِها. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن قُذِفَتْ جَدَّتُه، فقياسُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه كَقَذْفِ أُمِّه، إن كانتْ حَيَّةً، فالحَقُّ لها، ويُعْتَبَرُ إحْصانُها ، وليس لغيرِها المُطالَبَةُ عنها. وإن كانتْ مَيِّتَةً، فلَه المُطالَبَةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأنَّ ذلك قَدْحٌ في نَسَبِه. فأمَّا إن قَذَفَ أباه، أو جَدَّه، أو أحدًا من أقاربِه غيرَ أمهاتِه بعدَ مَوْتِه، لم يجبِ الحَدُّ بقَذْفِه، في ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أوجَبَ الحَدَّ بقَذْفِ أُمِّه حقًّا له، لِنَفْىِ نَسَبِه، لا حَقًّا للمَيِّتِ، ولهذا لم يُعْتَبَرْ إحْصانُ المَقْذوفَةِ، واعْتُبِرَ إحْصانُ الولَدِ، ومتى كان المَقْذُوفُ من غيرِ أُمَّهاتِه، لم يتضَمَّنْ نَفْىَ نَسَبِه، فلم يجبِ الحَدُّ. وهذا قولُ أبي بكرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافعيُّ: إنْ كانَ الميِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّه المُطالَبَةُ به، وينقَسِمُ انْقِسامَ الميراثِ؛ لأنَّه قَذَفَ مُحْصَنًا، فيجبُ الحَدُّ على قاذِفِه، كالحَىِّ. ولَنا، أنَّه قَذْفُ من لا يُتَصَوَّرُ منه المُطالَبَةُ، فلم يجبِ الحَدُّ بَقْذَفِهِ، كالمجنونِ، أو نقولُ: قَذف مَنْ لا يَجِبُ الحَدُّ له، فلم يجبْ، كقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ، وفارَقَ قَذْفَ الحَىِّ، فإنَّ الحَدَّ يجبُ له.
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا)
ارجع إلى شرائط الردة للاطلاع على جميع المسائل.