الإسلام > الجنايات والحدود > شرائط الردة > حكم من قذف السيدة عائشة رضي الله عنها أو غيرها من نساء النبي ﷺ
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةمَنْ أرادَ أنْ يَقولَ: «اللهمَّ أنتَ ربِّي وأنا عَبدُكَ» فقالَ غَلطًا: «أنتَ عبدِي وأنا ربُّكَ»؛ لحَديثِ: «عُفيَ لأمَّتي عن الخَطأِ والنِّسيانِ» (١).
حُكمُ مَنْ قذَفَ السيِّدةَ عائِشةَ رضي الله عنها أو غيرَها مِنْ نِساءِ النبيِّ ﷺ-:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ قذَفَ عائِشةَ أمَّ المُؤمنينَ رضي الله عنها بما بَرَّأَها اللهُ منه فهو كافرٌ مُرتدٌّ.
قالَ الإمامُ البُهوتيُّ رحمة الله عليه: ومَن قذَفَ عائِشةَ رضي الله عنها بما برَّأَها اللهُ منه كفَرَ بلا خِلافٍ؛ لأنه مُكذِّبٌ لنَصِّ الكِتابِ.
ومَن سَبَّ غيرَها مِنْ أزواجِه ﷺ ففيه قَولانِ:
أحَدُهما: أنه كسَبِّ واحدٍ مِنْ الصَّحابةِ؛ لعَدمِ نَصٍّ خاصٍّ.
والثاني -وهو الصَّحيحُ-: أنه كقَذفِ عائِشةَ رضي الله عنها؛ لقَدحِه فيه ﷺ (٢).
وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: فأما مَنْ سَبَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ فقالَ القاضِي أبو يَعلى: مَنْ قذفَ عائِشةَ بما برَّأَها اللهُ منه كفَرَ بلا خِلافٍ، وقد حكَى الإجماعَ على هذا غيرُ واحِدٍ، وصرَّحَ غيرُ واحدٍ مِنْ الأئمَّةِ بهذا الحُكمِ، فرُويَ عن مالِكٍ: مَنْ سَبَّ أبا بَكرٍ جُلدَ، ومَن سَبَّ
(١) «كشاف القناع» (٦/ ٢١٤، ٢١٥).
(٢) «كشاف القناع» (٦/ ٢١٨).
عائِشةَ قُتلَ، قيلَ له: لِمَ؟ قالَ: مَنْ رماها فقدْ خالَفَ القُرآنَ، ولأنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النور: ١٧].
وقالَ أبو بَكرٍ بنُ زِيادٍ النَّيسابوريُّ: سَمعتُ القاسمَ بنَ مُحمدٍ يقولُ لإسماعِيلَ بنِ إسحاقَ: أُتِيَ المأمونُ بالرَّقةِ برَجلينِ شتَمَ أحَدُهما فاطِمةَ والآخَرُ عائِشةَ، فأمَرَ بقتلِ الذي شتَمَ فاطِمةَ وترَكَ الآخَرَ، فقالَ إسماعيلُ: ما حُكمُهما إلا أنْ يُقتَلَا؛ لأنَّ الذي شتَمَ عائِشةَ رَدَّ القُرآنَ، وعلى هذا مَضتْ سِيرةُ أهلِ الفِقهِ والعلمِ مِنْ أهلِ البيتِ وغيرِهم …
وأما مَنْ سَبَّ غيرَ عائِشةٍ مِنْ أزواجِه ﷺ ففيهِ قولانِ:
أحَدُهما: أنه كسَابِّ غيرِهنَّ مِنْ الصحابةِ على ما سَيأتي.
والثَّاني -وهو الأصَحُّ-: أنَّ مَنْ قذَفَ واحِدةً مِنْ أمَّهاتِ المُؤمنينَ فهو كقَذفِ عائِشةَ رضي الله عنها، وقد تَقدَّمَ معنَى ذلكَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ وذلكَ لأنَّ هذا فيه عارٌ وغَضاضةٌ على رسولِ اللهِ ﷺ وأذًى له أعظَمَ مِنْ أذاهُ بنِكاحِهنَّ بعدَه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ كَثيرٍ رحمة الله عليه: وفيها -أي سنَةَ إحدَى وأربَعينَ ومِائتينِ- أمَرَ الخَليفةُ المُتوكِّلُ على اللهِ بضَربِ رَجلٍ مِنْ أعيانِ أهلِ بغدادَ يُقالُ له عِيسى بنُ جَعفرِ بنِ مُحمدِ بنِ عاصِمٍ، فضُربَ ضَربًا شَديدًا مُبرحًا يُقالُ: إنه ضُربَ ألفَ سَوطٍ حتى ماتَ؛ وذلك أنه شَهدَ عليه سَبعةَ عشَرَ رَجلًا عند قاضي الشرقيةِ أبي حسَّانَ الزِّياديِّ أنه يَشتمُ أبا بَكرٍ وعُمرَ وعائِشةَ
(١) «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (٣/ ١٠٥٠، ١٠٥٤).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (ومن قذف أم النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل، مسلما كان أو كافرا)
مَيِّتَةً، ولأنَّ معنى هذا أنَّ أُمَّكَ زَنَتْ، فأتَتْ بِكَ من الزِّنَى، فإذا كان الزِّنَى مَنْسُوبًا إليها، كانتْ هي المقذُوفةَ دُونَ ولدِها. ولَنا، ما ذكرْناه، ولأنَّه لو كان القَذْفُ لها، لم يجبِ الحَدُّ؛ لأنَّ الكافِرَ لا يَرِثُ المسلمَ، والعبدَ لا يرِثُ الحُرَّ، ولأنَّهم لا يُوجِبُونَ الحَدَّ بقَذْفِ مَيِّتَةٍ بحالٍ، فيَثْبُتُ أنَّ القذفَ له، فيُعْتَبَرُ إحْصانُه دونَ إحْصانِها. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن قُذِفَتْ جَدَّتُه، فقياسُ قولِ الْخِرَقِىِّ، أنَّه كَقَذْفِ أُمِّه، إن كانتْ حَيَّةً، فالحَقُّ لها، ويُعْتَبَرُ إحْصانُها ، وليس لغيرِها المُطالَبَةُ عنها. وإن كانتْ مَيِّتَةً، فلَه المُطالَبَةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأنَّ ذلك قَدْحٌ في نَسَبِه. فأمَّا إن قَذَفَ أباه، أو جَدَّه، أو أحدًا من أقاربِه غيرَ أمهاتِه بعدَ مَوْتِه، لم يجبِ الحَدُّ بقَذْفِه، في ظاهِرِ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لأنَّه إنَّما أوجَبَ الحَدَّ بقَذْفِ أُمِّه حقًّا له، لِنَفْىِ نَسَبِه، لا حَقًّا للمَيِّتِ، ولهذا لم يُعْتَبَرْ إحْصانُ المَقْذوفَةِ، واعْتُبِرَ إحْصانُ الولَدِ، ومتى كان المَقْذُوفُ من غيرِ أُمَّهاتِه، لم يتضَمَّنْ نَفْىَ نَسَبِه، فلم يجبِ الحَدُّ. وهذا قولُ أبي بكرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الشافعيُّ: إنْ كانَ الميِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّه المُطالَبَةُ به، وينقَسِمُ انْقِسامَ الميراثِ؛ لأنَّه قَذَفَ مُحْصَنًا، فيجبُ الحَدُّ على قاذِفِه، كالحَىِّ. ولَنا، أنَّه قَذْفُ من لا يُتَصَوَّرُ منه المُطالَبَةُ، فلم يجبِ الحَدُّ بَقْذَفِهِ، كالمجنونِ، أو نقولُ: قَذف مَنْ لا يَجِبُ الحَدُّ له، فلم يجبْ، كقَذْفِ غيرِ المُحْصَنِ، وفارَقَ قَذْفَ الحَىِّ، فإنَّ الحَدَّ يجبُ له.
١٥٧٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا)
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الحدود)
(باب حد القذف)
(باب حد القذف)
(مسألة)
قال الشافعي رحمه الله: " إذا قذف الْبَالِغُ حُرًّا بَالِغًا مُسْلِمًا أَوْ حُرَّةً بَالِغَةً مسلمة حد ثمانين) .
قال الماوردي: والأصل فِي تَحْرِيمِ الْقَذْفِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النور: ٢٣ .
وَرَوَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يُحْبِطُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ) .
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السبع نودي في الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شاء) . قال رجل لابن عمر الْكَبَائِرُ السَّبْعُ سَمِعْتَهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ: " نَعَمْ، الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَالْقَتْلُ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالزِّنَا) ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِ عَائِشَةَ رضوان الله عليها في الإفك عليها ما برأها الله تعالى مِنْهُ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب القذف
باب في شرب الخمر
بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ
ِ وَالْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟
فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا وَإِيجَابُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ شَرِبَهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ، وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الْأَنْبِذَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ.
هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عِشْرُونَ، وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ - أَرْبَعُونَ.
ارجع إلى شرائط الردة للاطلاع على جميع المسائل.