الإسلام > الجنايات والحدود > شرائط الردة > ردة السكران
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 5 دقيقة قراءةرِدَّةُ السَّكرانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّكرانِ إذا ارتَدَّ في حالِ سُكرِه، هل تُعتبرُ ردَّتُه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الردَّةَ لا تَصحُّ مِنْ السَّكرانِ؛ لأنَّ الرِّدةَ تُبنَى على تَبدُّلِ الاعتِقادِ، ونَعلمُ أنَّ السَّكرانَ غيرُ مُعتقِدٍ لِما قالَ، ولأنَّ الإسلامَ والكُفرَ يَتعلَّقانِ بالاعتِقادِ المُختَصِّ بالقَلبِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وليسَ يَصحُّ مِنْ السَّكرانِ اعتِقادٌ يَتعلقُ به كُفرٌ وإيمانٌ، فاقتَضَى أنْ يكونَ باطِلًا، ولأنه غيرُ مُكلَّفٍ، فلمْ تَصحَّ رِدتُه كالمَجنونِ، والدليلُ على أنه غَيرُ مُكلَّفٍ أنَّ العقلَ شَرطٌ في التَّكليفِ، وهو مَعدومٌ في حقِّه، ولهذا لم يَصحَّ استِتابتُه.
ولأنَّ أحكامَ الكُفرِ مَبنيةٌ على الكُفرِ كما أنَّ أحكامَ الإيمانِ مَبنيةٌ على الإيمانِ، والإيمانُ والكُفرُ يَرجعانِ إلى التَّصديقِ والتكذيبِ، وإنما الإقرارُ دَليلٌ عليهِما، وإقرارُ السَّكرانِ الذاهبِ العَقلِ لا يَصلحُ دَلالةً على التكذيبِ، فلا يَصحُّ إقرارُه (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ١٣٤)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٩٨)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٢٩)، و «الدر المختار» (٤/ ٢٢٤)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٢٥٣)، و «الحاوي الكبير» (١٣/ ١٧٥)، و «البيان» (١٢/ ٣٩)، و «المغني» (٩/ ٣١، ٣٢)، و «الكافي» (٤/ ١٥٥)، و «شرح الزركشي» (٣/ ٩٨).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه تَصحُّ رِدةُ السَّكرانِ؛ لأنَّ هذا إجماعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم أنهُم قالُوا بتَكليفِ السَّكرانِ، فقد رُويَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه شاوَرَ الصَّحابةَ في حَدِّ الخَمرِ، وقالَ: أرَى الناسَ قد تَهافَتوا واستَهانُوا بحَدِّه فماذا تَرَونَ؟ فقالَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ رضي الله عنه: أرَى أنْ يُحَدَّ ثَمانينَ؛ لأنه إذا شَربَ سَكِرَ، وإذا سَكرَ هَذى، وإذا هَذى افتَرى، فيُحدُّ حَدَّ المُفتَري، فوافَقَه عُمرُ والصَّحابةُ رضي الله عنهم على هَذا، وحَدُّوهُ حَدَّ المُفتري ثَمانينَ»، وجَعَلوا ما تَلفَّظَ به في السُّكرِ افتِراءً يَتعلقُ به حَدٌّ وتَعزيرٌ، وذلكَ مِنْ أحكامِ التكليفِ، ولو كانَ غيرَ مُكلَّفٍ لَكانَ كَلامُه لغوًا وافتِراؤُه مُطرحًا.
ولأنَّ الصلاةَ واجِبةٌ عليه، وكذلكَ سائرُ أركانِ الإسلامِ، ويَأثمُ بفِعلِ المُحرَّماتِ، وهذا معنَى التكليفِ، ولأنَّ السكرانَ لا يَزولُ عَقلُه بالكلَّيةِ، ولهذا يَتَّقي المَحذوراتِ ويَفرحُ بما يَسرُّه ويُساءُ بما يَضرُّه، ويَزولُ سُكرُه عن قُربٍ مِنْ الزمانِ، فأشبَهَ الناعِسَ، بخِلافِ النائمِ والمَجنونِ.
وإذا صَحَّ تكليفُه صَحَّ إسلامُه ورِدتُه، ولأنَّ مَنْ صَحَّ عِتقُه وطلاقُه صحَّتْ ردَّتُه وإسلامُه كالصاحي، ولأنَّ الردَّةَ والإسلامَ لفظٌ يَتعلقُ به الفُرقةُ، فوجَبَ أنْ تَصحَّ مِنْ السَّكرانِ كالطلاقِ.
فأما الجَوابُ عن بأنه لا اعتِقادَ له: فهو أنه يَجري في أحكامِ التَّكليفِ مَجرَى مَنْ له اعتِقادٌ وتَمييزٌ، ولذلكَ وقَعَ طلاقُه وظِهارُه، ولو عدمَ التَّميِيز ما وقَعَا كالمَجنونِ.
ارجع إلى شرائط الردة للاطلاع على جميع المسائل.