الإسلام > الجنايات والحدود > شروط الإمامة > الشرط الخامس: أن يكون مجتهدا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوأما قولُ النبيِّ ﷺ: «اسمَعُوا وأطِيعوا وإنْ استُعملَ عَليكم عَبدٌ حَبشيٌّ كانَ رأسَه زَبيبةٌ» (١)، فقدْ أجابَ عنه العُلماءُ مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنه قد يُضربُ المَثلُ في الشيءِ بما لا يَكادُ يَصحُّ منه الوُجودُ، كقَولِه ﷺ: «مَنْ بَنى للهِ مَسجدًا ولو مِفحصَ قَطاةٍ بنَى اللهُ له بَيتًا في الجنَّةِ»، وقَدرُ مِفحصِ قَطاةٍ لا يَكونُ مَسجدًا لشَخصٍ آدَميٍّ، فإطلاقُ العَبدِ الحَبشيِّ لأجْلِ المبالَغةِ في الأمرِ بالطاعةِ وإنْ كانَ لا يُتصوَّرُ شَرعًا أنْ يليَ ذلك.
الوَجهُ الثاني: أنَّ المُرادَ باستِعمالِ العَبدِ الحَبشيِّ أنْ يكونَ مُؤمَّرًا مِنْ جهةِ الإمامِ الأعظَمِ على بعضِ البلادِ-وهو أظهَرُها-، فليسَ هو الإمامَ الأعظمَ.
الوَجهُ الثالثُ: أنْ يكونَ أطلَقَ عليهِ اسمَ العَبدِ نَظرًا لاتِّصافِه بذلكَ سابقًا مع أنه وقتَ التَّوليةِ حُرٌّ، ونَظيرُه إطلاقُ اليَتيمِ على البالغِ باعتِبارِ اتِّصافِه به سابِقًا في قَول اللهِ تعالَى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (٢).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يكونَ مُجتهِدًا:
اشتَرطَ جَماهيرُ أهلِ السُّنةِ في الإمامِ أنْ يكونَ مُجتهِدًا عالِمًا بالأحكامِ ويُعلِّمُ الناسَ ولا يَحتاجُ إلى استِفتاءِ غيرِه في الحَوادثِ؛ لأنه بالمُراجَعةِ والسُّؤالِ يَخرجُ عن رُتبةِ الاستقلالِ (٣).
(١) رواه البخاري (٦٧٢٣).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢١٥)، و «معالم السنن» (٤/ ٣٠٠، ٣٠١)، و «فتح الباري» (١٣/ ١٢٢)، و «عون المعبود» (١٢/ ٢٣٤)، و «تحفة الأحوذي» (٧/ ٣٦٦)، و «أضواء البيان» (١/ ٢٧).
(٣) «مغني المحتاج» (٥/ ٤١٣).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وأما جَماعةُ أهلِ السُّنةِ وأئمَّتُهم فقالوا: هذا هو الاختيارُ، أنْ يكونَ الإمامُ فاضِلًا عالِمًا عَدلًا مُحسِنًا قَويًّا على القيامِ كما يَلزمُه في الإمامةِ (١).
وقالَ الإمامُ الجُوَينيُّ رحمة الله عليه: فأما العِلمُ فالشَّرطُ أنْ يكونَ الإمامُ مُجتهِدًا بالغًا مَبلغَ المُجتهِدينَ مُستجمِعًا صِفاتِ المُفتينَ، ولم يُؤثَرْ في اشتِراطِ ذلكَ خِلافٌ، والدليلُ عليهِ أنَّ أمورَ مُعظمِ الدِّينِ تَتعلقُ بالأئمَّةِ، فأما ما يَختصُّ بالوُلاةِ وذَوِي الأمرِ فلا شَكَّ في ارتِباطِه بالإمامِ، وأما ما عَداهُ مِنْ أحكامِ الشَّرعِ فقدْ يَتعلقُ به مِنْ جِهةِ انتدابِه للأمرِ بالمَعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ، فلو لم يَكنِ الإمامُ مُستقِلًّا بعِلمِ الشَّريعةِ لَاحتاجَ إلى مُراجَعةِ العُلماءِ في تَفاصيلِ الوقائعِ، وذلكَ يُشتِّتُ رأيَه ويُخرجُه عن رُتبةِ الاستقلالِ.
ولو قيلَ: «إنه يُراجِعُ المُفتي مُراجَعةَ آحادِ الناسِ المُفتينَ» لَكانَ ذلكَ مُحالًا؛ فإنَّ الوَقائعَ التي تُرفعُ إلى الإمامِ في الخُطوبِ الجِسامِ والأمورِ العِظامِ لا تَتناهَى كَثرةً؛ إذ هو شَرفُ العالمينَ ومَطمحُ أعيُنِ المُسلمينَ، وقد لا يَجدُ عندَ رفعِ واقِعةٍ إليه أعلَمَ عُلماءِ القُطرِ والناحِيةِ، فيَتردَّدُ ويَتبلَّدُ ويَبطلُ أثَرُه في مَنصبِ الاستقلالِ، ولو جازَ ذلكَ لَساغَ أنْ لا يكونَ الإمامُ ذا كِفايةٍ واستقلالٍ بنَفسِه ثم يُراجعَ الكُفاةَ ويَستشيرُ ذَوِي الأحلامِ والدُّهاةِ، وهذا لا قائِلَ به.
فإذا كانَتِ الإمامةُ زَعامةَ الدِّينِ والدُّنيا ووجَبَ استِقلالُه بنَفسِه في تَدبيرِ الأمورِ الدُّنيويةِ، فكذلكَ يَجبُ استِقلالُه بنَفسِه في الأمورِ الدِّينيةِ، فإنَّ أمورَ
(١) «الاستذكار» (٥/ ١٦).
الدُّنيا على مَراسمِ الشَّريعةِ تَجرِي، فهي المُتبَعُ، والإمامُ في جَميعِ مَجارِي الأحكامِ والرأيُ يَجبُ أنْ يكونَ على مُقتضَى الشرعِ؛ فإنَّ الذي لا يَقتضيهِ الشَّرعُ لا مُعوَّلَ عليهِ …
وسِرُّ الإمامةِ استِتباعُ الآراءِ، وجَمعُها على رأيٍ صائبٍ، ومِن ضَرورةِ ذلكَ استِقلالُ الإمامِ، ثم هو مَحثوثٌ على استِفادةِ مَزايا القَرائحِ وتَلقِّي الفَوائدِ والزوائدِ منها، فإنَّ في كلِّ عَقلٍ مِيزةً، ولكنَّ اختِلافَ الآراءِ مَفسدةٌ لإمضاءِ الأمورِ، فإذا بحَثَ عن الآراءِ إمامٌ مُجتهِدٌ وعرَضَها على عِلمِه الغَزيرِ ونقَدَها بالسبْرِ والفِكرِ الأصوَبِ مِنْ وُجوهِ الرأيِ كانَ جالبًا إلى المُسلمينَ ثَمراتِ العُقولِ، ودافِعًا عنهم غائِلةَ التبايُنِ والاختِلافِ، فكأنَّ المُسلمينَ يَتحِدونَ بنَظرِ الإمامِ وحُسنِ تَدبيرِه وفَحصِه وتَنقيرِه، ولا بُدَّ على كل حالٍّ مِنْ كَونِ الإمامِ مَتبوعًا غيرَ تابعٍ، ولو لم يَكنْ مُجتهِدًا في دِينِ اللهِ لَلَزمَه تقليدُ العُلماءِ واتِّباعُهم وارتِقابُ أمرِهم ونهيِهم وإثباتِهم ونَفيِهم، وهذا يُناقِضُ مَنصبَ الإمامةِ ومَرتبةَ الزَّعامةِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: أنْ يكونَ -أي الإمامُ- ممَّن يَصلحُ أنْ يكونَ قاضِيًا مِنْ قُضاةِ المُسلمينَ مُجتهِدًا لا يَحتاجُ إلى غيرِه في الاستِفتاءِ في الحَوادثِ، وهذا مُتفَقٌ عليهِ (٢).
وقالَ الإمامُ الشاطِبيُّ رحمة الله عليه: إنَّ العُلماءَ نَقَلوا الاتِّفاقَ على أنَّ الإمامةَ الكُبرى لا تَنعقدُ إلا لمَن نالَ رُتبةَ الاجتِهادِ والفتوَى في علومِ الشَّرعِ، كما
(١) «غياث الأمم» ص (٢٦٠، ٢٦٢).
(٢) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الجنايات
وجوب القصاص وشرائطه
مَحْضًا فَيُنْظَرُ إنْ أَمْكَنَ إيجَابُ الْقِصَاصِ يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَجِبْ الْأَرْشُ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ الْخَطَأُ فَالْخَطَأُ قَدْ يَكُونُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ظَنِّ الْفَاعِلِ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ أَنْ يَقْصِدَ صَيْدًا فَيُصِيبَ آدَمِيًّا، وَأَنْ يَقْصِدَ رَجُلًا فَيُصِيبَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَصْدَ عُضْوًا مِنْ رَجُلٍ فَأَصَابَ عُضْوًا آخَرَ مِنْهُ فَهَذَا عَمْدٌ، وَلَيْسَ بِخَطَأٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَنَحْوَ أَنْ يَرْمِيَ إلَى إنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَنَذْكُرُ حُكْمَهُ، وَصِفَتَهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَهَذِهِ صِفَاتُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ.
وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِهَا فَوُقُوعُ الْقَتْلِ بِإِحْدَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عُلِمَ، وَإِمَّا أَنْ لَمْ يُعْلَمْ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ فَإِنْ عُلِمَ ذَلِكَ.
وُجُوب الْقِصَاص وَشَرَائِطه
أَمَّا الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِصَاصِ فِي مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَفِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ وُجُوبِهِ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَلِي اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ، وَشَرْطِ جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ الْقِصَاصُ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْقِطُ الْقِصَاصَ بَعْدَ وُجُوبِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ:.
ارجع إلى شروط الإمامة للاطلاع على جميع المسائل.