الإسلام > الجنايات والحدود > شروط حد الزنا > الرجل إذا أكره على الزنا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةوعن عبدِ الجبَّارِ بنِ وائلٍ عن أبيهِ «أنَّ امرأةً استُكرِهتْ على عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فدرَأَ عنها الحَدَّ» رواهُ الأثرمُ، قالَ: «وأُتِيَ عُمرُ بإماءٍ مِنْ إماءٍ الإمارةِ استَكرهَهُنَّ غِلمانٌ مِنْ غِلمانِ الإمارةِ، فضرَبَ الغِلمانَ ولم يَضربِ الإماءَ».
وروَى سعيدٌ بإسنادِه عن طارقِ بنِ شِهابٍ قالَ: «أُتِيَ عُمرُ بامرأةٍ قد زنَتْ فقالَتْ: إني كُنْتُ نائِمةً فلمْ أستيقِظْ إلا برَجلٍ قد جَثَمَ عليَّ، فخلَّى سَبيلَها ولم يَضربْها».
ولأنَّ هذا شُبهةٌ، والحُدودُ تُدرَأُ بالشُّبهاتِ، ولا فرْقَ بينَ الإكراهِ بالإلجاءِ -وهو أنْ يَغلبَها على نفسِها- وبينَ الإكراهِ بالتَّهديدِ بالقَتلِ ونحوِه، نَصَّ عليه أحمَدُ في راعٍ جاءَتْه امرأةٌ عَطشَتْ فسألَتْه أنْ يَسقيَها فقالَ لها: أَمكِنيني مِنْ نَفسِكِ، قالَ: هذه مُضطرَّةٌ.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه أنَّ امرأةً استَسقَتْ راعِيًا فأبى أنْ يَسقيَها إلَّا أنْ تُمكِّنَه مِنْ نفسِها ففعَلَتْ، فرُفعَ ذلكَ إلى عُمرَ فقالَ لعَليٍّ: ما ترَى فيها؟ قالَ: إنها مُضطرةٌ، فأعطاها عمرُ شَيئًا وترَكَها (١).
الرَّجلُ إذا أُكرِهَ على الزنا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا أُكرِهَ على الزِّنا، هل يُقامُ عليهِ الحَدُّ أم لا؟ على أَقوالٍ.
(١) «المغني» (٩/ ٥٧).
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه إلى أنه إنْ أكرَهَه غيرُ سُلطانٍ حُدَّ، وإنْ أكرَهَه سُلطانٌ لم يُحَدَّ، وإنْ كانَ القياسُ عندَ أبي حَنيفةَ أنْ يُحَدَّ سواءٌ أكرَهَه سُلطانٌ أو غيرُه، ولكنَّه ترَكَ القِياسَ في إكراهِ السُّلطانِ؛ لأنَّ الإكراهَ لا يُتصوَّرُ في الزنا؛ لأنَّ الوطءَ لا يُمكِنُ إلا بالانتِشارِ، وهو لا يَكونُ مع الخَوفِ، وإنما يَكونُ مع اللَّذةِ وسُكونِ النَّفسِ والاختِيارِ له، فكأنهُ زنَى باختِيارِه، وليسَ كذلكَ المرأةُ إذا أُكرِهتْ على الزنا، فإنها لا تُحَدُّ؛ لأنه ليسَ منها إلا التَّمكينُ، وذلكَ يَحصلُ مع الإكراهِ.
ويَحتملُ قولُه في إكراهِ السُّلطانِ مَعنيَينِ:
أحَدُهما: أنْ يُريدَ بهِ الخَليفةَ، فإنْ كانَ قد أرادَ هذا فإنما أسقَطَ الحَدَّ لأنه قد فسَقَ وانعَزلَ عن الخِلافةِ بإكراهِه إياهُ على الزنا، فلمْ يبْقَ هناكَ مَنْ يُقيمُ الحَدَّ عليهِ، والحَدُّ إنما يُقِيمُه السُّلطانُ، فإذا لم يَكنْ هُناكَ سُلطانٌ لم يُقَمِ الحدُّ، كمَن زنَى في دارِ الحَربِ.
ويَحتملُ أنْ يُريدَ به مَنْ دونَ الخَليفةِ، فإنْ كانَ أرادَ ذلكَ فوجْهُه أنَّ السُّلطانَ مأمورٌ بالتوصُّلِ إلى دَرءِ الحدِّ، فإذا أكرَهَه على الزنا فإنما أرادَ التوصُّلَ إلى إيجابِه، فلا تَجوزُ له إقامَتُه إذًا؛ لأنه بإكراهِهِ أرادَ التوصُّلَ إلى إيجابِه، فلا يَجوزُ له ذلكَ ويَسقطُ الحَدُّ.
وأمَّا إذا أكرَهَه غيرُ سُلطانٍ فإنَّ الحَدَّ واجبٌ؛ وذلكَ لأنه مَعلومٌ أنَّ الإكراهَ يُنافي الرِّضا، وما وقَعَ عن طَوعٍ ورِضًا فغيرُ مُكرَهٍ عليهِ، فلمَّا كانَتِ الحالُ شاهِدةً بوُجوبِ الرِّضا منه بالفعلِ دَلَّ ذلكَ على أنه لم يَفعلْه مُكرَهًا،
ودَلالةُ الحالِ على ما وصَفْنا أنه مَعلومٌ أنَّ حالَ الإكراهِ هي حالُ خَوفٍ وتَلفِ النفسِ، والانتِشارُ والشَّهوةُ يُنافيهِما الخوفُ والوجَلُ، فلمَّا وُجدَ منه الانتِشارُ والشَّهوةُ في هذهِ الحالِ عُلِمَ أنه فعَلَه غيرَ مُكرَهٍ؛ لأنه لو كانَ مُكرَهًا خائفًا لَمَا كانَ منه انتِشارٌ ولا غلَبَتْه الشهوةُ، وفي ذلكَ دَليلٌ على أنَّ فِعلَه ذلكَ لم يَقعْ على وَجهِ الإكراهِ، فوجَبَ الحَدُّ.
قالَ أبو بكرٍ الجصَّاصُ رحمة الله عليه: فإنْ قيلَ: إنَّ وُجودَ الانتشارِ لا يُنافِي ترْكَ الفعلِ، فعَلِمْنا حينَ فعَلَ مع ظُهورِ الإكراهِ أنه فعَلَه مُكرَهًا كشُربِ الخَمرِ والقَذفِ ونحوِه.
قيلَ له: هذا لعَمْرِي هكذا، ولكنَّه لمَّا كانَ في العادةِ أنَّ الخوفَ على النَّفسِ يُنافِي الانتشارَ دَلَّ ذلكَ على أنه فعَلَه طائِعًا، أَلَا ترَى أنَّ مَنْ أُكرِهَ على الكُفرِ فأقَرَّ أنه فعَلَه طائِعًا كانَ كافرًا مع وُجودِ الإكراهِ في الظاهِرِ، كذلكَ الحالُ الشاهِدةُ بالتطوُّعِ هي بمَنزلةِ الإقرارِ منهُ بذلكَ، فيُحَدُّ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -والفَتوَى على قولِهما- والمالِكيةُ في قَولٍ عليهِ أكثَرُ المُحقِّقينَ في المَذهبِ كاللَّخميِّ وابنِ رُشدٍ وابنِ العرَبيِّ والحَنابلةُ في رِوايةٍ صحَّحَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا أُكرِهَ على الزِّنا لا حَدَّ عليه كالمَرأةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ: «ادرَؤُوا الحُدودُ بالشُّبهاتِ» (٢)، والإكراهُ مِنْ أعظَمِ الشُّبهاتِ،
(١) «أحكام القرآن» (٥/ ٩٩)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٧٥)، و «الاختيار» (٢/ ١٣٠)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٤٩، ٢٥٠)، و «اللباب» (٢/ ٥١٨).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٨/ ١٩١).
ولأنه إكراهٌ على الزِّنا، فوجَبَ أنْ يَسقطَ به الحَدُّ كإكراهِ المَرأةِ، ولأنَّ كلَّ ما سقَطَ فيهِ الحَدُّ أو أُكرِهتْ عليه المَرأةُ سقَطَ فيه الحَدُّ إذا أُكرِهَ عليه الرَّجلُ كالسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ.
فأمَّا الجَوابُ عن الاستِدلالِ بحُدوثِ الانتشارِ عن الشَّهوةِ فهو أنَّ الشَّهوةَ مَركُوزةٌ في الطِّباعِ لا يُمكِنُ دفعُها، وإنما يُمكِنُ دفعُ النفسِ عن الانقيادِ لها لدِينٍ أو تَقيَّةٍ، فصارَ الإكراهُ على الفعلِ لا على الشَّهوةِ، والحَدُّ إنما يَجبُ في الفِعلِ دونَ الشهوةِ (١).
قالَ الحدَّاديُّ رحمة الله عليه: قولُه: (وإنْ أكرَهَه على الزِّنا وجَبَ عليهِ الحدُّ عندَ أبي حَنيفةَ، إلا أنْ يُكرِهَه السلطانُ)؛ لأنَّ الإكراهَ لا يُتصوَّرُ في الزنا؛ لأنَّ الوطءَ لا يُمكِنُ إلا بالانتِشارِ، وهو لا يَكونُ مع الخوفِ، وإنما يَكونُ مع اللَّذةِ وسُكونِ النَّفسِ والاختيارِ له، فكأنهُ زنَى باختِيارِه، وليسَ كذلكَ المرأةُ إذا أُكرهَتْ على الزنا، فإنها لا تُحَدُّ؛ لأنه ليسَ منها إلا التَّمكينُ، وذلكَ يَحصلُ مع الإكراهِ، وأمَّا إذا أكرَهَه السُّلطانُ ففيهِ روايتانِ:
(١) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «البيان» (١٢/ ٣٦٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٢٢)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٠٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٣٧)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٧٠٤)، و «أحكام القرآن» (٥/ ٩٩)، و «تحفة الفقهاء» (٣/ ٢٧٥)، و «الاختيار» (٢/ ١٣٠)، و «تبيين الحقائق» (٥/ ١٨٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ٨٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٤٩، ٢٥٠)، و «اللباب» (٢/ ٥١٨)، و «الدر المختار» (٦/ ١٣٧)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٣١٠)، و «حاشية الصاوي» (١٠/ ٢٥٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٣٩)، و «المغني» (٩/ ٥٧)، و «المبدع» (٩/ ٧٢).
إحداهُما: يَجبُ به الحدُّ، وبه قالَ زُفرُ، والوجهُ فيه ما ذكَرْنا.
والثانيةُ: لا حَدَّ عليه ويُعزَّرُ ويَجبُ عليه المَهرُ؛ لأنَّ السُّلطانَ لا يُمكِنُ مُغالَبتُه ولا التظلُّمُ منه إلى غيرِه، وفي البَزْدَويِّ الكَبير: إذا أكرَهَه السُّلطانُ على الزِّنا لا يسَعُه الإقدامُ عليهِ؛ لأنَّ فيه فَسادَ الفِراشِ وضَياعَ النَّسلِ، وذلكَ بمَنزلةِ القتلِ.
قولُه: (وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يَلزمُه الحَدُّ) ويُعزَّرُ، سواءٌ أكرَهَه السُّلطانُ أو غيرُه؛ لأنَّ الانتِشارَ مِنْ طَبعِ الإنسانِ، فيَحصلُ بغيرِ اختيارِه، ثم يُكرَهُ على المُواقَعةِ، فيَصحُّ الإكراهُ ويَسقطُ الحَدُّ ويَجبُ المَهرُ؛ لأنَّ الوطءَ في مِلكِ الغيرِ لا يَخلُو مِنْ حدٍّ أو مهرٍ، فإذا سقَطَ الحدُّ وجَبَ المَهرُ، ولا يَرجعُ به على الذي أكرَهَه، وإنْ أُكرِهَ عليه بحَبسٍ أو قَيدٍ أو ضَربٍ لا يَخافُ منه تلَفًا فليسَ له أنْ يَفعلَ، فإنْ فعَلَ فعَليه الحدُّ؛ لأنَّ الحبسَ والقيدَ إكراهٌ في الأموالِ والعُقودِ، فأما المَحظوراتُ فلا إكراهَ فيها إلا بما يَخافُ منه تلَفَ نَفسٍ أو عُضوٍ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عليه الحدَّ؛ لأنَّ الوطءَ لا يكونُ إلا بالانتِشارِ، والإكراهُ يُنافيهِ، فإذا وُجدَ الانتشارُ انتَفى الإكراهُ، فيَلزمُه الحدُّ كما لو أُكرِهَ على غيرِ الزِّنا فزَنَى (٢).
(١) «الجوهرة النيرة» (٦/ ٢٤٩، ٢٥٠).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٣/ ٢٤١، ٢٤٢)، و «البيان» (١٢/ ٣٦٠)، و «المهذب» (٢/ ٢٦٧)، و «روضة الطالبين» (٦/ ٥٢٢)، و «النجم الوهاج» (٩/ ١٠٦)، و «مغني المحتاج» (٥/ ٤٣٧)، و «تحفة المحتاج» (١٠/ ٧٠٤)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٣١٠)، وحاشية الصاوي (١٠/ ٢٥٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ٣٣٩)، و «المغني» (٩/ ٥٧)، و «المبدع» (٩/ ٧٢)، و «كشاف القناع» (٦/ ١٢٤، ١٢٥).
قالَ المالِكيةُ: الرَّجلُ المُكرَهُ على الجِماعِ هل يُحَدُّ أو لا؟
مَذهبُ المُحقِّقينَ كابنِ رُشدٍ واللَّخميِّ وابنِ العرَبيِّ: لا حَدَّ عليهِ ولا يُؤدَّبُ؛ لعُذرِه بالإكراهِ.
والأكثَرُ على خِلافِ هذا، قالُوا: عليهِ الحدُّ، وعليهِ أكثَرُ أهلِ المَذهبِ، قالَ الخِرَشيُّ رحمة الله عليه: وهو المَذهبُ (١).
وقالَ الدِّرديرُ رحمة الله عليه: والأكثَرُ على خِلافِه، وأنه يُحَدُّ، وهو المَشهورُ.
قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قولُه: (والأكثَرُ على خِلافِه، وأنه يُحَدُّ) أي: مُطلَقًا، سواءٌ انتَشرَ أم لا، كما في ابنِ عرَفةَ و «الشامِل»، وظاهِرُه أنه يُحَدُّ على قولِ الأكثَرِ ولو كانَتْ هي المُكرِهةَ له على الزِّنا بها، وهو كَذلكَ، إلَّا أنه لا صَداقَ لها عليهِ إذا كانَتْ هي المُكرِهةَ له، وإنْ أكرَهَه غيرُها غَرمَ لها الصَّداقَ ورجَعَ به على مُكرِهِه.
ومَحلُّ الخِلافِ إذا أكرَهَه على الزِّنا بها وكانَتْ طائِعةً ولا زوْجَ لها ولا سيِّدَ، وإلا حُدَّ اتفاقًا؛ نظَرًا لحَقِّ الزَّوجِ والسيِّدِ وإلى أنها مِسكينةٌ لا يَجوزُ أنْ يقدمَ عليها ولو بسَفكِ دَمِه.
(١) «شرح مختصر خليل» (٨/ ٨٠).
ارجع إلى شروط حد الزنا للاطلاع على جميع المسائل.