عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه

الإسلام > الجنايات والحدود > شروط الإمامة > عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

عزل الحاكم الفاسق والخروج عليه - الأقوال والأدلة

والعَدلُ: مَنْ كانَ على الاستقامةِ باتِّباعِ الأمرِ والنَّهيِ بفِعلِ الواجِباتِ وتَركِ المُحرَّماتِ، بأنْ لا يَفعلَ كبيرةً، ولا يُصِرَّ على صَغيرةٍ، ويَتعاطَى أفعالَ المُروءةِ، بأنْ يَرتكبَ ما يَزينُه، ويَتركَ ما يَشينُه، وهذا الشَّرطُ مُعتبَرٌ في الخليفةِ الذي هو الإمامُ، فلا يَصحُّ كونُه فاسِقًا.

وأما نائبُه الذي هو السُّلطانُ اليومَ فلا يُعتبَرُ فيه ذلك.

فلو كانَ الخليفةُ يَسكرُ أو يَزني أو يَلوطُ أو يَفعلَ كَبيرةً لم تَصحَّ له وِلايةٌ، ويَنعزلُ بذلكَ، وقد بلَغَني أنَّ مَنْ نُصِّبَ في ذلكَ يَفعلُ بعضَ هذه المحرَّماتِ (١).

عَزلُ الحاكِمِ الفاسقِ والخُروجُ عليهِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في الحاكمِ إذا كانَ عَدلًا ثم فسَقَ، هل يَنعزلُ بفِسقِه أم لا؟

فذهَبَ الحَنفيةُ وبعضُ الشافِعيةِ إلى أنه يَنعزلُ بفِسقِه.

قالَ الحَنفيةُ: ويُعزلُ بالفِسقِ لو طرَأَ عليهِ، والمُرادُ أنه يَستحقُّ العزلَ (٢).

وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: الإمامُ إذا نُصبَ ثم فسَقَ بعدَ انبَرامِ العقدُ فقالَ الجُمهورُ: إنه تَنفسخُ إمامتُه ويُخلعُ بالفِسقِ الظاهرِ المَعلومِ؛ لأنه قد ثبَتَ أنَّ الإمامَ إنما يُقامُ لإقامةِ الحُدودِ واستيفاءِ الحُقوقِ وحِفظِ أموالِ الأيتامِ والمَجانينِ والنَّظرِ في أمورِهم إلى غيرِ ذلكَ مما تقدَّمَ ذِكرُه، وما فيه

(١) «إيضاح طرق الإستقامة في بيان أحكام الولاية والإمامة» (١/ ٣٠٣، ٣٠٤).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٥٤٩).

مِنْ الفِسقِ يُقعِدُه عن القِيامِ بهذه الأمورِ والنُّهوضِ بها، فلو جوَّزْنا أنْ يكونَ فاسِقًا أدَّى إلى إبطالِ ما أقيمَ لأجْلِه، ألَا تَرى في الابتداءِ أنما لم يَجُزْ أنْ يُعقدَ للفاسقِ لأجْلِ أنه يؤدِّي إلى إبطالِ ما أقيمَ له، وكذلكَ هذا مثلُه.

وقالَ آخَرونَ: لا يَنخلعُ إلا بالكُفرِ أو بتَركِ إقامةِ الصَّلاةِ أو التَّركِ إلى دُعائِها أو شَيءٍ مِنْ الشَّريعةِ؛ لقَولِه عليه السلام في حَديثِ عُبادةَ: «وألا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، قالَ: إلا أنْ تَرَوا كُفرًا بَواحًا عندَكُم مِنْ اللهِ فيه بُرهانٌ» (١).

وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ إلى أنَّ الإمامَ لا يَنعزلُ بالفِسقِ.

قالَ المالِكيةُ: الخَليفةُ إذا وليَ مُستوفيًا للشُّروطِ لا يَجوزُ عَزلُه إذا تغيَّرَ وَصفُه، كانَ طرَأَ عليهِ الفِسقُ وظُلمُ الناسِ، بخِلافِ غيرِه مِنْ قاضٍ ووَالٍ، وإنما لم يُعزَلْ بالفِسقِ ارتكابًا لأخَفِّ الضَّررينِ؛ لِما في عَزلِه مِنْ عِظمِ الفِتنِ (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأجمَعَ أهلُ السُّنةِ أنه لا يَنعزلُ السُّلطانُ بالفِسقِ، وأما الوَجهُ المَذكورُ في كُتبِ الفِقهِ لبعضِ أصحابِنا أنه يَنعزلُ وحُكيَ عن المُعتزلةِ أيضًا فغَلطٌ مِنْ قائلِه مُخالِفٌ للإجماعِ، قالَ العُلماءُ: وسَببُ عَدمِ انعِزالِه وتَحريمِ الخُروجِ عليهِ ما يَترتبُ على ذلكَ مِنْ الفِتنِ وإراقةِ الدِّماءِ وفَسادِ ذاتِ البَينِ، فتكونُ المَفسدةُ في عَزلِه أكثَرَ منها في بَقائِه، قالَ القاضي

(١) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٧٠، ٢٧١).
(٢) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٢٩٧، ٢٩٨).

عياضٌ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامةَ لا تَنعقدُ لكافرٍ، وعلى أنه لو طرَأَ عليهِ الكفرُ انعَزلَ، قالَ: وكذا لو ترَكَ إقامةَ الصَّلواتِ والدعاءَ إليها، قالَ: وكذلكَ عندَ جُمهورِهم البِدعةُ، قالَ: وقالَ بعضُ البَصريينَ: تَنعقدُ له وتُستدامُ له؛ لأنه مُتأوِّلٌ، قالَ القاضي: فلو طرَأَ عليهِ كُفرٌ وتُغييرٌ للشرعِ أو بِدعةٌ خرَجَ عن حُكمِ الوِلايةِ وسقَطتْ طاعتُه ووجَبَ على المُسلمينَ القيامُ عليهِ وخَلعُه ونَصبُ أمامٍ عادلٍ إنْ أمكَنَهم ذلكَ، فإنْ لم يَقعْ ذلكَ إلا لطائِفةٍ وجَبَ عليهِم القيامُ بخَلعِ الكافرِ، ولا يَجبُ في المُبتدِعِ، إلا إذا ظنُّوا القُدرةَ عليهِ، فإنْ تَحقَّقوا العَجزَ لم يَجبِ القيامُ، ولْيُهاجِرِ المُسلمُ عن أرضِه إلى غيرِها ويَفرَّ بدِينِه، قالَ: ولا تَنعقدُ لفاسقٍ ابتداءً، فلو طرَأَ على الخَليفةِ فسَقَ، قالَ بعضُهم: يَجبُ خَلعُه إلا أنْ تَترتبَ عليهِ فِتنةٌ وحَربٌ، وقالَ جَماهيرُ أهلِ السُّنةِ مِنْ الفُقهاءِ والمُحدِّثينَ والمُتكلِّمينَ: لا يَنعزلُ بالفِسقِ والظُّلمِ وتَعطيلِ الحُقوقِ، ولا يُخلعُ ولا يَجوزُ الخروجُ عليهِ بذلكَ، بل يَجبُ وَعظُه وتَخويفُه؛ للأحاديثِ الواردةِ في ذلكَ، قالَ القاضي: وقد ادَّعى أبو بكرِ بنُ مُجاهدٍ في هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليهِ بعضُهم هذا بقيامِ الحَسنِ وابنِ الزُّبيرِ وأهلِ المَدينةِ على بَنِي أميَّةَ، وبقيامِ جَماعةٍ عَظيمةٍ مِنْ التابِعينَ والصَّدرِ الأولِ على الحجَّاجِ مع ابنِ الأشعَثِ، وتأوَّلَ هذا القائِلُ قولَه: «أنْ لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه» في أئمَّةِ العَدلِ، وحُجةُ الجُمهورِ أنَّ قيامَهم على الحجَّاجِ ليسَ بمُجرَّدِ الفِسقِ، بل لِما غيَّرَ مِنْ الشرعِ وظاهَرَ مِنْ الكُفرِ، قالَ القاضي: وقيلَ أنَّ هذا الخِلافَ كانَ أولًا ثم حصَلَ الإجماعُ على مَنعِ الخُروجِ عليهِم (١).

(١) «شرح صحيح مسلم» (١٢/ ٢٢٩).

وقالَ الإمامُ الجُوينيُّ رحمة الله عليه: والذي غَمضَ على العلماءِ مَدركُه واعتاصَ على المُحقِّقينَ مَسلكُه طَرَيانُ ما يُوجِبُ التَّفسيقَ على الإمامِ، فلْيُنعَمْ طالبُ التَّحصيلِ في ذلكَ نظَرَه، وليُعظِّمْ في نفسِه خطَرَه، وليَجمَعْ له فِكرَه، فإنه مِنْ مَعاصاتِ الكَلامِ في الكِتابِ، والمُستعانُ رَبُّ الأربابِ.

قد ذهَبَ طوائِفُ مِنْ الأصوليِّينَ والفُقهاءِ إلى أنَّ الفِسقَ إذا تحقَّقَ طَرَيانُه أوجَبَ انخِلاعَ الإمامِ كالجُنونِ، وهَؤلاءِ يَعتبرونَ الدَّوامَ بالابتِداءِ ويَقولونَ: «اقتِرانُ الفِسقِ إذا تحقَّقَ يَمنعُ عقْدَ الإمامةِ، فطَريانُه يُوجِبُ انقطاعَها؛ إذ السَّببُ المانعٌ مِنْ العقدِ عدمُ الثقةِ به وامتناعُ ائتمانِه على المُسلمينَ وإفضاءُ تَقليدِه إلى نَقيضِ ما يُطلَبُ مِنْ نصبِ الأئمَّةِ، وهذا المَعنى يَتحقَّقُ في الدوامِ تَحقُّقَه في الابتداءِ»، والذي يُوضحُ ذلكَ أنه لا يَجوزُ تَقريرُه، بل يَجبُ عندَ مَنْ لم يَحكمْ بانخِلاعِه خلعُه، وإذا كانَ يتعيَّنُ ذلك، فرَبطُ الأمرِ بإنشاءِ خَلعِه لا معنَى له مع أنه لا بُدَّ منه.

وذهَبَ طَوائفُ مِنْ العُلماءِ إلى أنَّ الفِسقَ بنَفسِه لا يَتضمنُ الانخِلاعَ، ولكنْ يَجبُ على أهلِ الحَلِّ والعَقدِ إذا تحقَّقَ خلعُه.

ونَحنُ بتَوفيقِ اللهِ وتَأييدِه نُوضحُ الحقَّ في ذلكَ، فنَقولُ: المَصيرُ إلى أنَّ الفِسقَ يَتضمنُ الانعِزالَ والانخِلاعَ بعيدٌ عن التَّحصيلِ، فإنَّ التعرُّضَ لِما يَتضمنُ الفِسقَ في حَقِّ مَنْ لا تَجبُ عِصمتُه ظاهرُ الكونِ سِرًّا وعَلنًا، عامُّ الوقوعِ، وإنما التقوَى ومُجانَبةُ الهوَى ومُخالَفةُ مسالِكِ المُنى والاستِمرارُ على امتثالِ الأوامرِ والانزجارُ عن المَناهي والمَزاجرِ والارعواءُ عن الوَطرِ المَنقودِ وانتِحاءُ الثوابِ المَوعودِ هو البَديعُ.

والتَّحقيقُ أنه لا يَستدُّ على التقوَى إلا مُؤيَّدٌ بالتوفيقِ، والجِبلَّاتُ داعيَةٌ إلى اتباعِ اللذَّاتِ، والطِّباعُ مُستحِثةٌ على الشَّهواتِ، والتكاليفُ مُتضمَّنُها كلَفٌ وعَناءٌ، ووَساوسُ الشَّيطانِ وهَواجسُ نَفسِ الإنسانِ مُتظافِرةٌ على حُبِّ العاجلِ واستِنجازِ الحاصلِ، والجِبلَّةُ بالسوءِ أمَّارةٌ، والمَرءُ على أرجوحَةِ الهوَى تارةً وتارةً، والدُّنيا مُستأثَرةٌ، وبابُ الثوابِ مُحتجبٌ، فطُوبى لمَن سلَّمَ، ولا مناصَ ولا خَلاصَ إلا لمَن عُصِمَ، والزلَّاتُ تجرِي مع الأنفاسِ، والقَلبُ مَطرقُ الوِسواسِ، فمَن الذي يَنجو في بياضِ نهارٍ مِنْ زلَّتِه، ولا يَتخلصُ مِنْ حقِّ المَخافةِ إلا يَتغمَّدَه اللهُ برَحمتِه.

ومَن شُغلِ الإمامِ عَقدُ الألويَةِ والبُنودِ وجَرُّ الجُنودِ، ولا يَترتبُ في دِيوانِ المُقاتِلةِ إلا أُولو النجدةِ والبأسِ وأصحابُ النُّفوسِ الأبيةِ، ذَوي الشِّراسِ والشَّماسِ، فلَيتَ شِعري كيفَ السَّلامةُ مِنْ معرَّةِ الجُندِ، وكيفَ الاستِقامةُ على شَرطِ التقوى في الحَلِّ والعَقدِ؟

ومِن شَأنِه أيضًا تَفريقُ الأموالِ بعدَ الاستِدادِ في الجِبايةِ والجَلبِ على أهلِ الشَّرقِ والغَربِ، ولا يَخفى على مُنصِفٍ أنَّ اشتِراطَ دوامِ التقوَى يَجُرُّ قُصاراهُ عُسرَ القيامِ بالإيالةِ العُظمى، ثُم لو كانَ الفِسقُ المتفَقُ عليهِ يُوجِبُ انخلاعَ الإمامِ أو يَخلعُه لَكانَ الكلامُ يَتطرقُ إلى جَميعِ أفعالِه وأقوالِه على تفنُّنِ أطوارِه وأحوالِه، ولمَا خَلا زَمنٌ عن خَوضِ خائضِينَ في فسقِه المُقتضي خَلْعَه، ولَتحزَّبَ الناسُ أبدًا في مُطَّردِ الأوقاتِ على افتراقِ وشَتاتٍ في النفي والإثباتِ، ولمَا استَتبَّتْ صَفوةُ الطاعةِ للإمامِ في ساعةٍ.

وإذا لم تَكنِ الإيالةُ الضابِطةُ لأهلِ الإسلامِ على الإلزامِ والإبرامِ كانَ ضَيرُها مُبِرًّا على خيرِها.

فخرَجَ مِنْ مَحصولِ ما ذكَرْناهُ أنَّ القائمَ بأمورِ المُسلمينَ إذا لم يَكنْ مَعصومًا، وكانَ لا يَأمنُ اقتِحامَ الآثامِ، ومَن لا يأمنُ اقتحامَ الآثامِ فيما يتعلَّقُ بخاصَّتِه فبَعُدَ أنْ يَسلمَ عن احتقابِ الأوزارِ في حُقوقِ كافَّةِ المُسلمينَ في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها إيفاءً واستيفاءً ومَنعًا واستِواءً ورَدعًا ودُعاءً وقَبولًا ورَدًّا وفَتحًا وسَدًّا، فلا يَبقى لذِي بَصيرةٍ إشكالٌ في استِحالةِ استمرارِ مَقاصدِ الإمامةِ، مع المَصيرِ إلى أنَّ الفِسقَ يُوجبُ انخِلاعَ الإمامِ، أو يُسلِّطُ خلْعَه على الإطلاقِ.

والذي يَجبُ القَطعُ به أنَّ الفِسقَ الصادِرَ عن الإمامِ لا يَقطعُ نظَرَه، ومِن المُمكِنِ أنْ يتوبَ ويَسترجعَ ويَؤوبَ، وقد قرَّرْنا بكلِّ عِبرةٍ أنَّ في الذهابَ إلى خلعِه أو انخلاعِه بكلِّ عَثرةٍ رفْضَ الإمامةِ ونقْضَها واستِئصالَ فائدتِها ورفْعَ عائدتِها وإسقاطَ الثقةِ بها واستِحثاثَ الناسِ على سَلِّ الأيدِي عن رِبقةِ الطاعةِ.

ولا خِلافَ أنَّ الإمامَ لو طرَأَ عليهِ عَرَضٌ أو عَراهُ مَرضٌ وامتَنعَ عليهِ الرأيُ به، ولكنَّه كانَ مَرقوبَ الزوالِ لم نَقْضِ بانخلاعِه، ومَن شبَّبَ في ذلكَ بخِلافٍ كانَ مُنسَلًّا عن وفاقِ المُسلمينَ انسلالَ الشَّعرةِ مِنْ العَجينِ، فإذا كانَ كذلكَ -مع أنَّ المرَضَ قاطعٌ نظَرَه في الحالِ- فما يَطرأُ مِنْ زَلةٍ -وهي لا تَقطعُ نظَرَه على أنها مَرقوبةُ الزَّوالِ- أَولى بأنْ لا يَتضمَّنَ انخِلاعَه، والأخبارُ المُستحِثةُ على اتِّباعِ الأمَراءِ في السرَّاءِ والضرَّاءِ يكادُ أنْ يكونَ

معناها في حُكمِ الاستِفاضةِ، وإنْ كانَتْ آحادُ ألفاظِها مَنقولةً أفرادًا؛ منها قولُه : «هل أنتُم تارِكونَ لي أمَرائِي، لكُم صَفوُ أمرِهم وعليهِم كَدرُه»، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ الألفاظِ، فلْيَطلبِ الحديثَ طالِبُه مِنْ أهلِه.

وإنما غَرَضي مِنْ وَضعِ هذا الكِتابِ وتَبويبِ هذه الأبوابِ تَحقيقُ الإيَالاتِ الكليَّةِ، وذِكرُ ما لها مِنْ مُوجبٍ وقَضيةٍ، وهذه مَسالكُ لا أبارِي في حَقائقِها ولا أُجاري في مَضايقِها.

فإنْ قيلَ: فلِمَ مَنعتُم عقْدَ الإمامةِ لفاسقٍ؟

قُلنا: أهلُ العَقدِ على تَخيُّرِهم في افتِتاحِ العَهدِ، ومِن سُوءِ الاختيارِ أنْ يعيَّنَ لهذا الأمرِ العَظيمِ والخَطبِ الجَسيمِ فاسِقٌ، وهم مَأمورونَ بالنَّظرِ للمُسلمينَ مِنْ أقصَى الإمكانِ، وأما الذَّهابُ إلى الانخِلاعِ بعدَ الاستِمرارِ والاستِتبابِ مع التعرُّضِ للزلَّاتِ فمُفسِدٌ لقاعدةِ الولايةِ، ولا خَفاءَ بذلكَ عندَ ذوِي الدِّرايةِ.

وهذا كلُّه -حرَسَ اللهُ مَولانا- في نَوادرِ الفُسوقِ، فأما إذا تواصَلَ منه العِصيانُ وفَشَا منه العُدوانُ وظهَرَ الفَسادُ وزالَ السَّدادُ وتَعطَّلَتِ الحُقوقُ والحدودُ وارتَفعَتِ الصِّيانةُ ووضَحَتِ الخِيانةُ واستَجرأَ الظلَمةَ ولم يَجدِ المَظلومُ مُنتصِفًا ممَّن ظلَمَه وتَداعَى الخَللُ والخَطلُ إلى عَظائمِ الأمورِ وتَعطيلِ الثُّغورِ فلا بُدَّ مِنْ استِدراكِ هذا الأمرِ المُتفاقمِ على ما سنُقرِّرُ القَولَ فيه على الفاهِمِ إنْ شاءَ اللهُ ﷿، وذلكَ أنَّ الإمامةَ إنما تُعنى لنَقيضِ هذه الحالةِ.

فإذا أفضَى الأمرُ إلى خِلافِ ما تَقتضيهِ الزَّعامةُ والإيَالةُ فيَجبُ استِدراكُه لا مَحالةَ، وتَركُ الناسِ سُدًى مُلتطِمينَ لا جامِعَ لهم على الحَقِّ والباطِلِ أجدَى عليهِم مَنْ تقريرِهم على اتِّباعِ مَنْ هو عَونُ الظالمينَ ومَلاذُ الغاشِمينَ ومَوئِلُ الهاجِمينَ ومُعتصَمُ المارقينَ الناجِمينَ، وإذا دُفعَ الخَلقُ إلى ذلكَ فقدِ اعتاصَتِ المَسالكُ وأعضَلَتِ المَداركُ، فليَتَّئِدِ الناظرُ هنالكَ … (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وقولُه: «مَنْ رَأى شَيئًا يَكرهُه فلْيَصبرْ» يعني: مِنْ الظُّلمِ والجَورِ، فأما مَنْ رَأى شَيئًا مِنْ مُعارَضةِ اللهِ ببدعةٍ أو قَلبِ شَريعةٍ فلْيَخرجْ مِنْ تلكَ الأرضِ ويُهاجرْ منها، وإنْ أمكَنَه إمامٌ عَدلٌ واتَّفقَ عليهِ جُمهورُ الناسِ فلا بأسَ بخَلعِ الأوَّلِ، فإنْ لم يَكنْ معَه إلا قِطعةٌ مِنْ الناسِ أو ما يُوجِبُ الفُرقةَ فلا يَحلُّ له الخُروجُ.

قالَ أبو بَكرِ بنُ الطيِّبِ: أجمَعَتِ الأمَّةُ أنه يُوجِبُ خلْعَ الإمامِ وسُقوطَ فَرضِ طاعتِه كُفرُه بعدَ الإيمانِ وتَركُه إقامةَ الصَّلاةِ والدَّعاَء إليها، واختَلفُوا إذا كانَ فاسِقًا ظالمًا غاصِبًا للأموالِ يَضربُ الأبشارَ ويَتناولُ النُّفوسَ المحرَّمةَ ويُضيِّعُ الحدودَ ويُعطِّلُ الحقوقَ، فقالَ كَثيرٌ مِنْ الناسِ: يَجبُ خَلعُه لذلكَ، وقالَ الجُمهورُ مِنْ الأمةِ وأهلِ الحَديثِ: لا يُخلعُ بهذهِ الأمورِ، ولا يَجبُ الخروجُ عليهِ؛ بل يجبُ وَعظُه وتَخويفُه وتَركُ طاعتِه فيما يَدعو إليه مِنْ مَعاصِي اللهِ، واحتَجُّوا بقَولِه : «اسمَعُوا وأطيعُوا وإنْ

(١) «غياث الأمم» (١/ ٢٧١، ٢٧٦).

استُعملَ عليكُم عَبدٌ حَبشيٌّ»، وأمرِه بالصَّلاةِ وراءَ كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، ورُويَ أنه قالَ: «أطِعْهم وإنْ أكَلُوا مالَكَ وضَربُوا ظهرَكَ ما أقاموا الصَّلاةَ».

قالَ القاضي أبو بكرٍ: ومما يُوجِبُ خلْعَ الإمامِ تطابُقُ الجُنونِ عليهِ وذَهابُ تَمييزِه حتى يُيْئَسَ مِنْ صحَّتِه، وكذلكَ إنْ صُمَّ أو خرَسَ وكَبِرَ وهَرمَ، أو عرَضَ له أمرٌ يَقطعُه مِنْ مَصالحِ الأمَّةِ؛ لأنه إنما نُصبَ لذلكَ، فإذا عطَّلَ ذلكَ وجَبَ خَلعُه، وكذلكَ إنْ جُعلَ مأسورًا في أيدي العَدوِّ إلى مُدةٍ يُخافُ معها الضررُ الداخلُ على الأمَّةِ ويُيْئسَ مِنْ خَلاصِه وجَبَ الاستبدالُ به، فإنْ فكَّ أسْرَه وثابَ عقلُه أو بَرِئَ مِنْ زَمانتِه ومَرضِه لم يَعدْ إلى أمرِه وكانَ رعيَّةً للأولِ؛ لأنه عُقدَ له عندَ خَلعِه وخُروجِه مِنْ الحقِّ، فلا حَقَّ له فيه، ولا يُوجِبُ خُلعَه حُدوثُ فَضلٍ في غيرِه كما يَقولُ أصحابُنا: إنَّ حُدوثَ الفِسقِ في الإمامِ بعدَ العَقدِ لا يُوجبُ خَلعَه، ولو حدَثَ عندَ ابتداءِ العَقدِ لَبطَلَ العَقدُ له ووجَبَ العدولُ عنه، وأمثالُ هذا في الشَّريعةِ كَثيرٌ (١).

وقالَ الإمامُ أبو يَعلى الفرَّاءُ رحمة الله عليه: وإذا وُجدَتْ هذه الصفاتُ حالةَ العَقدِ ثم عُدمَتْ بعدَ العقدِ نَظَرْت، فإنْ كانَ جَرحًا في عَدالتِه -وهو الفِسقُ- فإنه لا يَمنعُ مِنْ استِدامةِ الإمامةِ، سَواءٌ كانَ مُتعلِّقًا بأفعالِ الجَوارحِ، وهو ارتِكابُ المَحظوراتِ وإقدامُه على المُنكَراتِ اتباعًا لشَهوتهِ، أو كانَ مُتعلِّقًا بالاعتقادِ، وهو المتأوِّلُ لشُبهةٍ تَعرضُ يَذهبُ فيها إلى خِلافِ الحَقِّ، وهذا ظاهِرُ كَلامِه في رِوايةِ المَروزيِّ في الأميرِ يَشربُ المُسكِرَ ويَغلُّ يُغزَى معَه، وقد كانَ يَدعو المُعتصمَ بأميرِ المُؤمنينَ، وقد دَعاهُ إلى القَولِ بخَلقِ القرآنِ.

(١) «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٢١٥، ٢١٦).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحدود
١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أو يشهد عليه أربعة رجال من المسلمين أحرار عدول، يصفون الزنى)

اللهُ عَلَيْهِ " . ففى هذا أوْضَحُ الدَّلائلِ على أنَّه يُقْبَلُ رُجوعُه. وعن بُرَيْدَةَ، قال: كُنَّا أصحابَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نتحدَّثُ أنَّ الغامديَّةَ وماعزَ بن مالِكٍ، لو رَجَعا بعدَ اعْترافِهِما . أو قال: لو لم يَرْجِعا بعدَ اعْترافِهما، لم يَطْلُبْهُما، وإنَّما رجَمَهما عندَ الرابعة. روَاه أبو داود . ولأنَّ رُجوعَه شُبْهَةٌ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّ الإِقْرارَ إحْدَى بَيِّنَتَىِ الحَدِّ، فيَسْقطُ بالرُّجوعِ عنه، كالبَيِّنَةِ إذا رجعَتْ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، وفارقَ سائرَ الحُقوقِ، فإنَّها لا تُدْرأُ بالشُّبهاتِ. وإنَّما لم يجبْ ضَمانُ ماعزٍ على الذين قَتلُوه بعدَ هَرَبِه؛ لأنَّه ليس بِصَريحٍ في الرُّجوعِ. إذا ثبت هذا، فإنَّه إذا هَرَبَ لم يُتْبَعْ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: " هَلَّا تَرَكْتُمُوه". وإن لم يُتْرَكْ وقُتِلَ، لم يُضْمَنْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُضَمِّنْ ماعزًا مَنْ قَتَلَه، ولأنَّ هربَه ليس بِصَريحٍ في رُجوعِه. وإن قال: رُدُّونى إلى الحاكمِ. وجبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتْمامُ الحَدِّ، فإنْ أُتِمَّ، فلا ضَمانَ على مَن أَتمَّه؛ لمَا ذكرْنَا في هَرَبِه. وإن رجعَ عن إقْرارِهِ، وقال: كذَبْتُ في إقْرارِى. أو: رجعتُ عنه. أو: لم أفعلْ ما أقْرَرْتُ به. وجبَ تركهُ، فإنْ قَتَلَه قاتِلٌ بعدَ ذلك، وجبَ ضَمانُه؛ لأنَّه قد زالَ إقْرارُه بالرُّجوعِ عنه، فصارَ كمَن لم يُقِرَّ، ولا قصاصَ على قاتِلِه؛ لأنَّ أهلَ العلمِ اخْتَلفُوا في صحَّةِ رُجوعِه، فكان اخْتلافُهم شُبْهَةً دارئةً للقِصاصِ، ولأنَّ صِحَّةَ الإِقْرارِ ممَّا يَخْفَى، فيكونُ ذلك عُذْرًا مانِعًا من وُجوبِ القِصَاصِ.

١٥٦١ - مسألة؛ قال: (أوْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أحرارٌ عُدُولٌ، يَصِفُونَ الزِّنَى)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 103 - 111

ارجع إلى شروط الإمامة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله